مسلسل "البصر".. هل تعيد أبل أمجاد "صراع العروش"؟

جيسون موموا لم يبتعد كثيرًا عن منقطته الآمنة التي قدم خلالها شخصية الكال دروجو وأكوامان (مواقع التواصل)
جيسون موموا لم يبتعد كثيرًا عن منقطته الآمنة التي قدم خلالها شخصية الكال دروجو وأكوامان (مواقع التواصل)

آدم منير 

انطلقت منذ أيام قليلة منصة "آبل تي في بلس" (Apple TV Plus) بعدد من المسلسلات التي أعلنت عنها مسبقًا؛ في محاولة لسحب البساط -ولو قليلًا- من المنصة الأضخم والأشهر "نتفليكس" (Netflix). 

أحد أبرز هذه الأعمال هو مسلسل "البصر" (See) من تأليف ستيفن نايت، وعُرضت الحلقات الثلاث الأولى منه دفعة واحدة. المسلسل ذو الإنتاج الضخم والأجواء الفانتازية، ربما ذكّر البعض بالعمل الأشهر "صراع العروش" (Game of Thrones)، خاصة مع مشاركة جيسون موموا في العملين.

الرؤية جريمة
ينتمي العمل لنوع "ما بعد الكارثة" (Post-Apocalyptic)، حيث تبدأ الحلقة الأولى بسطور توضح حلول مرض غامض أدى إلى فناء البشرية تقريبًا، ومن تبقوا فقدوا بصرهم، واستمرت الحال هكذا سنوات كثيرة، حتى صار الحديث عن البصر هرطقة تجب معاقبتها.

تدور الأحداث داخل قرية ألكيني التي تواجه هجومًا من قتلة السحرة، نتيجة وصول أخبار بأن هناك في القرية من يعرف بجيرلاماريل (جوشوا هينري) الهارب الذي يدعي أنه يستطيع الرؤية، ويقود القرية المقاتل بابا فوس (جيسون موموا)، ويحاول مواجهة هذا الخطر.

فكرة العمى وفقدان البصر من الأفكار المثيرة دائمًا، قدمها للأدب من قبل الروائي الكبير جوزيه ساراماغو في "العمى"، التي تحولت لاحقًا لفيلم متواضع المستوى، وفي مصر كانت للراحل أحمد خالد توفيق تجربة أيضًا في رواية "في ممر الفئران" التي قدم فيها عالما يتعرض لكارثة تحجب الشمس ليحيا الجميع في ظلام دائم.

يبدأ المسلسل بصراع بسيط، بابا فوس وقريته أمام قائد قتلة السحرة تاماكتي جن (كرستيان كمارجو)، لكن الأحداث تتشعب لنجد أن قتلة السحرة مُرسلين من قِبل الملكة كين (سيلفيا هوكس) التي تحيا مع أتباعها في بقايا قلعة قديمة تشهد قليلًا من ملامح التكنولوجيا التي انتهت، في حين بابا فوس يجد نفسه يرعى طفلي جيرالاماريل حديثي الولادة. 

هكذا يتحرك السيناريو سريعًا، ويمر خلال عدة سنوات ليقدم أحداثا جديدة في كل حلقة، وأخطارًا إضافية، لم يتوقف طويلًا في البداية للتعريف بأبعاد العالم والطريقة التي يحيا البشر بها في ظل هذا العمى، بل يقدم هذا من خلال الأحداث تدريجيًّا. وهي الطريقة نفسها التي نتعرف بها على الشخصيات، إذ في كل حلقة تنكشف تفصيلة جديدة تخص ماضي بابا فوس أو الملكة. 

ربما كان هذا في صالح إيقاع الحلقات التي جاءت ثرية بالأحداث بالفعل، وفي كل مشهد نجد تحديًا جديدًا للشخصيات، مع نهاية جيدة لكل حلقة. لكنه لم يكن بأفضل خيار في ما يخص المنطق، إذ إن غياب البصر والاعتماد على حاسة السمع مع غياب أي مظهر للتكنولوجيا، لا يعني أن يعود البشر إلى بعض العادات التي تبدو أقرب للقرى الأفريقية تحديدًا، سواء في الأغاني أو الملابس أو بعض الطقوس. 

كان من الضروري أيضًا إعطاء المزيد من التفاصيل عن الملكة، وكيف أصبحت في هذه المكانة وحولها الكثير من الأتباع، وإن كان السيناريو قدم تفاصيل جيدة لهذه الشخصية، إذ ربط بين السلطتين الدينية والسياسية، في شكل أقرب لما كان عليه الوضع عليه في العصور الوسطى في أوروبا؛ فالملكة تبيد السحرة إرضاء للإله الذي تمثله هي على الأرض. 

عالم جديد
في الأعمال التي تدور في عوالم متخيلة، أو عوالم ما بعد الكارثة، يكون اختيار تصميم هذا العالم من أكثر التفاصيل المهمة لفريق العمل، وهذا يبدأ من شكل المباني، وحتى أصغر قطعة "إكسسوار" قد ترتديها الشخصيات.

كانت لدى صناع المسلسل أفكار للتغلب على بعض الأسئلة التي ستطرأ حول عالم بلا نظر، فكيف يتم التواصل عن بعد وإرسال الرسائل، وهل هناك لغة مكتوبة؟ وهل لا زالت هناك حياة لبقية الحيوانات؟

للأسف أول حاجز قد يقف أمامنا هو الملابس التي بها من التناسق في الألوان والاهتمام بتفاصيل الشكل أكثر مما يحتمله منطق أن من صنعها هم عميان بعد أجيال طويلة من العمى، فعلى الأرجح ستجانبهم بعض الدقة، وبالتأكيد سيغيب عنهم تنسيق الألوان.

لكننا نجد أفكارًا جيدة لطريقة الكتابة باستخدام عقد الخيوط، أو بعض الحيل التي يستخدمها بابا فوس لتحديد موضع أعدائه، وإن كان هذا الأمر يستلزم تعليقًا على الإخراج.

اهتم المخرج في الكثير من المشاهد -خاصة في معركة الحلقة الأولى- بتوضيح أننا نشاهد عميانا، وبالتالي نجد الحركة ثقيلة في بعض الأحيان، لكننا في أحيان أخرى نجد الشخصيات تتحرك كما لو كانت تعرف طريقها بثقة، وهو أمر كان يحتاج إلى المزيد من الدقة، ليس فقط في ما يخص الحركة، بل ما يخص الإحساس بالصوت الذي يتراوح في بعض المشاهد بين الإحساس بأقل همسة بعيدة، وعدم الاستماع إلى جمل كاملة تُقال من مسافة قريبة.

اجتهد جيسون موموا لتقديم تفاصيل الشخصية، وإن كان لم يبتعد كثيرًا عن منقطته الآمنة التي قدم خلالها شخصية الكال دروجو في "صراع العروش" ثم "أكوامان"
(Aquaman)، فلا زال أداؤه قريبًا من الشخصيتين، بنفس الشعر الطويل أيضًا، مع إضافة تفصيلة العمى في شخصية بابا فوس، ولكن في الحقيقة لم يكن مطلوبًا منه -حتى الآن- أن يقدم أكثر من هذا. 

في المقابل، تأتي سيلفيا هوكس بأداء فيه بعض المبالغة والحدة في الكثير من المشاهد، وقد اختار السيناريو تفصيلة للشخصية، هي أنها تصلي وهي تبلغ ذروتها الجنسية، وهو ما يتفق مع نظرية الملكة الدينية الزائفة، لكنه احتوى على مبالغة لم تقدم بطريقة جيدة. 

مسلسل "البصر" يعد من الأعمال الواعدة التي يمكن أن تستمر بنجاح لعدة مواسم، فهذا العالم الذي لم نكتشف آخره بعد، وهذه الشخصيات التي نكتشف المزيد عنها في كل حلقة، تعد بالكثير لتقدمه، حتى مع وجود بعض المآخذ التي يمكن معالجتها في المواسم القادمة، لكنه من الصعب أن يحتل مكانة "لعبة العروش"؛ فالصراع هنا أقل تشعبًا، والشخصيات ذات أبعاد أقل مما شاهدناه في الأخير.

المصدر : الجزيرة