صفوان ميلاد.. ريشة تستعيد الخط الكوفي بتونس العتيقة

صفوان ميلاد.. ريشة تستعيد الخط الكوفي بتونس العتيقة

اختار ميلاد نمطا فنيا يحمل بصمته الخاصة في دمج حروف الخط العربي بالألوان المناسبة (الجزيرة)
اختار ميلاد نمطا فنيا يحمل بصمته الخاصة في دمج حروف الخط العربي بالألوان المناسبة (الجزيرة)

ناجح الزغدودي-القيروان

يقف أمام مسجد ابن خيرون (جامع الثلاثة أبواب) في قلب المدينة العتيقة بالقيروان في تونس يتلو ما كتب من آيات بخط عربي كوفي قيرواني، على شرفة الجامع، كأنه يريد مراجعة ما طالعه في وقت سابق ليدقق في تفاصيل غفل عنها.

يتفقد التشكيلي صفوان ميلاد البالغ (36 عاما) المدينة العتيقة وجداريات فنية طبعها على الجدران البيضاء بساحة الجرابة العتيقة، ويرمم حروفها العربية ويجدد ما ذهب من ألوانها المبهجة كما تتفقد الأم رضيعها. ثم يبحث بعين الفنان الدقيقة عن جدران تحتضن خطوطه وألوانه.

جامع الثلاثة أبواب بالقيروان (الجزيرة)

الجدار المعرض
اختار ميلاد نمطا فنيا يحمل بصمته الخاصة في دمج حروف الخط العربي بالألوان المناسبة لرسم نمنمات متمازجة من اللون والحرف العربي وانعكاس المعمار القيرواني.

وأبدع في الرسم على محامل مختلفة من القماش والجلد والخشب والخزف، وبأبعاد مختلفة مستفيدا من مدرسة الخط العربي التي ورثها عن والده خالد ميلاد.

تأثره بمعمار المدينة العتيقة والنقوش والزخارف على مآذن المساجد وفن عمارة القباب والتيجان وشرفات السّور، طبعت لديه مرجعية ثقافية، فلا تخلو لوحاته من استلهامات الفن المعماري والخط الكوفي القيرواني.

يقول ميلاد "استفدت من موروث الثقافة العربية الإسلامية" ثم نمت الفكرة لديه باستغلال هذه الثقافة الزاخرة (حروف القرآن الكريم) وإدماجها بالفن التشكيلي، فأصبح يرسم لوحات بديعة من حروف وألوان.

مع تلك الحروف العربية، يختار صفوان ارتسامات وألوانا مشرقة تعبر عن الأمل كأن الخط العربي في طور ولادة جديدة يريد أن يبشر بها، فيندفع جامحا إلى إخراج المزيد من اللوحات في ثوب فني متجدّد.

يقول "إن الفنّان يعيش بالتجديد، وهذا ما أعتبره سر تطوري" مؤكدا أنّه يعمل دوما على خلق مواطن الإبداع والاستفادة من تجارب المشاهدة والاستلهام من محيطه الفني والمعماري وملاحظات النقاد.

اللوحات الجدارية بمثابة "معارض مفتوحة" تزين المدن العتيقة (الجزيرة)

اللوحات الجدارية تجربة جديدة بمثابة "معارض مفتوحة" تزين المدن العتيقة، وتجسم في نظر ميلاد "رؤية فنية أكثر انفتاحا على المحيط ومتاحة أكثر للجمهور".

أما هدف "الخروج من الفضاء الداخلي الضيّق إلى فضاء أوسع من المعارض لتكون متاحة للجميع" فهو محاولة منه في "إثراء المشهد التشكيلي الفني ورموز المدينة العتيقة".

الفن حارس
استطاع ميلاد -من خلال تجربة الجداريات- أن يجذب أنظار المؤسسات التربوية التي اهتمت بهذا العمل الفني، فغير شاكلة الجدران والمدارج إلى ورشات مفتوحة ذات بعد تعليمي.

ولا يترك الشاب أي حرف أو لون للصدفة، فيفسّر للطلاب المشاركين بالورشات خيارات الحروف والألوان وتقنيات فنه التشكيلي والأبعاد الجمالية وأيضا الفلسفية للرسوم.

ولا يرسم اللوحات والجداريات لمجرد الهواية فقط، فقد أصبح الخط العربي مصدر مورد مالي يدره بيع اللوحات في الداخل والخارج، وعن طريق وزارة الثقافة ضمن مبادرات تشجيع المبدعين.

كما يساهم في إحياء الخط العربي ونشر ثقافة الحروف والألوان، مما فتح لبعض الشباب الذين تعلموا على يديه موارد رزق في تونس وخارجها.

"طموحي تمرير الرسالة الفنية إلى الجيل القادم من الشباب، أريد تمرير هذه الموهبة إلى الجيل الصاعد ليحافظ على الموروث الثقافي في سبيل أن يصبح هذا الفن متاحا ومفيدا فنيا ومهنيا".

استطاع من خلال تجربة الجداريات أن يجذب أنظار المؤسسات التربوية (الجزيرة)

تاريخ الخط القيرواني
الكوفي القيرواني خط عربي قديم تطور عبر الزمان، ولكنه يوشك أن يندثر تدريجيا مع فقدان أكبر الخطاطين ولوحات الخشب والقماش التي كانت تزين مداخل المدينة العتيقة في تونس.

ويحتفظ متحف التراث الإسلامي برقادة في القيروان بخطوط الرق الأزرق المكتوب بماء الذهب على جلد الغزال بخط كوفي عتيق، مما يجعله تحفة فنية نادرة لا تقدر بثمن كما يصفها زهير الشهيبي حافظ المتحف.

كما يشرف المعهد الوطني للتراث بالقيروان على ترميم المخطوطات النادرة بشكل عصري، وذلك باستعمال آلات وأدوات وهبتها السفارة الأميركية لوزارة الثقافة ضمن مشروع حماية التراث بالمتحف.

ويحتفظ متحف التراث الإسلامي بآلاف المخطوطات المحفوظة التي تلهم بسحرها ودقتها ميلاد وزوّار المتحف والباحثين، وتطمح أعين الزائرين لمشاهدتها.

المصدر : الجزيرة