السجن كرديف للحياة.. كيف عبر فيلم "وداعا شاوشنك" عن مشاعرنا بعمق؟

"وداعا شاوشنك" فيلم عن الحرية والصداقة والصبر والأمل والقدرة على التغيير ولو ببطء (مواقع التواصل)
"وداعا شاوشنك" فيلم عن الحرية والصداقة والصبر والأمل والقدرة على التغيير ولو ببطء (مواقع التواصل)

سارة عابدين 

هناك عدد قليل من الأفلام التي تعبر عن المشاعر الإنسانية بعمق، وتمثل علامة فارقة في تاريخ السينما، ويستكشف المشاهد فيها معاني وأفكارا جديدة تنمو مع كل مشاهدة لها. ومن أهم تلك الأفلام فيلم "وداعا شاوشنك" الذي يمر هذا العام 25 عاما على عرضه للمرة الأولى عام 1994.

صنف الفيلم ضمن أهم 100 فيلم في السينما الأميركية، ليس فقط للأداء الرائع لكل من مورغان فريمان، وتيم روبنز، وسيناريو وإخراج فرانك درابونت عن رواية ستيفن كينغ "ريتا هيوارث والخلاص من شاوشنك"، وإنما أيضا للتصوير السنيمائي الدقيق للمصور روجر ديكنز الذي استطاع أن يركز على المشاعر الإنسانية ونظرات العيون، ليسلط الضوء على الانتصارات والمآسي والمعاني الأعمق وراء كل مشهد.

جوهر الفيلم
يناقش الفيلم عدة أفكار مختلفة بشكل متضافر، فهو فيلم عن الحرية والصداقة والصبر والأمل والقدرة على التغيير ولو ببطء. يظهر في البداية المصرفي آندي دوفرين الذي يقوم بدوره الممثل توم روبنز، ويبدو للمشاهدين أنه شخص بارد وعقلاني وقادر على القيام بجريمة القتل ببساطة.

نتعرف على آندي أكثر من خلال تطور القصة، ومن خلال علاقة الصداقة التي تتوطد بينه وبين السجين ريد الذي قام بدوره مورغان فريمان الذي اعتاد حياة السجن ولم يعد لديه أمل في الخروج، حتى إنه رتب حياته بشكل كامل داخل السجن، ولم يعد يعول على احتمالات الإفراج المشروط، وأصبح يتعامل معها بشكل آلي ويكرر نفس الجمل عن إعادة تأهيله كشخص صالح في المجتمع في كل مرة، ويتم رفض الإفراج عنه في كل مرة.

يبدو دوفرين كأنه ألقى حجرا في بركة الركود والملل والروتين الذي اعتاده المساجين، عن طريق احتفاظه بالأمل ورغبته المستمرة في تغيير الواقع إلى الأفضل، سواء عن طريق مقاومة الأذى الجسدي الذي يحدث له وعدم الاستسلام له، أو عبر استمراريته في إرسال الخطابات للحصول على تمويل للمكتبة.

يظهر في سياق الحكاية شخص على النقيض تماما من دوفرين، وهو السجين بروكس أقدم السجناء في سجن "شاوشنك".

اعتاد بروكس تماما على حياة السجن ولم يعد يعرف ما هو شكل الحياة في الخارج، حتى إنه كاد يرتكب جريمة قتل ليبقى داخل السجن الذي يعرفه.

واجه بروكس في حياته الجديدة بعد الإفراج عنه خطر الحرية، فهو لا يعرف طريقة عبور الشارع، ولا يمكنه التأقلم مع عمله الجديد، بالإضافة إلى شعوره بفقدان هويته الشخصية، حيث كان صاحب مكانة عالية بين المساجين، وكانت هويته الاجتماعية متجذرة بعمق بين أقرانه نتيجة طول مدته بالسجن، بينما في حياته الجديدة أصبح ذا وضع اجتماعي أقل بسبب إشراف مديره، وانتقادات العملاء لبطئه في تعبئة الأكياس نتيجة آلام مفاصل يديه.

يظهر للمشاهد في حالة بروكس أن شعوره بالحرية كان أكبر داخل مجتمع السجن، منه في الحياة بعد إطلاق سراحه، نتيجة اعتياده على روتين الحياة في السجن.

ولم يستطع بروكس التأقلم مع الحياة الجديدة نهائيا حتى انتحر في نهاية الأمر، لأنه لم يتحمل حياة الحرية خارج السجن.

أهم مشاهد الفيلم
جاء آندي دوفرين كبطل لأغلب المشاهد الرئيسية في الفيلم، ليظهر كأيقونة للاستمرارية والحرية، خاصة في المشهد الذي يجازف فيه بحياته أثناء طلاء سقف المصنع، ويعرض على الضابط أن ينجز له أوراق الضرائب مقابل أن يأخذ كل سجين مشروبا مثلجا.

الأمر لا يتعلق هنا بالمشروب في حد ذاته، لكن بالشعور بلحظات صغيرة من الحرية التي تمثل الهدف الأكبر والأسمى لآندي.

المشهد الثاني أثناء ترتيب الصناديق التي جاءت إلى المكتبة، حيث يكتشف آندي أسطوانة موسيقية لموزارت، فيغلق الباب على نفسه في مكتب المأمور ويشغل مقطوعة "زواج فيغارو" في مكبرات الصوت الخاصة بالسجن. يستمع المساجين لأول مرة إلى الموسيقى والأصوات التي تحلق بعيدا كطائر يحلق بعيدا عن جدران السجن، ويشعرون بمعنى الحرية مجددا.

رغم تأكده أنه سيعاقب نتيجة تشغيل الموسيقى، لم يبال آندي بذلك، وبعد حبسه انفراديا لمدة شهر نتيجة فعلته لم يندم وإنما قال "رافقتني موسيقى موزارت طوال مدة الحبس في عقلي وفي قلبي، وهذا هو جمال الموسيقى.. لا يمكنهم أخذها.. نحتاج الموسيقى حتى لا ينسى العالم أن هناك شيئا داخلك لا يستطيعون الوصول إليه أو لمسه.. شيئا لك وحدك".

لم يتم اختيار مقطوعة "زواج فيغارو" لمجرد كونها مقطوعة موسيقية، لكن بالعودة إلى تاريخها نجدها مستوحاة من قصة "زواج فيغارو" للكاتب الفرنسي الشهير بومارشي.

تدور أحداث القصة في القرن الثامن عشر بإشبيلية ضمن إطار خيالي كوميدي بنظرة ثورية على الصعيد الاجتماعي والنفسي والسياسي، ويقال إنها ساهمت في تسريع أحداث الثورة الفرنسية لما فيها من إشارات ثورية مبطنة. من هنا كان اختيار المقطوعة في سياق أحداث الفيلم نوعا من أنواع التحريض على الثورة على السجن وما يمثله من تقييد للحرية والأمل.

قوانين الحياة
من خلال اللقطات العالية للسجن في بداية الفيلم، التي تظهر اتساعه وضخامته وصعوبة اختراقه، بالإضافة إلى التأكيد على انعدام التعاطف من السجناء القدامى للقادمين الجدد، يتضح أن سجن شاوشنك ربما يمثل الحياة بكل تناقضاتها وصراعاتها بين البشر.

وحتى قوانين السجن تشبه بشكل ما قوانين الحياة، ويظهر ذلك في المشهد الذي يؤكد فيه المأمور على أهمية الانضباط والإنجيل اللذين يمثلان القوانين والدين في الحياة، ولا ينبغي اختراقهما لأي سبب.

محاولات المأمور لتدجين السجناء منذ البداية تشبه تماما محاولات الحكومات لتدجين المواطنين وقهرهم حتى لا يمكنهم التفكير في الحرية أو الثورة، ليدرك السجناء في لحظة أن حياتهم القديمة ذهبت في طرفة عين، وأنهم مجرد أرقام في سجلات السجن دون أي أهمية لأسمائهم، تماما كما ينظر الحكام الطغاة لمواطنيهم في أي مكان بالعالم.

المصدر : الجزيرة