كيف تتجدد علاقة الشعر والموسيقى على أوتار عود مارسيل خليفة؟

لا يختار مارسيل قصائده عبثا فهو ينتقيها كمن يبحث عن الدرر بين الرمال (الجزيرة)
لا يختار مارسيل قصائده عبثا فهو ينتقيها كمن يبحث عن الدرر بين الرمال (الجزيرة)

عبد الغني بلوط-مراكش

منتصب القامة مرفوع الهامة كعادته، يمشي الفنان مارسيل خليفة على خشبة قصر الباهية المفعم بعبق التاريخ، وفي كفه عود أمل، وعلى عاتقه تفجير القصيدة لتصير موسيقى تملأ الكون حياة وسعادة وجمالا، ضمن الأمسية الافتتاحية للنسخة الثانية من "مهرجان الشعر المغربي" في مدينة مراكش يوم الجمعة الماضي.

يقول مارسيل وهو ينظر إلى الجموع بنظرات شاخصة "يا أيها الشعراء غنوا وانظموا كي لا تبقى عيوننا حرما من الكبت واجترار الأماني والأحلام في السر، ولكي نتفتح كبشر طبيعيين لنا الحق في السعادة، ولنبعد عنا الحرمان الذي لا يثمر سوى الفساد والحقد".

ويضيف "كل أنا شعرية تضيء الآن هي شمس كبيرة، تعيد لنا الحب والكرامة والحرية، وتذكرنا بأن الشاعر هو العالم، شمس تعيدنا إلى الحياة، تنقذنا".

شارك الفنان مارسيل خليفة في حفل افتتاح "مهرجان الشعر المغربي" في مراكش (الجزيرة)

موسيقى وشعر
تبقى تجربة مارسيل خليفة في علاقة الشعر بالموسيقى استثنائية، فشعرنا الحديث -كما يرى نقاد- يُصنع بعيدا عن الروح الموسيقية التي لا يكون الشعر شعرا من دونها.

تلك الإيقاعات الداخلية العميقة بذبذباتها السرية التي يستقيم بها الشعر، والتي يجب أن يستشعرها القارئ حتى في قصيدة النثر، لكي يضيء النثر ويشفَّ فيصير شعرا.

إن غيابها بالضبط هو ما وسّع الهوة بين الشعر والموسيقى في مشهدنا العربي، وهنا بالضبط تصلح تجربة مارسيل خليفة نموذجا، حيث يشكل الاستثناء الأقوى والأهم، كما يبرز الشاعر المغربي ياسين عدنان.

ويضيف عدنان للجزيرة نت "مارسيل بارع في اقتناص النصوص التي تكمن في نسقها الموسيقى، ربما لأنه شاعر بالأساس، بالروح وبالوجدان، دون أن يكتب شعرا بالضرورة. لهذا هو ماهر في انتقاء القصائد التي يمكنها أن تتحول بسلالة إلى أغان، دون أن تكون مجرد أناشيد مبذولة سهلة المأخذ".

بحسب عدنان يربط مارسيل خليفة الشعر بالحرية، بالفردوس الضائع الذي لن يبقى ضائعا، مشيرا إلى أن الشاعر يطلب المستحيل، يسكنه، يعذبه ويهون عليه، وغالبا ما يفترسه، ولكن لا يقدر الشاعر أن ينفصل عن طلب المستحيل، إنه قدره، كفاحه في الوجود وفي تغيير العالم والحياة، نحو السعادة والجمال والنشوة، وتوليد الضوء في هذا العالم المظلم.

انتقاء الدرر
قبل صعود  مارسيل خليفة إلى الخشبة، عزف الفنان المغربي أمير علي معزوفة كمن ينظم قصيدة، وألقى كل من الشاعر حميد شمسدي والشاعرة ثريا ماجدولين قصائد تنبض بموسيقى إيقاعية مبهرة.

حضر مارسيل تكريم الشاعرة المغربية مليكة العاصمي، وتقول الشاعرة للجزيرة نت "إن علاقة الشعر بالموسيقى متداخلة، وإن مارسيل خليفة يمثل قيمة ننشدها باعتباره من أهم المطربين الذين اعتنوا بالقصيدة العربية".

وتشرح مليكة أن مارسيل لا يختار قصائده عبثا، فهو ينتقيها كمن يبحث عن الدرر بين الرمال في قيعان البحر المظلمة، يرفع قيمة أغانيه، ودليل ذلك ما نراه من اهتزاز القلوب والأفئدة حين سماعها.

وتأسف الشاعرة لكون العديد من المنجز الموسيقى قطع علاقته مع الشعر واشتغل على الكلام العادي المبتذل، في حين أن مارسيل ارتقى بالقصيدة إلى مستوى عال من الأداء.

وتعتبر أن مارسيل ظاهرة جميلة ومبدعة في التجربة العربية، تحترم وظيفتها معبرة عن وجدان الأمة، عن رقيها وطموحها إلي الحرية والكرامة.

يقول الشاعر المغربي أحمو الحسن الأحمدي للجزيرة نت "إن مارسيل خليفة هو الفنان الذي آلف بين الشعر العالي والموسيقى الساحرة في أبهى تجلياتها، فكان دوما توليفة شعرية موسيقية عابرة للأجيال والأذواق، وظل وسيظل رمزا في الذاكرة الجماعية لتقليص المسافة بين الفنين العظيمين: الشعر والموسيقى".

الفنان المغربي أمير علي أثناء حفل افتتاح المهرجان بقصر الباهية التاريخي (الجزيرة)

مارسيل ودرويش
حيا مارسيل الثورة في بلده، وبدأ كلامه بالحديث عن محمود درويش، وقال إنه تعرف إلى هذا الشاعر المصاب بمرض الحب، وحين سأل محمود عن نفسه قال إنها مليئة بالحالات الجميلة، وبإحساس حاد إلى حد البرق، وبتوتر روحي لا يعرف أين كان يجد متنفسه قبل أن يعثر عنه في الشعر.

يضيف مارسيل "أن درويش وجد في الشعر خلاصا له، وأقام حوارا بينه وبين الوجدان العام، وجعل من جرائم الواقع والحياة انتصارات في الشعر، وحول ظلام العالم وخطاياه إلى ملذات، وقلب اللفظ البائس كلمات تزخر بالهلع الرائع وتتخطى الزمان والمكان، ظهر لنا كالأمل".

تفاعل مارسيل مع درويش -أحد الأسماء الشعرية العربية في القرن العشرين- جعل منه أيقونة تذكر الشعراء بالموسيقى والموسيقيين بالشعر، كما يبرز الشاعر الأحمدي.

يوضح الشاعر ياسين عدنان أن مارسيل تمكن من أدواته الفنية والموسيقية كمؤلف وكملحن، ومع ذلك يصرُّ على الشعر الجميل الصعب، ولحسن الحظ أن درويش كان هنا.

ويؤكد أن مارسيل عرف كيف يستفيد من قصيدة درويش، يغنيها ويغتني بها، وهكذا ربحنا مع مارسيل صدى أقوى لدى الجمهور العربي الواسع لمحمود درويش، لشعراء الجنوب اللبناني ولكل من غنى لهم، فمارسيل هدية لبنان للشعر العربي الحديث.

الشاعر أحمو الحسن الأحمدي: أعطى مارسيل خليفة للشعر والموسيقى بعدا آخر راسخا للأبد في الوجدان العربي والإنساني (الجزيرة)

سهل ممتنع
ويرى عدد من النقاد أن الفنانين من عيار مارسيل خليفة من أصحاب المشاريع الفنية والثقافية صنفان في الأغلب، صنف يراهن أكثر ما يراهن على موهبته الخاصة وقدراته في مجال التأليف الموسيقي والتلحين، فتراه يكتب لنفسه كلمات بسيطة يسميها نصوصا، فالأهم بالنسبة له ما يصنعه شخصيا من موسيقى، أما الكلمات فمحض ذريعة.

وصنف يتكئ على أشعار شهيرة وأناشيد يسهل حفظها فيلحنها -هي الملحَّنَة أصلا- لكي يخفي بها عجزه عن صياغة الجملة الموسيقية المبدعة واللحن المبتكر.

ويعتبر الشاعر عدنان أن "مارسيل بين هذا وذاك"، وهو لا يتصوره فنانا خارج الشعر، و"يقينا هذا الرجل شاعر بالأساس، وما أقل الموسيقيين الشعراء".

كما أن مارسيل -كما يشير إلى ذلك الشاعر الحسن الأحمدي- حلّق بجناحي الشعر والموسيقى في سماء القضية العربية والنضال الفلسطيني، مما يعطي للفنين في تجربة مارسيل بعدا آخر راسخا للأبد في الوجدان العربي والإنساني بشكل عام.

أما مارسيل نفسه -المكرم في الأمسية- فيختم حديثه "أيها الشاعر لا تستسلم، لا تتبدل، فلا احتمال للحياة خارج الخيال، ولا حياة خارج هذا الشيء القليل أو الكثير من الجنون، الذي هو الشعر".

المصدر : الجزيرة