"فن" مركز يقاوم تحوّل صيدا إلى مدينة استهلاكية

هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

"فن" مركز يقاوم تحوّل صيدا إلى مدينة استهلاكية

تتراوح أعمار المنتسبين لمركز "فن" من خمس سنوات إلى ستين (الجزيرة)
تتراوح أعمار المنتسبين لمركز "فن" من خمس سنوات إلى ستين (الجزيرة)

محمد خالد-صيدا

قرب الواجهة البحرية لمدينة صيدا جنوب لبنان ثمة مركز لتعليم الفنون بكل أنواعه وأشكاله، أطلقت عليه مؤسسته الشابة اللبنانية نازك كرجية (29 عاما) اسم "فن".

فالمركز الذي يتألف من طبقتين كان حلم كرجية منذ الصغر ولطالما حلمت بتأسيس مدرسة للفنون في قلب مدينتها، لتكون الأولى من نوعها وجميع الفئات العمرية، في محاولة للحفاظ على هوية مدينة تواجه محاولات التغيير وتحولها إلى مدينة استهلاكية.

تستقبلنا نازك في الطابق الأول، حيث تعرض فيه بعضاً من أعمال المركز من صور لأنشطته وفعالياته ولوحات تشكيلية بأقلام المنتسبين إليه، أما الطابق الثاني ففيه المركز أو المنزل -كما تحب أن تسميه كرجية- ويحتوي على طاولات ومقاعد ولوحات تعليمية، بالإضافة لآلات موسيقية متنوعة تتوزع حول البيانو.

"فن" مدرسة للحفاظ على صيدا من التغيير نحو مدينة استهلاكية (الجزيرة)

تغيير مسار حياة
عملت كرجية محاسبة لإحدى الجمعيات غير الحكومية سابقا، واختارت أن تغير مجرى حياتها وأن تفتح صفحة جديدة لمستقبلها كي تتحرر من قيود الوظيفة، فإلى جانب دراستها بتخصص المحاسبة بالجامعة، كانت تتعلم العزف على البيانو بالمعهد الوطني العالي للموسيقى، 14 عاما قضتها بين البيانو والغناء الشرقي دفعتها لتأسيس مركز فن.

تقول كرجية: الفكرة لم تكن جاهزة، البداية كانت فقط إعطاء الدروس الخصوصية ومن ثم بدأ المشروع يكبر ليصبح مدرسة للفنون بكل أنواعه.

صعوبات عديدة واجهتها بداية مشرعها تمثلت بالدعم المالي، فكان اعتمادها على دخل المركز ودعم بعض الأستاذة الذين يعملون معها -حسب قول كرجية- مضيفة: تخوف أهالي صيدا الذين تفاجأوا من فكرة المركز كان أحد الصعوبات التي واجهتني، فصيدا مدينة محافظة نوعا ما، لكن مع الوقت استطعت أن أثبت وجود المركز كمدرسة لتعليم أرقى فنون الحياة، ونجحت في جعل الأهالي يتقبلون الفكرة، وأصبح المركز يجذب الناس من صيدا وخارجها.

بدأ المشروع بمجموعة من الدروس الخصوصية ثم تحول لمدرسة فنون متنوعة (الجزيرة)

فنون متعددة
يقدم "فن" لرواده مجالات متعددة من أنواع الفنون كالرسم وتقنيات التلوين وتزيين الورد، والغناء والمسرح، والتصوير الفوتوغرافي، وفن الكروشيه والتطريز والعزف على عدة آلات منها الغيتار والعود والبيانو والأورغ، بالإضافة إلى مواد نظرية في قراءة النوتة الموسيقية وتنمية المهارات الحياتية المختلفة، ومحاضرات توعوية وثقافية وفنية.

تقول كرجية: لدينا فريق عمل كامل من المختصين وأصحاب الخبرة لكل نوع من الفنون، وما يميز فريق العمل أنهم لا يعملون فقط من أجل المال بل نشر ثقافة الفن بين الناس.

وتضيف أستاذة الرسم نيفين جمعة التي بدأت العمل مع "فن" منذ انطلاقه "أصبح المركز أصبح جزءاً من حياتي اليومية، وهنا تعمقت تجربتي أكثر، قمت بإعطاء الدروس للعديد من الناس من مختلف الأعمار وتعاملت مع شخصيات مختلفة". وتعبر عن سعادتها بتخريج عشرات الطلاب في مجال الرسم، خاصة الأطفال الذين يعانون من اضطرابات نفسية كمرض التوحد.

ما يميز فريق العمل أنهم لا يعملون فقط من أجل المال بل نشر ثقافة الفن بين الناس (الجزيرة)

لكل الأجيال
يشهد المركز إقبالاً كبيراً، إذ تتراوح أعمار المنتسبين إليه من خمس سنوات إلى ستين خاصة دروس الرسم والبيانو والغيتار، وما يميز المركز قبوله لجميع الأعمار التي تحب تعلم الموسيقى بغض النظر عن ثقافته ومعرفته في الفن، وهو أمر قد لا يجده الناس في المعاهد الأخرى. تقول كرجية: ليس الهدف أن نخرّج محترفين بل أن نجعل الناس يمارسون هوايتهم باحتراف.

وتضيف: الفن هدفه الأساسي تنمية الإبداع عند الناس وإعطاؤهم مساحة ليستخدموا مخيّلتهم وليصلوا لأفكار جديدة. وتلفت كرجية الأنظار إلى أن الفن يزيد مهارات الطفل الحركية والذهنية، ويعلم الشباب الصبر والانضباط، كما أنه يعطي للفرد غير الموهوب فنياً فرصة ليعبر عن نفسه وينمي قدراته، فالرسم مثلا يمكّن الفرد من التعبير عن مشاعره كما يحفز الشعور الثقة بالنفس.

خالد حنيني (8 سنوات) أحد تلاميذ "فن" انضم للمركز منذ ثمانية شهور، يقول "في المركز عززت ثقتي بنفسي قبل أن أتعلم العزف على البيانو، فأنا الآن وبعد هذه الفترة أصبحت محترفاً في العزف وكأني هنا منذ سنوات."

ويدرس مع حنيني في نفس المركز والده وليد الذي يبلغ من العمر خمسين عاما، وقد بدأ الأب الدراسة في "فن" منذ ثلاث سنوات، ويقول "بالإضافة لعملي كطبيب أخصص بعض الوقت للدراسة في المركز، بدأت بدراسة الخط العربي ومن ثم قررت تعلم العزف على البيانو والغيتار، فالمركز هنا ليس مكانا نتعلم فيه فقط، فالفن هو غذاء الروح وأداة للتفريغ عن النفس". ويضيف "أشجع أي شخص لديه موهبة أن يقوم بتطويرها، وألا يقف العمر حاجزا أمامه، فالموهبة لا تعرف سنا معينا".

تهدف كرجية من خلال مشروعها لأن يكون ملتقى ثقافيا مختلفا للصغار والكبار، وإبعاد الجيل الصاعد عن ثقافة تضييع الوقت، وأن يكون الفن أسلوب حياة الناس وثقافتهم ونمط تفكيرهم، وخلق مجتمع مثقف وراق، كما تحلم أن تفتح فروعا للمركز في أماكن مختلفة من لبنان. 

المصدر : الجزيرة