"أغنية باستر سكراجز".. فلسفة الحياة والموت في عالم الأخوين كوين

"أغنية باستر سكراجز".. فلسفة الحياة والموت في عالم الأخوين كوين

"أغنية باستر سكراجز" عبارة عن ست قصص مختلفة لكل منها حبكتها وأبطالها وسحرها الخاص (مواقع التواصل)
"أغنية باستر سكراجز" عبارة عن ست قصص مختلفة لكل منها حبكتها وأبطالها وسحرها الخاص (مواقع التواصل)

ياسمين عادل

بدأ عرض فيلم "أغنية باستر سكراجز" (The Ballad of Buster Scruggs) نهاية العام الماضي على شبكة نتفليكس بعد عرض محدود في صالات العرض الأميركية، وحصد الفيلم شعبية عالية وتقييمات إيجابية حتى تم اختياره من قبل "المجلس الوطني لمراجعة الأفلام" ضمن أفضل عشرة أفلام في 2018.

الأخوان كوين يغيران جلدهما ولا يفقدان بصمتهما الخاصة
"أغنية باستر سكراجز" فيلم غرب أميركي يجمع بين الدراما والموسيقى والكوميديا كتبه وأخرجه "الأخوان كوين"، أما بطولته فشارك فيها تيم بليك نيلسون ووليام نيسون وجيمس فرانكو وزوي كازان وتاين دالي وتوم ويتس.

وهو عبارة عن ست قصص مختلفة لكل منها حبكتها وأبطالها وسحرها الخاص، وهي تجربة جديدة فنيا على مسيرة صناعها، وإن ظلت وفقا لمجلة "فوربس" تتشابه مع أعمالهم القديمة في الخطوط العريضة بداية من السرد الدرامي التصاعدي والنهايات المفاجئة مرورا بالحبكات الملتوية والتفاصيل الدقيقة، وصولا للشخصيات الحادة والكوميديا السوداء.

ست حكايات تلخص فلسفة الحياة والموت
دراسة المخرج والكاتب إيثان كوين للفلسفة جعلتها جزءا لا يتجزأ من أعماله، وعلى اختلاف قصص الفيلم عن بعضها -سواء على مستوى الحبكة أو طرق المعالجة- ظل الموت محورها الرئيسي، ليس لأنه مثير للاهتمام أو حتى الرعب، بل العكس تماما.

الموت في عالم الأخوين كوين محض عبث ولا هيبة له نراه على الشاشة مثل أي حدث آخر، وسرعان ما يتجاوزه بقية الأبطال فيستمرون في الحياة بل وربما الغناء كما يليق ببشرية مصيرها الفناء، في حين تبقى الطبيعة خالدة، وهو ما شوهد في أغلب القصص إن لم يكن جميعها وإن تجلى بوضوح في الثالثة "وادي الذهب الخالص".

في الحقيقة، الحياة بأكملها تبدو عبثية في أفلام الأخوين كوين، خاصة مع نظرتهما العدمية للأشياء، ففي عالمهما السذج فقط هم من يلهثون خلف أحلامهم، يقودهم إيمانهم فيندفعون منخدعين في يقينهم بالوصول طالما سمح لهم بالاقتراب كل هذا القدر، وما أن يصبحوا على بعد خطوة أو اثنتين مما تمنونه حتى تفاجئهم سخرية القدر المريرة، وتكتب نهايتهم على يد حظهم العاثر، وهو ما يمكن تتبعه أيضا في قصص عدة، على رأسها الأولى "أغنية باستر سكراجز"، والثانية "بالقرب من آلاجدون"، والخامسة "الفتاة التي اضطربت".

لماذا غابت المرأة عن معظم الحكايات؟
المرأة في عالم الأخوين كوين مختلفة ومميزة، إذ تتمتع بالقوة والجسارة، وقدما ذلك في أفلام مثل "فارجو"، و"عزم حقيقي"، وغيرهما، لذا كان غريبا ومحبطا أن تأتي الجملة الأولى على لسان امرأة في فيلمها الأخير بعد أكثر من أربعين دقيقة.

بررت الناقدة سارة أزويل ذلك بأن القصص تدور في الغرب الأميركي، حيث اعتادت النساء الوجود في خلفية المشهد والعمل بمجالات محددة، أشهرها الزراعة والدعارة، أو في أفضل الأحوال كن سيصبحن ربات بيوت، وهو ما يتناسب مع أحداث قصة "الفتاة التي اضطربت" الوحيدة ذات البطولة النسائية، إذ إن البطلة لم تتصدر المشهد إلا بعد فقدها جميع ذويها، ما جعلها مضطرة لتحمل المسؤولية واتخاذ قراراتها بنفسها.

وقبل أن تستطرد أوزيل مؤكدة أن التشبث بالنظرة السطحية للمرأة لم يكن متوقعا من الأخوين كوين اللذين اعتادا كسر القوالب السائدة، خاصة أنهما فعلا ذلك خلال العمل نفسه حين جعلا جميع الأبطال إلا واحدا يمنون بالهزيمة.

ما زالت نهايات "الأخوين كوين" تثير الجدل
المتابعون لمشوار الأخوين كوين يعلمون أن نهايات أعمالهما عادة ما تختلف عن طريقة قراءتها حتى أن المواقع الفنية تتنافس على نشر الاحتمالات المختلفة وتفسيراتها بعد كل فيلم، هذا الجدل ينتج بالأساس من استخدام الأخوين كوين الرمزية واعتمادهما نهايات مفتوحة، ومع فيلم "أغنية باستر سكراجز" الذي ضم ست نهايات كانت عودة تلك الإشكالية إلى السطح متوقعة.

إحدى القصص التي أثارت الجدل هنا واحتملت أكثر من قراءة حسبما ذكر على موقع "كوليدر" (collider)" كانت القصة السادسة "البقايا البشرية"، إذ اختلف من شاهدوها حول ما يرمز إليه الأبطال، بل وإذا ما كانوا أحياء أم أمواتا؟ وهو الأمر نفسه الذي تكرر مع القصة الثالثة "وادي الذهب الخالص" وفقا لما جاء في مجلة "إنترتينمنت ويكلي" الأميركية.

لماذا لجأ الأخوان كوين لنتفليكس؟
صرح الأخوان كوين في 2017 بأنهما عكفا على كتابة قصص هذا الفيلم على مدار ثلاثين عاما، ما جعله بالنسبة إليهما أقرب إلى مشروع العمر، ومع وضع اللمسات الأخيرة بالكتابة أصبح عليهما الانتقال للخطوة التالية.

ووفقا لتصريحاتهما لموقع "إنديواير" الأميركي، فإن وعيهما باختلاف نوعية أعمالهما وخصوصية الجمهور الذي يخاطبانه، وإدراكهما ما ترتب على ذلك من رفض الأستوديوهات الكبيرة تمويل أفلامهما فرض عليهما التفكير بشكل مختلف ومواكبة تطور آليات العرض.

أرسل الأخوان نص العمل لشركة أنابورنا بيكتشرز كمشروع مختارات، والتي بدورها قدمته إلى نتفليكس، فقوبل بموافقة تلاها الإعلان عن تعاون مستقبلي بين نتفليكس والأخوين كوين.

أما عن تقييم التجربة ككل فوصفها المخرج جويل كوين بالرائعة لأسباب عدة، أهمها: أن القائمين على نتفليكس يملكون فكرا خاصا يجعلهم من القليلين الذين ما زالوا على استعداد للاستثمار بأفلام لا تدور في فلك "عالم مارفل" الذي احتل الساحة.

بالإضافة إلى أن إصداراتهم لا تعرض فقط على شاشة التلفزيون بل تتاح كذلك -ولو لوقت قصير- في صالات العرض، الأمر الذي يقي صناع الفيلم الإصابة بالإحباط بعد أيام طويلة من العناء، فوحدهم صناع الأفلام من يعرفون جيدا أن العرض على الشاشة الكبيرة لا يشبه أبدا مشاهدة العمل نفسه داخل غرفة المعيشة.

المصدر : الجزيرة