التمرد والتحرر.. هذه أعمال أسامة فوزي المثيرة للجدل

هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

التمرد والتحرر.. هذه أعمال أسامة فوزي المثيرة للجدل

تحمل أفلام أسامة فوزي قيم التحرر كما تفيض بحب الحياة (مواقع التواصل)
تحمل أفلام أسامة فوزي قيم التحرر كما تفيض بحب الحياة (مواقع التواصل)

حسام فهمي-القاهرة 

يبدأ عام 2019 بخبر حزين تلقاه المجتمع السينمائي المصري والعربي، فقد رحل مساء أمس الثلاثاء الثامن من يناير/كانون الثاني المخرج المصري أسامة فوزي. 

فوزي أحد خريجي المعهد العالي للسينما بالقاهرة، وقد عمل مساعد مخرج لفترة طويلة مع عدد كبير من المخرجين المصريين، أبرزهم شريف عرفة ويسري نصر الله ورضوان الكاشف، قبيل أن يبدأ مشروعه الإخراجي المنفرد.

لطالما جذبت أفلام أسامة فوزي الأنظار، وثار حولها الجدل، لكن وراء كل هذا منتج فني فريد من نوعه، يدور في عوالم خاصة، ويحمل قيم التحرر، كما يفيض بحب الحياة.

في هذا التقرير سنحلل ثلاثة من أشهر أعمال فوزي، وهي عفاريت الأسفلت، وجنة الشياطين، وبحب السيما. لنحاول أن نتتبع من خلالها سمات أسلوبه وأفكاره.

جذبت أفلام أسامة فوزي الأنظار وأثارت الجدل لكنها كشفت عن منتج فني فريد من نوعه (مواقع التواصل)



عفاريت الأسفلت.. خليط الواقعية والحكايات
في نهاية عام 1995، بدأ فوزي مسيرته الإخراجية بفيلمه "عفاريت الأسفلت" الذي شهد أيضا تعاونه الأول مع صديقيه الممثل محمود حميدة والكاتب مصطفى ذكري.

في هذا الفيلم يخبرنا فوزي بقصة حي شعبي يسكنه مجموعة من سائقي سيارات الأجرة "الميكروباصات"، وهي فئة لم تحظ بحكايتها السينمائية المستقلة قبل أن يسردها فوزي في هذا الفيلم.

سائقو الميكروباص أو عفاريت الأسفلت كما يصفون أنفسهم، هم فئة من نوع خاص، ينتمون بشكل ما لطبقة فقيرة، لكنهم معتزون بأنفسهم بشكل كبير، متأنقون دائما، وشغوفون باقتناص الحب أو انتزاعه.

هنا تدور الأحداث عن ثلاثة أجيال من السائقين وزوجاتهم وعشيقاتهم، وفي القلب من كل هذا حلاق يهوى الحكايات ويجيد خلق أجوائها. 

تظهر بوضوح سمات سينما فوزي من فيلمه الأول هذا، حيث خلط ببراعة بين واقعية شديدة لمظهر الحي وبيوته وأزياء سكانه، وفانتازيا تنبع في الأساس من حكايات خيالية يتبادلها البشر، ومتعة شرهة تستخدم وسيلة للتمرد والتحرر، وموت يجري تخطيه لأن الحكايات والذكريات تستمر.

تعد شخصية "الأسطى محمد الحلاق" التي قام بها الفنان حسن حسني، أحد أكثر شخصيات عالم فوزي السينمائي تفردا، حيث يستمر الحلاق في السرد حتى أنه لا يدرك أن أحد زبائنه قد فارق الحياة، وحينما يدرك هذا يصبح اعتراضه الوحيد "كيف تموت وأنا أحكي؟!".

حصد فيلم عفاريت الأسفلت في النهاية جائزة لجنة التحكيم الخاصة من مهرجان لوكارنو السينمائي الدولي.



جنة الشياطين.. عن ماهية الحياة والموت
تستمر الحكاية حتى إذا مات البطل، في "جنة الشياطين"، يخصص فوزي فيلما كاملا لأحداث تدور بشكل غرائبي حول هذه الفكرة، عالم خاص يشاركه فيه أيضا مصطفى ذكري ومحمود حميدة عن رواية الكاتب البرازيلي جورج أمادو، التي عالجها صناع الفيلم بالحذف والتعديل والتشويه، تماما كما وصفوا ذلك بأنفسهم، لتصبح مناسبة تماما للسياق المصري.

نتابع في هذا الفيلم حكاية موظف مل حياته وأسرته المحافظة، فقرر أن يتركها ويعيش هائما في حياة بوهيمية مع مجموعة من السكارى والغواني، وحينما يموت تحاول أسرته أن تقيم له جنازة كلاسيكية، لكن رفاقه الفقراء يختطفون جثته ليحتفلوا برفقتها للمرة الأخيرة.

البطل منير رسمي الذي يقوم بدوره محمود حميدة ميت طوال أحداث الفيلم، ولكن الجميع يحكي له، هنا تستمر الحكايات كما يستمر الجنس كوسيلة للتمرد والتحرر، ولكن كل شيء يدور في عالم ما بعد حداثي أشبه بالكابوس، يسيطر الليل على الصورة، ونعيش الأحداث في ظلام طويل ممتد.

عرض "جنة الشياطين" في عام 1999، ورغم كونه مفاجأة عجيبة لكل من شاهده، فقد فاز الفيلم بالجائزة الذهبية في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة لمهرجان دمشق السينمائي الدولي.



بحب السيما.. عن الحب والحرية
تمرد البطل في "جنة الشياطين" كان في الأساس ضد أسرته، لكن التمرد هنا في فيلم "بحب السيما" امتد ليصبح ضد السلطة بكل أشكالها.

نتابع في تعاون فوزي الأول مع المؤلف هاني فوزي حكاية "عدلي"، الرجل المسيحي الأرثوذكسي المتدين، وزوجته "نعمات" الرسامة التي نسيت شغفها، وابنهما "نعيم" الشغوف بالسينما والتمرد.

تتكرر خصائص سينما أسامة فوزي هنا أيضا، حيث الجنس وسيلة للتحرر، يمارسه عدلي في البداية تحت وطأة الشعور بالذنب، حتى ولو كان مع زوجته، خوفا من اللذة واعتقادا أن التقرب لله لابد أن يقترن بالحرمان والألم، وأن له وظيفة محددة جدا هي الإنجاب، وفي النهاية حينما يعلم بضعف صمامات قلبه وقرب موته، يمارسه رغبة في الحب، وطلبا للتمرد، والتحرر من كل شيء، حتى لو كلفه هذا حياته.

التمرد في "بحب السيما" يبدأ من تمرد نعيم على أسرته، وينتهي بتمرد عدلي على سلطة الدين وسلطة الدولة.

يحب فوزي أبطاله، ولهذا ينقل لنا مشاعرهم دوما بحساسية شديدة، يستخدم في هذا وبشكل متكرر كادرات قريبة على وجوههم، كما يمنحهم الفرصة دوما في التحدث بشكل منفرد، وفي مونولوجات طويلة وشخصية، وكأنها اعتراف مقابل الكاميرا.

يتكرر هذا في مونولوج طويل لعدلي الذي يقوم بدوره محمود حميدة، يخاطب فيه في البداية مقدم المشروبات الكحولية في أحد البارات، قبل أن يتجاهله الرجل، ليبدأ حميدة في تمرد ونقد لاذع لكل الكذابين والخائفين، من أصغر مواطن وحتى رئيس الجمهورية، ثم يغادر البطل البار في اتجاه الشارع، ليستمر المونولوج، وتقترب الكاميرا من وجهه، لنتابع اعترافه الباكي، المتمرد على الخوف، والتواق إلى الحب.

في "بحب السيما" يكرر فوزي إحدى لقطاته المفضلة، يموت الجد وهو جالس على طاولة الطعام، يضطرب كل من حوله، إلا الطفل الصغير نعيم، الذي يستمر في متابعته للتلفاز، لأن الحكاية تستمر برغم الموت، وذكريات أحبابنا تبقى كلما سردنا حكايتهم.

المصدر : الجزيرة