صندوق الطيور.. نهاية العالم سينمائيا بعيون الأم

أصدرت شركة نتفليكس قبل أقل من أسبوعين عبر منصتها للبث الإلكتروني فيلم الرعب والإثارة "صندوق الطيور" (Bird Box) الذي ينتمي لنوعية أفلام نهاية العالم، وتكلف إنتاجه نحو 20 مليون دولار، ليكون هو آخر أفلامها الأصلية لعام 2018. وأعلنت نتفليكس أن 45 مليونا من مشتركيها شاهدوا الفيلم في أسبوع عرضه الأول.

الفيلم من بطولة ساندرا بولوك وتريفانتي رودس وجون مالكوفيتش، وإخراج سوزان بيير، وتأليف إريك هايزرر، وهو مقتبس من رواية جوش مليرمان الأولى التي تحمل العنوان نفسه والصادرة عام 2014.

يبدأ الفيلم بلقطة مقربة لوجه مالوري (ساندرا بولوك)، وهي تتحدث بطريقة آمرة ولهجة حادة ومهددة لطفلين صغيرين ينظران لها بخوف واحترام في الوقت ذاته، في حين تناديهما مالوري بـ"ولد" و"بنت" بدلا من اسميهما.

ومن هذه اللقطة ينطلق الفيلم في خطين متوازين وثلاثة أزمنة مختلفة، ليكشف لنا ما حلّ بالعالم حين غزته كائنات غير معروفة مهددة بفناء البشر، عن طريق إصابة الأشخاص بحالة ذهنية غريبة تجعلهم يسارعون إلى الانتحار، وصولا لمحاولة مالوري الحفاظ على عائلتها في هذه الظروف الحياتية شديدة القسوة، ومحاولتها مع أطفالها عبور نهر جارف، معصوبي الأعين، من أجل الوصول إلى مكان آمن يحميهم من الخطر.

طيور
يحمل الفيلم كما الرواية اسم "صندوق الطيور"، في إشارة للطيور التي تستشعر اقتراب الخطر أو الشر أيا كانت هيئته، وتبدأ في التغريد بصوت عال ومزعج، وهو السلوك الذي اكتشفه أبطال الفيلم واستخدموه أداة إنذار بدائية ولكنها فعالة.

على الرغم من أهمية دور الطيور في الفيلم، فإن دور الأم هو البطل الحقيقي، فالفيلم يحمل رمزا لدور الأم في العصر الحالي الذي يفرض ظروفا قاسية على الكثير من الأمهات اللاتي يقفن حائرات بين تنشئة الأبناء بطريقة قاسية تعودهم على الوقوف في وجه الخطر، وبين الاعتماد على التواصل العاطفي والحب من أجل الوصول للهدف نفسه.

تتوصل مالوري في نهاية الفيلم إلى الإجابة عن هذا السؤال، الأمر الذي يساعدها أخيرا على قهر مخاوفها الداخلية.

انقسام واتهامات
تداول جمهور الفيلم الآراء حول تشابهه مع أفلام أخرى تتناول نهاية كارثية للعالم، وتحديدا مع فيلمي "الحدوث" (The Happening) إنتاج 2008 و"مكان هادئ" (A Quiet Place) إنتاج 2018، لكون الفيلم يتشابه مع الأول في حالات الرغبة في الانتحار التي تصيب البشر ودفعت الأبطال إلى الاحتماء بالأماكن المغلقة، ويتشابه مع الثاني في اضطرار الأبطال إلى الاستغناء عن حاسة من الحواس من أجل الحفاظ على حياتهم، بل بدأت بالفعل اتهامات موجهة لصناع العمل بالاقتباس من فيلم "مكان هادئ".

دافعت مخرجة العمل سوزان بيير عن الفيلم، قائلة إنه مقتبس عن رواية صادرة عام 2014، أي قبل صدور فيلم "مكان هادئ" بأربع سنوات، وتابعت أن الفيلم مختلف قليلا عن الرواية، حيث أضافت له تفاصيل وحذفت أخرى، كما كانت حريصة على أن تكون نهاية الفيلم سعيدة وتحمل قدرا من الأمل والتفاؤل حتى لا يصاب المشاهد بالإحباط عند مشاهدته الفيلم.

كما اختلفت آراء الجمهور بشأن عدم تقديم تفسير لهذه المخلوقات الغامضة بين مؤيد ومعارض، وأصيب الكثير منهم بالإحباط بسبب عدم الكشف عن شكل هذه المخلوقات أو أحجامها وطبيعتها، ولكن في لقاء لاحق ببيير أعلنت أن المنتجين أصروا في البداية على ضرورة ظهورهم بالفيلم، وبالفعل كتب مشهد مخصوص لهم وتم تصميم وتنفيذ مجسم للمخلوق، ولكن عند رؤية بولوك له أصيبت بنوبة من الضحك قائلة إن شكله كوميدي وليس مخيفا.

لذا خوفا من أن يتحول الأمر إلى عكس ما أراد المنتجون، تم الاستغناء عن هذه الفكرة والعودة لسيناريو الفيلم الأصلي، الذي لا يظهر فيه شكل هذه الكائنات.

نجاح "مالوري" وفشل باقي الشخصيات
يعلم المشاهد منذ اللحظة الأولى في الفيلم أن أبطاله الثلاثة هم فقط من سيظلون على قيد الحياة عند عبور النهر، أي أنه يعرف مسبقا عدم استمرار بقية الشخصيات، وتكشف الأحداث لاحقا كيف ومتى انتهى دور هؤلاء، لكن على الرغم من هذا التحدي الدرامي، فإن إيقاع الفيلم لم يتأثر، وحافظ على عنصري المفاجأة والإثارة حتى النهاية.

تألق مؤلف العمل إريك هايزرر في رسم شخصية مالوري المضطربة والمعقدة، والتي تعاني من عدم القدرة على التواصل مع الآخرين، ولم ترغب في أن تصبح أما ولو لطفل واحد، فوجدت نفسها أمّا لطفلين، علاقتها بأطفالها وصديقها أبعد ما تكون عن المثالية، وكذلك تطور شخصيتها من حامل تحصل على الحماية ممن حولها، إلى أم توفر هي الحماية لأطفالها الصغار.

لا يعد هذا الأمر غريبا على هايزرر الذي ترشح لأوسكار أفضل سيناريو مقتبس عن فيلم "الوافد" (The Arrival) إنتاج 2016، ولكن ما كان غريبا بالفعل هو تهميش أدوار باقي الشخصيات وعدم إعطائهم تفاصيل كافية لمعرفة الدوافع وراء تصرفاتهم، مثل قرار الشاب الجبان التضحية بحياته في سبيل إنقاذ باقي الأشخاص، أو قرار الآخرين الهرب للمجهول وخيانة الجماعة.

وحتى الشخصيات التي كانت تظهر لتقدم يد العون للآخرين، كان من الصعب على المشاهد التعاطف معها لأنه لا يعلم تاريخها الشخصي أو صراعاتها الداخلية، فلم يرتبط بها أو يتأثر، وكأن الدور الوحيد لهذه الشخصيات كان الحفاظ على حياة مالوري فقط وإيصالها إلى نهاية الفيلم.

تألقت بولوك في تجسيد الشخصية المرسومة، التي استطاعت أن تجسد معاناة مالوري بكل تعقيدها، وكذلك طاقم التمثيل كله كان جيدا رغم أدوارهم المهمشة، وإن كان من الممكن الاستفادة بقدرات ممثل في حجم جون مالكوفيتش بطريقة أفضل من التي ظهرت في الفيلم.

حاز الفيلم على تقييمات نقدية متراوحة بين إيجابية وسلبية، ولكن إشادة ستيفن كينج بالفيلم تعد شهادة نجاح لصناعه، فكينج -وهو واحد من أهم كتاب روايات وأفلام الرعب في العالم- دعى الجمهور لمشاهدة الفيلم وعدم التأثر بالآراء السلبية عنه، وأن عليهم الحكم بأنفسهم على العمل، وهو ما يعد أمرا طريفا في ذاته لأن الكثير من النقاد شبهوا الفيلم بأسلوب أفلام الرعب التي يكتبها كينج.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من فن
الأكثر قراءة