تغيّب الواقع وتتملق السلطة.. الدراما العربية في قفص الاتهام

ملتقى كتاب الدراما وضع اللبنة الأولى للمساهمة في الارتقاء بالكتابة الدرامية العربية (الجزيرة)
ملتقى كتاب الدراما وضع اللبنة الأولى للمساهمة في الارتقاء بالكتابة الدرامية العربية (الجزيرة)

محمد السيد–الدوحة

وضع نقاد وفنانون ومهنيون الدراما العربية في قفص الاتهام، وأخذوا عليها الابتعاد عن الواقع والارتماء في حضن السلطة، وتنميط الذوق العام، وتغييب الدور التربوي والتثقيفي للفن الدرامي، وذلك على هامش ختام ملتقى كتاب الدراما بقطر.

الملتقى الذي نظمته وزارة الثقافة والرياضة القطرية على مدى يومين، تحت عنوان "التصورات الكبرى في الدراما العربية بين راهن المضمون الفكري وأفق التجربة الجمالية"؛ شهد جدلا كبيرا حول ماهية الدراما كونها سلاحا ذا حدين؛ إما أن تنقل الواقع بكل ما فيه من إيجابيات وسلبيات، وتجد لها حلولا، أو أن تبتعد عنه وتبث أفكارا هدامة ليست صحية.

ويرى المؤلف والمخرج القطري سعد بورشيد أنه لا يمكن الحكم في المطلق بأن الدراما العربية لا تعبر عن الواقع أو تؤثر أو تتأثر به، ووصف مثل هذه الأحكام بالجائرة.

ويقول بورشيد الأستاذ بكلية المجتمع للجزيرة نت "إن المبدعين الذين يكتبون مسلسلات تلامس قضايا الواقع غير موجودين في الوقت الحالي، حيث بات الاعتماد هذه الأيام على قضايا اللفظ والحركة من أجل الربح".

ومر تاريخ الدراما العربية بكيانات وقامات أثرت الذاكرة، سواء في السينما أو المسرح أو الإذاعة، بالأعمال الهادفة والصادقة التي تعتمد على الهواية وحب الفن بالدرجة الأولى، وفقا لبورشيد.

ويشدد المخرج القطري على وجود بعض الومضات التي تترك بصمة فنية مميزة كل فترة، لكنه يرى الحل في إيجاد كتاب قادرين على سد الفراغ ويملكون من الرؤية والثقافة، الأمر الذي يؤدي إلى بروز جيل جديد من المبدعين الذين يكملون المسيرة ويحققون الرسالة.

ويوضح بورشيد أن التغييرات السياسية وقمع السلطة قد يؤثر على الدراما، لكنه في الوقت نفسه ساعد على إبراز الابداعات الفنية، وتعزيز المنتج الفني للكثير من الفنانين والمبدعين على مر العصور.

ويؤكد أن الواقع الذي تعيشه الدراما العربية حاليا يخالف المأمول، لكنه تمنى أن يكون منتدى كتاب الدراما بقطر خطوة أولى لتحقيق النجاح الذي يحتاج إلى جهد، وليس صف حرف جنب آخر.

بورشيد: لا يمكن الحكم في المطلق بأن الدراما العربية لا تعبر عن الواقع أو تؤثر أو تتأثر به (الجزيرة)

تفريغ الدراما
ووضع ملتقى كتاب الدراما -الذي شهد مشاركة أكاديميين وفنانين وكتاب ونقاد من 14 دولة عربية- اللبنة الأولى للمساهمة في الارتقاء بالكتابة الدرامية العربية، والوصول بها إلى أفضل الوسائل الفنية، تعبيرا عن قضايا المجتمع ورفع ذائقته الجمالية ووعيه المجتمعي، حتى لا تكون الكتابة الدرامية أداة لتغريب المجتمع وإلهائه عن قضاياه المصيرية، وإنما أداة لتحفيز قواه نحو التقدم والخير والعطاء والإيمان بالقيم الإنسانية المشتركة.

بدوره، يعبر الفنان والمخرج القطري جاسم الأنصاري عن أن الدراما مرآة المجتمعات لعكس واقعها ورؤياها المستقبلية، لكن بعض الأنظمة لا تعطي الحرية الكاملة للنصوص الدرامية، وتفرغها من محتواها ومنظورها الفكري لأنها تعارض سياساتها.

ويقول الأنصاري للجزيرة نت "إن الدراما انعكاس للواقع ووسيلة للعبور به إلى بيئة أرحب، لكنها تختلف حسب الاتجاهات الفكرية للكتاب أنفسهم، حيث تعد وسيلة معرفية تراقب النشاط البشري في المجتمعات، وتعمل على تقويم سلوك الناس داخل المجتمع".

ويوضح أن الدراما لها اتجاهات عديدة، وأن الكتابة الدرامية لها مدارس مختلفة، إلا أن مدى اقترابها من الواقع وانعكاساتها تختلف مع رؤية الكاتب والمحتوى الفني الذي يؤثر بصورة مباشرة على المتلقي.

وتساءل الأنصاري عن مدى تحقيق الأعمال الفنية الضخمة التي تنتجها الدول العربية الـ22 للطموحات، لكنه رفض في الوقت نفسه المقارنة مع الأعمال الغربية، خاصة أن الفن عندهم مستقل يصنعه ويحكم عليه الناس، وليس في حصن الحكومات.

وأوصى المشاركون في الملتقى باستحداث ورش متخصصة لكتاب الدراما الشباب للارتقاء بكتاباتهم وتعزيز حضورهم، والعمل على تقديم تجارب إبداعية شابة لتشخيص وضعية الكتابة الدرامية لدى الأجيال الجديدة، وضرورة الاهتمام بالدراسة الميدانية للتحولات الحاصلة في المجتمعات بالتنسيق مع الجهات المتخصصة على الصعد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية لتطويع نتائجها في بناء النصوص الدرامية.

اقتراب الدراما من الواقع وانعكاساتها تختلف مع رؤية الكاتب (الجزيرة)

دراما قائدة للفكر
من جانبها، ترى الناقدة والأكاديمية السورية الدكتورة حنان قصاب أن الدراما العربية رغم كونها تعكس الواقع، فإن الواقع أحيانا يقلد ويحاكي ما يراه في الدراما، ولذلك هناك مسؤولية كبيرة على عاتق الكتاب لتقديم أعمال هادفة.

وتشدد قصاب على ضرورة الاهتمام بتنشئة جيل من الدراميين الذين لديهم الوعي الاجتماعي والتربوي والسياسي، وذلك من خلال المعاهد والأكاديميات المعنية بفنون الدراما، التي تلعب دورا كبيرا في توجيه الكتاب نحو قضايا المجتمع الكبرى.

ودعا المشاركون في الملتقى إلى الاهتمام بدراما الأطفال، والتنسيق مع المنابر المختصة لنشر أعمال الملتقى، وتخصيص محور دائم حول قضايا الدراما، فضلا عن بحث صيغ جديدة للملتقى تخفف البعد النظري -على أهميته- وتضاعف عرض التجارب لكتاب الدراما، وتعزز الجانب التفاعلي بين المشاركين.

من جهته، يؤكد حمد الزكيبا مدير إدارة الثقافة والفنون بوزارة الثقافة والرياضة، ورئيس اللجنة المنظمة للملتقى؛ أن الملتقى سعى لإنتاج دراما عربية تقص أعماق الوجدان وتكون قائدة للفكر وتفتح باب الأمل للشعوب.

ويقول الزكيبا للجزيرة نت "إن الملتقى في دورته الثانية حقق توصيات الدورة الأولى من خلال استمراره بشكل سنوي، فضلا عن أن جائزة الدوحة للكتابة الدرامية كانت من مخرجاته، وسيتم الإعلان عن الفائزين بها قبل نهاية العام الجاري".

وتقدم لجائزة الدوحة للكتابة الدرامية 819 نصا دراميا متنوعا، منها 316 نصا مسرحيا، بالإضافة إلى 77 سيناريو تلفزيونيا، و426 سيناريو سينمائيا، من 29 دولة حول العالم.

ويضيف رئيس اللجنة المنظمة للملتقى أن الدراما العربية أصبحت مؤلمة بعدما بات يتحكم فيها المنتجون الذين يتجهون إلى الربح، ولا يبحثون عن تطوير المجتمعات، لكن الملتقى بدأ الخطوة الأولى ومنح الفرصة لمن لم يجدوا منابر.

المصدر : الجزيرة