طريق برلماني ممهد أمام تعديلات دستورية بموريتانيا

مجلس شيوخ
مجلس الشيوخ يناقش التعديلات التي تنص على إلغائه (الجزيرة)
بابا ولد حرمة-نواكشوط

لم تجد الأغلبية الحاكمة في موريتانيا أي عقبات تذكر في اجتياز المرحلة الأولى من إقرار تعديلات دستورية، اتفقت عليها في نهاية حوار سياسي جرى نهاية أكتوبر/تشرين الأول الماضي مع بعض أحزاب المعارضة.

وتمتلك الأغلبية الحاكمة وضعية مريحة داخل الغرفة السفلى من البرلمان (الجمعية الوطنية) التي قاطعت انتخاباتها الأخيرة نهاية 2013 أحزاب المعارضة الرافضة للتعديلات الدستورية، باستثناء حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية ذي التوجه الإسلامي.

وتقول مؤشرات متعددة إن هذا السيناريو سيتكرر أمام الغرفة العليا للبرلمان (مجلس الشيوخ) التي تناقش حاليا هذه التعديلات، والمتضمنة -للمفارقة- إلغاءه والاستعاضة عنه بمجالس جهوية لمحافظات موريتانيا الخمس عشرة.

توجه للتمرير
ورغم ما أشيع عن تململ محتمل في صفوف أعضاء هذا المجلس الذي تتشكل غالبيته العظمى من شخصيات تنضوي تحت لواء حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم، فإن الأمور تسير باتجاه تمرير هذه التعديلات التي نصت كذلك على تغييرات في العلم والنشيد الوطنيين.

ويقدم مؤيدو التعديلات الدستورية الشريطين الأحمرين المقترح إضافتهما إلى علم البلاد، كعرفان وتمجيد لتضحيات المقاومين للاستعمار الفرنسي ومن سقطوا من الجيش دفاعا عن تراب البلاد، ويبررون الإضافات المقترحة على النشيد بضرورة إكسابه حماسة ووطنية يقولون إن كلماته الحالية تفتقر إليهما.

‪ولد داهي: التعديلات المطروحة‬ (الجزيرة)‪ولد داهي: التعديلات المطروحة‬ (الجزيرة)

تعديلات يرى القيادي بالأغلبية الحاكمة مختار ولد داهي أنها مبررة وذات مصداقية، "فقد جاءت بعد تشخيص للوضع السياسي والدستوري شاركت في صياغته أطياف واسعة، من بينها أحزاب ذات رصيد شعبي ونضالي كبير"، في إشارة إلى حزب التحالف الشعبي التقدمي بقيادة مسعود ولد بولخير، وهو من الشخصيات المحورية في الفعل السياسي والحقوقي الموريتاني المناهض للعبودية.

ويضيف ولد داهي أن الاتفاق بين هذه الأطراف لم يقتصر على الإصلاحات الدستورية بل شمل المنظومة الانتخابية، مؤكدا أن الجدل بشأن هذه التعديلات هو دليل على وجود فضاء ديمقراطي صحي يعبر فيه كل طرف سياسي عن رؤاه وتصوراته السياسية.

عبث بالرموز
في المقابل، تسعى القوى والأحزاب الرافضة لهذه التعديلات إلى كسب الالتفاف الشعبي حول طرحها المناهض للمساس بالعلم أو النشيد، معتبرة أن التغييرات تمثل عبثا برموز ألفها الموريتانيون طيلة 56 سنة، وقاتل تحت لوائها الجنود، وغنى لها الشعراء والفنانون.

وترفع أحزاب المنتدى والتكتل الأعلام الوطنية في وقفاتها الاحتجاجية أمام البرلمان ومسيرتها التي جابت شوارع العاصمة نواكشوط، كما انضم للطيف الرافض لهذه التعديلات فنانون موريتانيون أعلنوا تشبثهم بالعلم والنشيد الوطنيين، رافضين التغييرات المقترحة وممجدين بأغانيهم ما يعتبرونه ثوابت وطنية لها رمزيتها ودلالاتها الوجدانية لدى كل الموريتانيين.

وتعتبر المعارضة أن هذه التعديلات لم تحقق حدا أدنى من التوافق والإجماع الوطني الضروري لتغيير وثيقة ذات قدر من الأهمية، مثل الدستور.

‪ولد منصور: التعديلات ستؤجج الصراع‬ (الجزيرة)‪ولد منصور: التعديلات ستؤجج الصراع‬ (الجزيرة)

ويرى القيادي بالمنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة رئيس حزب "تواصل" المعارض محمد جميل ولد منصور أن التعديلات ليست ذات طبيعة استعجالية وغير مفيدة، وتؤجج الصراع بين الموريتانيين لأنها صدرت في أجواء تطبعها الحدية السياسية.

ويضيف أنها لم تعالج أيا من المشكلات الملحة التي تعيشها البلاد، فهي لم تتضمن أي نقطة لتطوير الديمقراطية على المستوى المؤسسي، وموريتانيا لديها أولويات تجب معالجتها، كالمشكلات الاقتصادية والاجتماعية، بدلا من تغيير العلم الذي لم تطالب أي جهة بتغييره.

وفيما يخص إلغاء مجلس الشيوخ، يرى ولد منصور أن الديمقراطيات الناشئة تحتاج إلى تعدد المؤسسات، وهو ما سيقضي عليه التعديل الدستوري المقترح الذي سيزيح الثنائية البرلمانية التي طبعت الحياة التشريعية في موريتانيا منذ اعتماد المسار الديمقراطي بداية تسعينيات القرن الماضي.

كما تأخذ المعارضة على هذه التعديلات إلغاءها لمحكمة العدل السامية المخولة بمحاكمة رئيس الجمهورية، وإحالة التعامل القضائي مع الرئيس إلى المحكمة العليا.

هذا التباين في الرؤى والتصورات يشكل استمرارا لمسار من الصراع طبع علاقة أحزاب المنتدى والتكتل بالسلطة، منذ وصول الرئيس محمد ولد عبد العزيز إلى سدة الحكم عام 2008 بانقلاب عسكري، قبل انتخابه رئيسا للبلاد.

ولا شك أن إقرار التعديلات الدستورية سيعزز حالة عدم الثقة بين الطرفين، فيما تتطلع البلاد للانتخابات الرئاسية المقررة سنة 2019، لتشكل أول اختبار جدي للتداول الديمقراطي بموريتانيا، بعد إقرار المأموريتين الرئاسيتين في دستور البلاد.

المصدر : الجزيرة