الفلوجة حياة رغم الاحتلال

أحد مشاهد سخط وكراهية أهل الفلوجة للاحتلال الأميركي لبلادهم (رويترز)

محمد المختار وسيدي أحمد- بغداد

من مئذنة مدببة جميلة ترتفع وسط المدينة المعروفة بكثافة المساجد صدح المؤذن مناديا لصلاة العصر وعلى بعد خطوات من جامع الخلفاء الراشدين ذي النقوش الزاهية والمئذنة السامقة وقف شرطيان ينظمان المرور في همة ونشاط تتجاوب معهم مكابح السيارات وعيون السائقين المترقبين في ظل تطويق تشهده المدينة.

وتتخلل حركات السيارات المتحركة على إيقاع تلويحات الشرطي حركات رشيقة لأطفال في أعمار الزهور يعرضون ما خف من البضاعة وبخس -علب كوكاكولا ومشروبات أخرى- فيشير أحد السائقين إليهم أن اتجهوا إلى تلك السيارة فيتراكضون ليفاجؤوا بأنها كانت مزحة ويضحك السائق ويتحرك الأطفال للعرض على سائقين آخرين علهم يظفرون بمبتغاهم نقدا وعدا لا تنكيتا وسخرية.

وقبيل الصعود مع الخط المؤدي إلى الطريق السريع من داخل الفلوجة تخرج سيارات تبدو عليها مسحة ثراء وتزينها أنوار وتوشيحات تنطلق مزاميرها على إيقاع موحد وتلتمع إشاراتها متغامزة مؤذنة بليلة زفاف يحتفل بها الأصدقاء والأقربون.

هجوم مؤلم

ورغم ذلك تستمر الحياة (الفرنسية)
هكذا بدت الفلوجة الواقعة على بعد 55 كم غرب بغداد في أول صباح بعد مقتل أربعة أميركيين قيل إنهم يعملون في قطاع المقاولات، وهي العملية التي وصفها الحاكم الأميركي للعراق بول بريمر بأنها هجوم سخيف، لكنه لم يذكر أنه كان هجوما مؤلما وإن بدا ذلك في رد الفعل، إذ علق المسؤول الأميركي جملة أنشطة أبرزها افتتاح معرض تجاري في بغداد يواكب ذكرى سقوطها الأولى.

كانت أرتال السيارات المتجهة إلى بغداد تلك العشية على موعد غير محدد مع عملية قطع للطريق السريع العام الرابط بين بغداد والحدود الأردنية، يمارسها الأميركيون كلما أصيبوا في آلياتهم أو قرب هذه المدينة التي توصف بأنها أم المقاومة العراقية.

فالأميركيون الذين كانوا يتحفزون حول المدينة بحثا عن خيط يوصل لقتلة الأميركيين الأربعة فوجئوا بحادث نجم عنه احتراق عربة قال السائقون إنها كانت تحمل معدات للأميركيين.

العربة أصبحت أثرا بعد عين وقد عايناها وهي تشتعل لكن لا نستطيع أن نؤكد أكثر من ذلك فالمعروف أن الأميركيين يبادرون بإزالة كل الشواهد التي لا يرغبون بنقلها من قبل وسائل الإعلام في إطار سياسة التحكم القوي في الصورة والخبر المنقولين من العراق الجديد.

خوف وتؤدة

الاحتلال يتخوف من ضربات أهل الفلوجة (الفرنسية)
وعلى بعد كيلومترات معدودة من العربة المشتعلة توجد أخرى انفصل عنها رأسها وبقيت قاطرتها وهي تحمل بيتا جاهزا لا ندري ما يوجد بداخله من معدات. أين السائق وأين رأس العربة؟ قيل لنا إن السائقين يهربون في مثل هذه الحالات خوفا على أنفسهم إذ إن الأميركيين لا يوفرون لهم الحماية المطلوبة.

فجأة تلجم حركة السيارات المندفعة إلى بغداد بالقرب من سجن أبو غريب -سيئ الصيت ماضيا وحاضرا- فتسير بتؤدة نظرا لقربها من رتل سيارات ومدرعات تبرز منها خوذات جنود الاحتلال.

السائقون يبتعدون قصدا عن مثل هذا الرتل، إذ إن كثيرا من عمليات قتل المدنيين في سياراتهم تمت لأن سائقيها اقتربوا من الجندي المتحفز الضاغط على الزناد أو حاذوه في مسيره وهو ما لا يصح في منظور الحاكم الجديد الذي يريد أن ينفرد في العراق بتسيير كل شيء.
__________________
الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة