الأمن الأميركي يتأهب مع عرض "الجوكر".. هل تلهم السينما أعمال العنف؟

شخصية الجوكر أصبحت وكأنها أيقونة إنسان العصر الحديث الذي يفصله عن الجنون دفعة صغيرة (مواقع التواصل)
شخصية الجوكر أصبحت وكأنها أيقونة إنسان العصر الحديث الذي يفصله عن الجنون دفعة صغيرة (مواقع التواصل)

رحمة حداد

"لماذا، لم تفعل ذلك؟ لا، لا" هكذا انفعل وارتبك الممثل الأميركي واكين فينيكس قبل ثوان من قيامه ساخطا مغادرا مقابلة صحفية مع جريدة تليغراف، كان سبب المغادرة الدرامية هو سؤال الصحفي للممثل الشهير الذي يلعب دور الجوكر في آخر أفلامه عما إذا كان الفيلم يشكل خطرا ويحفز الناس على العنف؟

فمن الممكن أن يلهم الفيلم المهمشين الذين يحكي عنهم، لكن واكين لم يجد أن السؤال يستحق أن يتابع المقابلة ويفكر في إجابة، انتشرت المقابلة قبل عرض الفيلم بشكل جماهيري، ومع بدء العرض العام تأهبت الشرطة والمخابرات الأميركية تحسبا لأعمال عنف مرتقبة، بل تم إيقاف عدة عروض بناء على "تهديدات قابلة للتصديق".

أول مجزرة
عام 2012 وفي عرض منتصف الليل بإحدى دور السينما في أوروا بولاية كولورادو الأميركية، أطلق جيمس إيجان هولمز القنابل المسيلة للدموع بين الحضور ثم بدأ في إطلاق نار عشوائي أدى لمقتل 12 من الحضور وجرح حوالي 82 آخرين.

وقع الحادث أثناء عرض فيلم "فارس الظلام ينهض" (The Dark Knight Rises) الجزء الثالث والأخير من سلسلة فارس الظلام، والتي تتناول شخصية باتمان وصراعه ضد الجريمة والمجرمين.

في الجزء الثاني من تلك السلسلة الذي عرض عام 2008، يواجه باتمان غريمه التقليدي وشخصية الكوميكس الشهيرة "الجوكر" الذي قام بتمثيل دوره الراحل هيث ليدغر ببراعة شديدة، حتى أنه يكاد يكون أحد أسباب رحيله بسبب اندماجه المفرط مع الشخصية المضطربة.

في تلك النسخة من الحكاية، الجوكر شخصية أناركية معادية للمجتمع والمنطق، لكنه يملك منطقه الخاص ويرى أنه لا صلاح لمدينة فاسدة ولا معنى للمبادئ الكلاسيكية.

أصبح جوكر هيث -الذي كتبه وأخرجه كريستوفر نولان- رمزا للثقافة الشعبية بشكل ما، صور على الملابس ويتم تداول حكم على لسانه على مواقع التواصل الاجتماعي، وعندما قدم جيمس إيجان هولمز للمحاكمة بعد عملية القتل الجماعي التي ارتكبها بصالة السينما، كان من الواضح عليه عدم الاتزان والاضطراب الشديدين، وبعد مداولات متعلقة بصحته العقلية والنفسية حكم عليه بالسجن مدى الحياة.

نفذ هولمز عمليته أثناء عرض "فارس الظلام ينهض" ولم تكن شخصية الجوكر موجودة في ذلك الفيلم، لكن عند التفكير في العملية يلوح طيفه فورا، فهي جريمة مشابهة لطابع جرائمه المفاجئ لكنه مخطط بعناية وعبثي للغاية.

وحتى وقتنا هذا، أي عام 2019 حيث نشاهد جوكرا جديدا في السينما، تتأهب الشرطة لكارثة ما على وشك الوقوع لربطها بين حادثة كلورادو وشخصية الجوكر وكأنها أصبحت أيقونة إنسان العصر الحديث الذي يفصله عن الجنون دفعة صغيرة على حسب كلام جوكر 2008 الذي اشتهر بحكمته العبثية.

حدث في مدرسة
لم تكن تلك أول حادثة قتل جماعي أو عنف في العموم متعلقة بالسينما، لكنها كانت مروعة بشكل كبير وكاف لتظل في الوجدان، فهي أكبر حادثة في كولورادو منذ حادثة قتل جماعي بمدرسة ثانوية عام 1999.

ربط حادثة المدرسة بالسينما هنا يحوي بعض التعقيد، كانت تلك الحادثة فاجعة حقيقية حيث قام بها طالبان من المدرسة ذاتها، عاديان لكنهما عاشقان لألعاب الفيديو ويملكان المال ووقت فراغ كبيرا، عام 2003 صنع المخرج الأميركي المستقل جاس فان سانت فيلما مستوحى من تفاصيل الحادثة يسمى "فيل" (Elephant).

لم يصنع سانت دراما زائدة ولا مشاعر جياشة، مجرد يوم عادي في المدرسة، الطلبة يأكلون ويلعبون الكرة ويتحدثون عن بعضهم البعض لكنه ركز على الطالبين اللذين على وشك أن يصبحا قتلة مفترسين، تتبع شراءهما للأسلحة واستخدامهما لها، كيف خططا خريطة المكان وكيف قاما بتنفيذها.

عام 2005 بعد صدور الفيلم بعامين أطلق جيف فايز الرصاص على جده ورفيقة جده، ثم أخذ سيارته ليذهب إلى مدرسته الثانوية لكي يرتكب مجزرة بحق الطلبة هناك، في التحقيقات التي تلت الحادثة قال أحد أصدقائه إنهما استأجرا فيلم "فيل" وتخطيا جميع مشاهده لكنهما شاهدا مقاطع التخطيط للمجزرة فقط.

ما قبل الجوكر
لسنوات وسنوات دارت جدالات بين المحللين والعلماء عن علاقة الأفلام وألعاب الفيديو بالسلوك العنيف لمشاهديها وممارسيها، آخرها عام 2019 بواسطة د. آليا كلاين ونشرت في جريدة تليغراف.

أجرى معدو الدراسة تجارب لكي لرؤية طريقة عمل المخ أثناء مشاهدة لقطات العنف والقتل، وأفضت التجارب كما هو متوقع بأن الأمر يتوقف على طبيعة عقل المشاهد، فمن الممكن أن تحفز الشخص العنيف بداية، لكنها لن تزرع عنفا داخل شخص مسالم، هشاشة العقل أو قابليته للتحول هي المعيار الحقيقي.

قبل أن تصبح شخصية الجوكر المادة الخام للخوف والشعور بالتهديد بسبب إمكانية التأثر بها، كانت هناك شخصية أليكس بطل فيلم "البرتقالة الآلية" (Clockwork Orange) للمخرج الأميركي الشهير ستانلي كوبريك، يحكي الفيلم قصة عصابة من المراهقين يقتلوا ويغتصبوا ويسرقوا دون ندم أو تفكير، يرتدون ملابس مميزة ويغنون أغاني من أفلام أميركية قديمة.

بعد نجاح الفيلم تكررت بعض المشاهد بنفس الأسلوب، ولكن في الواقع. وهو الذي جعل كوبريك يضطر للدفاع عن فيلمه، وعن العنف في الفن، لكنه قرر أن يسحب الفيلم من قاعات العرض، ولم يعلم أحد بالتحديد ما السبب، هل شعر بالذنب أم حسب كلام زوجته بعد رحيله تم تهديده شخصيا؟

المصدر : الجزيرة