ظاهرة الموسيقى في الشوارع الإيرانية.. عمّ يبحث الفنانون؟

الموسيقى في شوارع إيران
بعض الفنانين ‌يجدون في الهواء الطلق ما لا يجدونه في المسرح المغلق للتعبير عن أحاسيسهم المرهفة ومشاعرهم الإنسانية (الجزيرة)

الجزيرة نت-خاص

في يوم خريفي، كانت تراقص زخات المطر على أوراق الأشجار يمينا وشمالا، ووسط ضجيج أصوات السيارات، يقفان أمام متجر كبير في غرب طهران وهما يغنيان أغنيات على إيقاعات العود، أغنيات ترهف أسماع جمع غفير من المارة المتجمعين، وتطلق عنان خيالهم نحو عوالم تنسيهم بعض الوقت مرارة الحياة وغلاء المعيشة.

ترى في طهران كثيرين من أمثال هذين الشابين، حيث تحتضن الشوارع والساحات والحدائق حفلاتهم الغنائية هذه الأيام عازفين، فرادى أو فرقا جماعية، مستخدمين أدوات حديثة وسط رقص المارة أحيانا بينهم نساء، مما حوّل تلك الأماكن إلى مسارح وصروح ثقافية.

قبل قيام ثورة 1979 كانت تقام حفلات غنائية للمغنيين والمغنيات في الأماكن المفتوحة، إلا أن الثورة أنهت هذه الظاهرة، وفرضت قيودا على أعمال الفنانين ومنعت النساء من الغناء وحدهن إلا مع مجموعة من الرجال لتتداخل الأصوات ولا تعلو أصواتهن.

بعد أربعة عقود بدأت تعود هذه الظاهرة إلى الواجهة بأشكال موسيقية جديدة، ورغم أن الحظر على النساء باق، فإنهن حاضرات إلى جانب المغنيين بصفة عازفات وليس مغنيات.

undefined

لماذا الشوارع؟
الموسيقى ولدت من رحم الشارع وتعود إليه، فهي من الناس وإليهم، ولم تأت من السماء، بهذه الكلمات يبدأ الموسيقار الإيراني الكبير لوريس جكناواريان بالحديث عن دوافع انتشار ظاهرة العزف في شوارع إيران، مؤكدا أنه إذا ما وجهت أسئلة بهذا الخصوص لمئة عازف ستجد مئة جواب مختلف. ومع ذلك، يعتبر جكناواريان تحصيل المال وإبداء الاحتجاج أهم تلك الأسباب، تليهما الرغبة الذاتية في إظهار الموهبة والحاجة إلى أن يُعرف الفنان.

ويقول الخبير في علم الاجتماع الأستاذ الجامعي الدكتور أصغر مهاجري لوكالة إيرنا الرسمية إن الموسيقى في الشارع ظاهرة معقدة لها أبعاد متعددة، تتخذ أحيانا طابعا احتجاجيا على السياسات الرسمية الحاكمة على الموسيقى، منها صعوبات الحصول على الترخيص، بالتالي تجد هي في الشوارع مسرحا وملجأ لإظهار وجودها.

اللافت أن كثيرا من العازفين والمغنيين في الشوارع هم خريجو كليات الفنون بالجامعات الإيرانية، بعضهم يزاول ذلك كمهنة، ويقول مهاجري إن أحد أسباب ذلك هو بطالة مستشرية تضرب قطاع الموسيقى في إيران.

ويرى خبراء آخرون أن بعض الفنانين ‌يجدون في الهواء الطلق ما لا يجدونه في المسرح المغلق للتعبير عن أحاسيسهم المرهفة ومشاعرهم الإنسانية، فيعرضون فنونهم أمام الناس، وخاصة لأولئك الذين لا يستطيعون الذهاب إلى حفلات الموسيقى المرخصة لأسباب مادية أو انشغالات يومية.

وتضيف هذه المصادر أن ما كان يعرف في إيران بـ"الموسيقى تحت الأرض" وجدت اليوم فضاء ومتنفسا حرا لها فوق الأرض.

ويقول أحد طلاب الموسيقى بكلية الفن في جامعة طهران رفض ذكر اسمه، إنه يخوض هذا العمل ليس لأجل المال أو غيره، وإنما لاكتساب التجربة الكافية في مسيرته الموسيقية، وإنه يبني مستقبله الفني من الآن من خلال الظهور في أماكن عامة.

دعم الكبار
أصبح كبار المغنيين والموسيقاريين الإيرانيين ينضمون إلى العازفين في الشوارع لأسباب عدة منها توفير غطاء معنوي لهؤلاء الشباب ودعم نشر هذه الظاهرة.

المغني همايون شجريان ابن المغني الكبير محمد رضا شجريان، كان أول من أعلن من كبار المغنين في يوليو/تموز الماضي عن اعتزامه إقامة حفل غنائي مجاني في الشوارع لإدخال البهجة على قلوب الناس في هذه الأيام العسيرة، حسب رأيه، قائلا "ربما قلوبنا تهدأ إلى جنب بعضها بعضا".

شهدت طهران في أغسطس/آب الماضي أول حفلة غنائية مجانية لأوركسترا الأنغام الوطنية بقيادة علي أكبر قرباني وغناء الفنان محمد معتمدي في حديقة "آب وآتش" (الماء والنار) شمال طهران.

يشدد الملحن الكبير فرهاد فخر الدين على أهمية تنظيم حفلات غنائية في الشوارع كونها ضرورة اجتماعية، قائلا إن تلك الحفلات من شأنها أن تغير أحوال الناس نحو الأفضل، وتساهم في الرقي بالموسيقى بالبلد، أو كما تقول العازفة المعروفة مليحة سعيدي إن الحفلات المفتوحة يمكنها أن تعيد الموسيقى إلى أيامها الذهبية.

من جانبه، يقول الملحن والعازف مجيد كياني "إنني على يقين أن الحفلات الغنائية المجانية تلقى إقبالا كبيرا لأن كثيرا من الناس لا يستطيعون شراء التذاكر، وعلى وقع هذه الحفلات يمكننا أن نعرّفهم على الموسيقى".

أكد مواطنون في طهران بعد مشاهدتهم أحد هذه الأعمال الفنية أنهم يدعمون هذه الظاهرة، كونها تشكل متنفسا يخفف من ضغوط الحياة المتزايدة بفعل غلاء المعيشة بعد عودة العقوبات الأميركية.

يقول أحدهم واسمه محسن، إن الموسيقى باتت تعطي صورة حضارية لطهران وتقترب أكثر من أي وقت إلى وجدان المواطنين.

الموسيقى في شوارع إيران بدأت في طهران وانتقلت إلى مدن أخرى (الجزيرة)الموسيقى في شوارع إيران بدأت في طهران وانتقلت إلى مدن أخرى (الجزيرة)

مضايقات
مع انتشار واسع لظاهرة الموسيقى في شوارع طهران، وانتقال عدواها إلى مدن أخرى، ورغم دعم جهات رسمية لها، فإن السلطات تحاول الحد منها عبر إلزامية الحصول على تراخيص مسبقة لتأدية الموسيقى في الشوارع.

في أغسطس/آب الماضي كشفت لجنة الثقافة في البرلمان الإيراني عن قرار اتخذته السلطات المعنية يقضي بضرورة الحصول على تراخيص مسبقة، لكن القرار لم يدخل حيز التنفيذ بعد، والفنانون يواصلون أداءهم في الشوارع، مع ذلك الحفلات الغنائية الكبرى بحاجة إليها.

إثر ذلك، اعتبرت صحيفة إيران هذا القرار اعترافا رسميا بموسيقى الشوارع، لكنها قالت إن القرار له وجه آخر وهو وضع العراقيل والمشكلات أمام الفنانين.

فضلا عن ذلك، يتعرض الفنانون أحيانا، وخاصة في مدن غير طهران، إلى مضايقات تحول دون أدائهم أعمالهم الفنية في الشوارع، وفي مدن مذهبية كمشهد وقم يمنع ذلك حتى في المسارح المغلقة.

ولعل ما حصل قبل شهر تقريبا في مدينة رشت مركز محافظة غيلان لثلاثة شباب ضربهم أفراد قيل إنهم من الشرطة في الشارع مثال عن الضيق من هذه الظاهرة، وقد أثار ما حصل ضجة كبيرة في البلد، ودفع السلطات المحلية إلى فتح تحقيق في الحادث.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

وجدت موسيقى البوب الإيرانية لنفسها مكانا في مهرجان الفجر للموسيقى بعد أن ظل مغلقا أمامها أكثر من عقدين. وبدأت فعاليات المهرجان يوم الجمعة بمشاركة 150 فرقة من إيران وثماني دول أخرى تقديم مختلف أنماط الموسيقى، في تسعة من مسارح العاصمة طهران.

23/12/2007

تحاول الموسيقى الإيرانية التخلص من تأثير التجاذب السياسي والتحولات التي شهدتها البلاد في الـ30 عاما الماضية من أجل انطلاقة جديدة تليق بمكانتها موروثا حضاريا ضخما. وتشهد الساحة الفنية في إيران إقبالا كبيرا على الموسيقى العالمية بهدف البحث عن التجديد.

19/1/2008
المزيد من فن
الأكثر قراءة