رحل عرفات والقضية باقية

 
وحيدا في غرفة الإنعاش بمستشفى بيرسي الباريسي العسكري توفي الزعيم الفلسطيني الذي أقض مضاجع الإسرائيليين حينما قاد الثورة الفلسطينية المسلحة وتولى زعامة شعبه من الشتات وخاض معارك صعبة مع الإسرائيليين في الأردن ولبنان، قبل أن ينتقل إلى الداخل الفلسطيني في إطار اتفاق أوسلو للتسوية السياسية.
 
لم يتمكن عرفات الذي قال عنه أعداؤه الإسرائيليون يوما إنه يجيد فن البقاء من تجاوز قدره المحتوم، فاستسلم للموت دون أن ينجز الحلم الذي ظل يراوده، وهو إقامة الدولة الفلسطينية ولو على جزء من التراب الفلسطيني.
 
الغموض الذي ظل يرافق مسيرة الرجل الصعب لم يفارقه حتى الساعات الأخيرة من حياته، فحتى الآن لا يعرف سبب وفاته الحقيقي، مثلما تبقى أسباب تفجر الخلاف بين أرملته سهى الطويل والقيادات الفلسطينية طي الكتمان، هذا فضلا عن عدم وضوح مصير ثروة كبيرة للشعب الفلسطيني تقدر بمئات الملايين من الدولارات لا يعلم مفاتحها إلا عرفات.
 
والأخطر من هذا كله أن عرفات رحل دون أن يكون له نائب أو أن يحدد آليات شديدة الوضوح لانتقال السلطة لخليفته، كما أنه ترك وراءه قيادات -حسب عدد من المراقبين- متنازعة ومتصارعة لا يعلم كيف يمكن أن يستقر الحال بينها.
 
مضى عرفات كما مضى غيره من الشعب الفلسطيني بشهادة أو بغيرها، ولكن الشعب الفلسطيني الذي يكابد الاحتلال يظل موجودا ويعبر عن تطلعاته الوطنية ويبذل في سبيل ذلك من دمائه كل يوم.
 
ولكن نضال الشعب الفلسطيني لا يمكن عزله عن القيادة التي يفترض أن تقود هذا النضال وتبلوره على شكل مشروع سياسي يحقق تطلعات الشعب للخلاص من الاحتلال.
 
وهذا ما حاول عرفات في المرحلة الماضية الوصول إليه من خلال اتفاق تسوية مع إسرائيل بعد عقود من المقاومة المسلحة، ولكن التشدد الإسرائيلي أحبط مساعي الزعيم الفلسطيني التي خاض من أجلها مغامرة كبيرة.
 
وبعد تحطم أحلام الدولة الفلسطينية على صخرة التعنت الإسرائيلي عاد الشعب الفلسطيني من جديد للانتفاض على الاحتلال ليتهاوى ما تبقى من دعائم لتسوية سياسية عبر التفاوض.
 
انتهى المطاف بعرفات الذي نال جائزة نوبل للسلام إلى زعيم "إرهابي" حسب الوصف الإسرائيلي والأميركي إلى حد ما، ليعيش في أشهره وأيامه الأخيرة مدافعا عن نفسه ومحاولا الاستمرار بالإمساك بزمام القيادة أمام مطالب الإصلاح التي هدفت لإيجاد قيادة بديلة له.
 
ومع ذلك ستواجه القيادة الفلسطينية -أيا كانت- معوقات كثيرة في التعامل مع الاحتلال إضافة إلى تمثيل تطلعات الشعب الفلسطيني وبلورة برنامج وطني فلسطيني يأخذ بعين الاعتبار جميع ألوان الطيف السياسي.
_______________
الجزيرة نت 
المصدر : الجزيرة