هاجر أو تاريخ وحضارة.. جدارية ضخمة على أصلب صخور فلسطين

إنجاز الجدارية استغرق نحو ستة أشهر بدءا من التصميم ومراجعته وحتى تنفيذه (الجزيرة)
إنجاز الجدارية استغرق نحو ستة أشهر بدءا من التصميم ومراجعته وحتى تنفيذه (الجزيرة)

عوض الرجوب-الخليل

على بُعد عشرات الأمتار من مسجد خليل الله إبراهيم، أحد أهم وأقدم الأماكن التاريخية والمقدسات الإسلامية بفلسطين، بُعثت "هاجر" من جديد لتحكي تاريخ وحضارة مدينة تنهشها أطماع الغزاة منذ أكثر من نصف قرن. 

فعلى مدخل زقاق يعود بناؤه إلى العصر العثماني نصبت لجنة إعمار الخليل جدارية ضخمة حفرت في أصلب صخور فلسطين، لتظل شاهدة على هوية وثقافة مدينة وشعب يأبى التخلي عن تاريخه وحقوقه وفي الوقت ذاته يتطلع إلى الحرية والاستقلال.

أعطى النحت اليدوي للصخور المستخرجة من جبال الخليل لمسة فنية ساحرة لفتت أنظار الزوار خلال افتتاح الجدارية، بحضور رسمي وشعبي الخميس الماضي. 

واستغرق إنجاز الجدارية -وهي من عمل الفنان التشكيلي يوسف كتلو وبطول عشرة أمتار وارتفاع ثلاثة أمتار- نحو ستة أشهر بدءا من التصميم ومراجعته وحتى تنفيذه.

رموز ودلالات
وضعت الجدارية في مدخل زقاق ضارب في القدم يسلكه قاصدو الخليل القديمة والمسجد الإبراهيمي، وبينما يستغرق المهتمون في التمعن وقراءة رموز اللوحة يختصر آخرون الوقت ويكتفون بنظرة عابرة أو صورة تذكارية. 

في قراءة متأنية لرموز الجدارية ودلالاتها يستوقفك الغوص في التاريخ والتشبث بالحق والهوية، ورفض الذل والانكسار، والتصدي لمحاولة سرقة الماضي الفلسطيني ورموزه من قبل كيان سرق كل شيء حتى طبق الحمص الفلسطيني. 

جدارية "هاجر" كما يفضل رسامها أن يسميها أو "تاريخ وحضارة" كما تسميها لجنة إعمار الخليل صاحبة المبادرة، عمل فني متكامل ومزدحم بالرموز والإيماءات التي تحكي تاريخ وجذور الشعب الفلسطيني ومكوناته. 

النحت اليدوي للصخور المستخرجة من جبال الخليل أعطى لمسة فنية ساحرة (الجزيرة)

فـ "هاجر" التي استهوت مصمم الجدارية الفنان كتلو، ليس زوجة أبي الأنبياء إبراهيم الخليل فحسب، بل هي سيدة خليلية عصرية وأخرى ترتدي الكوفية الفلسطينية وثالثة كنعانية، في رسالة واضحة: هنا الأصل والمصير.. هنا الجذر والثبات والصبر.. هنا الخصوبة والإنجاب والتكاثر.. هاجر هي أمل النهوض والتمسك بالأرض. 

عجلة الحياة
لم يغفل الفنان كتلو الخليل المعاصرة باعتبارها مدينة تجارية واقتصادية مدللا على ذلك بعجلة الحياة المستمرة أسفل يمين الجدارية.

الخليل المقدسة حاضرة في الجدارية من خلال مئذنة المسجد الإبراهيمي، ومن خلال بلوطة إبراهيم، وهي شجرة قديمة بالمدينة يقرنها بعض المؤرخين بنبي الله إبراهيم عليه السلام.  

ومع غنى المدينة التاريخي والحضاري، فإن واقعها محاصر بالاحتلال وإجراءاته التي تحاصر المدينة من خلال مئات الحواجز العسكرية والمستوطنات، فكانت الأسلاك الشائكة رمزا لهذا الحصار، ورغم ذلك تستمر محاولات المدينة للنهوض والانطلاق نحو الحرية والأمن والسلام وهو ما صوره الفنان كتلو بحمامة حزينة متأهبة للانطلاق. 

الزراعة وقطوف العنب وأغصان الزيتون وسنابل القمح كلها رموز تحكي هوية المدينة واستمراريتها في الحياة رغم محاولة سرقتها وتزوير تاريخها.

مدينة التاريخ بمبانيها العتيقة التي فاقت عمر الاحتلال بأكثر من ثلاثمئة عام، تعيش واقعا حزينا لكن رسالة الجدارية واحدة، وهي أن شمس الحرية لا بد أن تبزغ ولا بد من لحظة يستخدم فيها سلم الخروج من هذا الواقع. 

هاجر المسروقة
"هاجر" التي يريد الاحتلال الاستئثار بها بمزاعم توراتية تنطق بهويتها في لوحة الفنان يوسف كتلو وترفض كل أساطير الاحتلال، في تسخير واضح وقوي لرمز ديني في السياسة.

هنا يرد الرسام على تهويد وتسييس الاحتلال لكل شيء بما في ذلك السرقة الدينية والتاريخية وتوظيفها فيما تجاوزت المكان إلى اللباس والطعام.

الجدارية نصبت في مدخل زقاق يعود بناؤه إلى العصر العثماني (الجزيرة)

والجدارية انعكاس لمشروع ضخم تقوده لجنة إعمار الخليل يهدف إلى الحفاظ على الوجود الفلسطيني ووقف التغول الاستيطاني، وتتجاوز مهمتها في الإعمار المادي للمباني إلى إعمارها بالسكان حيث تمكنت في السنوات الأخيرة من ترميم مئات المساكن وتأهيلها بمئات العائلات.

وقررت لجنـة التـراث العالمـي التابعـة لمنظمـة الأمم المتحـدة للتربيـة والثقافة والعلوم (اليونسـكو) في يوليو/تموز 2017، إدراج الحـرم الإبراهيمي والبلـدة القديمـة من الخليل علـى لائحـة التـراث العالمـي. 

وتأسست لجنة إعمار الخليل بمرسوم رئاسي عام 1996، وحُدد هدفها بالحفاظ على التراث الثقافي للمدينة وإنقاذ البلدة القديمة من جشع المستوطنين وتأهيل بنيتها التحتية، وتحسين الظروف المعيشية للسكان.

المصدر : الجزيرة