السخرية المريرة.. كيف يفضح الكاريكاتير المغربي قبح الواقع؟

يعري فنان الكاريكاتير الواقع ويفضح قبحه وهشاشته وينتقد الممارسات الاجتماعية والسياسية (الجزيرة)
يعري فنان الكاريكاتير الواقع ويفضح قبحه وهشاشته وينتقد الممارسات الاجتماعية والسياسية (الجزيرة)

سناء القويطي-الرباط 

يعري فنان الكاريكاتير الواقع ويفضح قبحه وهشاشته، ينتقد الممارسات الاجتماعية والسياسية، وبريشته اللاذعة وأسلوبه الساخر يضع الأصبع على الجراح الملتهبة؛ فينتزع من الجمهور ابتسامة متهكمة ومريرة. 

وإذا كانت جذور فن الكاريكاتير تعود إلى القرن 17، فإن ظهوره في المغرب بدأ محتشما في الثلاثينيات من القرن الماضي، لينتشر ويجد له مكانا وسط أشكال التعبير الأخرى، متحديا الألغام المزروعة في طريق الحريات العامة. 

البدايات والانتشار
يعد الكاريكاتير من أهم أدوات الاحتجاج السياسي والاجتماعي، وقد راكم منذ بداياته في المغرب تجارب غنية وعاش منعطفات ومحنا وانفراجات ترتبط بشكل أساسي بالحالة السياسية في البلاد.

في كتابه "الكاريكاتير في المغرب.. السخرية على محك الممنوع" الحائز على جائزة المغرب للكتاب عام 2019، يشير الكاتب والفنان إبراهيم الحيسن إلى أن أول الرسوم الكاريكاتيرية وجد طريقه للنشر في صحيفة أخبار اليوم في فترة الستينيات من القرن الماضي، ثم صحف الكواليس وأخبار السوق والأسبوع الضاحك وأخبار الفن.

الكاريكاتير من أهم أدوات الاحتجاج السياسي والاجتماعي (الجزيرة)

ورصد رواد الكاريكاتير بريشتهم الساخرة وعينهم الثاقبة الواقع السياسي والاجتماعي خلال فترات حرجة من تاريخ المغرب، فقد كان هذا الفن دائما مقياسا لدرجة حرارة الديمقراطية والحرية في البلاد.

يقول رئيس الجمعية المغربية لرسامي الكاريكاتير عبد الغني الدهدوه إن هذا الفن عرف طفرة وانتشارا في الستينيات والسبعينيات، لكن مع بداية الثمانينيات حدثت انتكاسة بسبب الوضع السياسي في تلك المرحلة المعروفة بسنوات الجمر والرصاص.

غير أن التسعينيات جاءت محملة برياح التغيير، وتزامن ذلك مع ظهور تقنيات جديدة مثل الكمبيوتر واللوحات الالكترونية، وظهر جيل جديد من الفنانين أضافوا نفسا جديدا لهذا الفن، عن هذه الفترة يقول الدهدوه "سُمح لأول مرة برسم جميع الوجوه السياسية في الكاريكاتير باستثناء رئيس الدولة وهو ما جعل السخرية تزدهر ".

متاعب ومصاعب
لم يكن الطريق أمام رواد الكاريكاتير مفروشا بالورود، فقد واجه الرسامون متاعب ومصاعب كثيرة، وقادت السخرية عددا منهم ومن الناشرين إلى المنع والاعتقال وإغلاق الصحف، ففي الثمانينيات اعتقل الرسام إبراهيم المهادي بسبب نشر رسم كاريكاتيري، ومنع من الرسم نحو 18 سنة قبل أن يعود لاحقا لممارسة شغفه على صفحات جريدة "الصحيفة" المستقلة.

الرسامون واجهوا متاعب ومصاعب كثيرة وصلت إلى المنع واعتقال بضعهم (الجزيرة)

وفي الفترة نفسها اعتقل الفنان حميد البوهالي عشرين يوما، وأغلقت صحيفته بقرار من وزارة الداخلية، بعد نشر رسم كاريكاتيري لوزير الداخلية آنذاك إدريس البصري مع وزيرين آخرين.

وفي عام 1986، منع عميد الكاريكاتيريين العربي الصبان من الرسم في جريدة العلم بعد نشر كاريكاتير ينتقد العلاقة بين المغرب والولايات المتحدة وإيران، وتركت الجريدة مساحته بيضاء احتجاجا على هذا القرار.

هؤلاء الرواد الذي أشهروا ريشتهم لنقد الممارسات السياسية والواقع الاجتماعي، نالهم التضييق والتكميم في وقت كانت فيه الحرية مقصوصة الجناح وعين السلطة لا تطيق سماع النقد ولا تقبل السخرية من المسؤولين.

ورغم بوادر الانفراج والانفتاح مع تولي الملك محمد السادس الحكم، فإن الوضع لم يخل من مناكفات ومضايقات، وحكم على الرسام خالد كدار وتوفيق بوعشرين ناشر جريدة أخبار اليوم بأربع سنوات لكل منهما مع وقف التنفيذ بسبب رسم ساخر لابن عم الملك خلال احتفال الأسرة الملكية بزواجه.

السخرية تنتعش مع الحرية
يؤكد عبد الغني الدهدوه الذي ينشر بصحيفة المساء المستقلة أن "الحرية شرط أساسي للإبداع الكاريكاتيري، فالسخرية تنتعش كلما ارتفع هامش الحرية"، ويرى أن رسام الكاريكاتير بالمغرب أفضل حالا من غيره في كثير الدول العربية؛ فحجم الرقابة أقل وإن كانت الحرية لها سقوف وتقيدها بعض الإكراهات. 

ومن الإكراهات تلك المرتبطة بالسياسة التحريرية للصحيفة الناشرة، هذه السياسة -حسب الدهدوه- تحد من قدرات الرسام التعبيرية وتحاصره بخطوط يتداخل فيها ما هو سياسي واقتصادي يتعلق بالإعلانات والتمويل.

غير أن الرسام الذكي، حسب الدهدوه، يستطيع إيصال رسالته الفنية وسط الخطوط الحمراء التي تضعها الصحف، كما أن مواقع التواصل الاجتماعي مكنته من الإفصاح عن مواقفه وآرائه الصريحة وممارسة حريته في التعبير. 

أما رسامة الكاريكاتير رهام الهور، وتعمل في صحيفة حزبية، فترى أن أهم الإكراهات التي يواجهها هذا الفن مرتبط بالرقابة الذاتية التي تكبح ريشة الرسام الساخر وهذه الرقابة "مصدرها المجتمع وهي أخطر من السلطة"، حسب تعبيرها. 

الرسام يستطيع إيصال رسالته الفنية وسط الخطوط الحمراء التي تضعها الصحف (الجزيرة)

مؤشرات إيجابية ومفارقات
في هذا العام، أعلنت وزارة الثقافة والاتصال المغربية عن جائزة "صحافة الرسم الكاريكاتيري" ضمن أصناف الجائزة الوطنية للصحافة، وهو إعلان تراه رهام الهور اعترافا من الدولة بهذا الفن كجنس صحافي لا غنى عنه في الصحافة الوطنية وبدوره في التغيير والإصلاح.

ورغم المكانة المتقدمة والاعتراف الذي حظي به هذا الشغب الساخر في السنوات الأخيرة، فإن هناك مفارقة غريبة يشير إليها عبد الغني الدهدوه، ففي الوقت الذي ارتفع منسوب الحرية وتطورت التقنيات وظهرت مدارس متخصصة في الرسم؛ أصبحت الأجيال الجديدة من الرسامين لا تميل إلى الكاريكاتير السياسي والاجتماعي.

ووفق الدهدوه فهؤلاء الشباب يفضلون أشكالا أخرى من التعبير المجرد مثل البورتريهات والغرافيك والفنون التشكيلية، "فالرسام لم يعد مسيسا، وأصبح رسامو الرأي قلة وهذه مشكلة حقيقية يعاني منها الكاريكاتير في المغرب والعالم العربي أيضا".

المصدر : الجزيرة