الفلوجة: نار الغضب مازالت تحت الرماد

موقع عسكري أميركي في الفلوجة

سعيد إحميدي وأحمد فاروق - الفلوجة

أثارت أعمال عنف بين القوات الأميركية المدججة بالسلاح والمواطنين العراقيين العزل في بلدة تقع على أطراف العاصمة بغداد قبل أيام تساؤلات عن سبب هذه المواجهات وحقيقة ما إذا كانت المظاهرات التي خرجت عفوية أم أن جهة تقف وراءها، خاصة إذا ما علمنا أن المواجهات وحالة الغضب استمرت لعدة أيام.

وقد أسفرت المواجهات التي وقعت في بلدة الفلوجة غربي العاصمة بغداد عن 18 قتيلا ونحو 90 جريحا فضلا عن إلحاق أضرار في الممتلكات الخاصة بالمواطنين.

ذهب فريق الجزيرة نت ليستطلع حقيقة ما حدث في الفلوجة بعد عودة الهدوء النسبي، خاصة بعد أن علمنا أن البلدة تدار حاليا بالجهود الذاتية من خلال مجلس محلي اختاره الوجهاء وزعماء المدينة ورجال العشائر.

وتحتل القوات الأميركية مبنى كان تابعا لحزب البعث العربي الاشتراكي يقع ملاصقا لمبنى قائمقام الفلوجة -الجهة المسؤولة محليا عن إدارة أمور البلدة- وتتخذه قاعدة لعملياتها، وتقوم بأعمال دوريات محددة في عمليات بحث عن أتباع النظام السابق الذي حكم العراق 35 عاما، فضلا عن عمليات جمع ومصادرة السلاح من المواطنين.

مدرسة القائد التي شهدت المجزرة
شاهد عيان
وبدأت الحكاية كما سمعناها من شاهد عيان وإمام مسجد ووالد أحد الشهداء وآخرين عندما فتح الجنود الأميركيون في مساء يوم 28 أبريل/ نيسان الماضي النار على متظاهرين يقل عددهم عن مائة شخص معظمهم من الأطفال.

وطالب هؤلاء الصبية بخروج القوات الأميركية من إحدى مدارسهم الواقعة في حيهم السكني كانت هذه القوات قد تمركزت فيها وقد أسفرت الحادثة في حينها عن 16 قتيلا و62 جريحا.

وجاءت مطالبة الأطفال القوات الأميركية بالخروج من مدرستهم حتى يمكنهم مباشرة الدراسة فيها بعد أن وجهت إدارة التربية بإيعاز من إدارة الاحتلال الأميركي في العراق إعلانا باستئناف الدراسة.

ويقول شاهد عيان التقيناه إنه ربما أثار القوات الأميركية المتمركزة في مدرسة القائد للبنين إطلاق بعض العيارات النارية من جهات دخيلة على المسيرة يعتقد أنها من بقايا أتباع الرئيس صدام حسين خاصة وأن المسيرة تزامنت مع ذكرى ميلاده.

وأشار إلى أن سيارتين رافقتا المسيرة وأن شخصا كان في حالة سكر يهتف بالروح بالدم نفديك يا صدام. فما كان من الجنود الأميركان إلا أن فتحو نيران أسلحتهم الثقيلة على المتظاهرين دون تمييز بل وطاردوا واقتحموا منازل المواطنين المجاورة.

وتداعت الأحداث سريعة إذ خرج في اليوم نفسه أهالي البلدة في مسيرة سلمية يقودها زعماء عشائر البلدة والعلماء المسلمون للاحتجاج على ما وصفوه بالمجزرة، وساروا في الشارع العام وعندما اقتربوا من مقر القوات الأميركية جاءت تعزيزات عسكرية من الاتجاه المعاكس للشارع، ودون مقدمات فتح أحد الجنود الأميركيين النار وبكثافة على المواطنين، مما أسفر عن مقتل اثنين وجرح سبعة آخرين.

وأصاب البلدة حالة غليان تؤجج بالحرب ردا على استخدام القوة المفرطة، وقد نجح وجهاء العشائر وخطباء المساجد في التهدئة واحتواء المشكلة التي لا زالت تخفي تحتها الاحتقان.

نكث بالاتفاق
الشيخ عبد الله الجنابي إمام مسجد سعد بن أبي وقاص عزا تدهور الوضع إلى نكث الأميركيين اتفاقهم مع وجهاء المدينة بشأن استسلامها حيث نفذ أهالي البلدة شروط عدم المقاومة وإزالة صور صدام حسين وتولوا زمام السلطة بتشكيل مجلس محلي بعيدا عن قيادات حزب البعث.

وأوضح أن القوات الأميركية بدأت تكثف دورياتها داخل البلدة وتقوم بممارسات استفزت السكان كان آخرها احتلال مبنى مدرسة القائد، لاعتقادهم بأن قوة الطوارئ المشكلة من شباب الفلوجة لحمايتها هم من عناصر المقاومة، وكان احتلال هذه المدرسة وكشف عورات المنازل المجاورة الفتيل الذي أشعل التظاهرة الأولى يوم الاثنين 28 أيريل/ نيسان، وقال إن عناصر خرجت عن سيطرة توجيهات رجال الدين والوجهاء وقامت بها.

وأشار الجنابي إلى أن تظاهرة سلمية أخرى خرجت بعدها بيومين وكانت فعلا تظاهرة سلمية بدعوة أئمة المساجد الذين تقدموها ولكن الأميركيين فتحوا النار عليها أيضا مما أدى لسقوط شهيدين.

ويؤكد الشيخ الجنابي أن أئمة المساجد يبذلون جهدا كبيرا في تهدئة مشاعر الغضب لدى السكان ولكنه يرى أن استمرار الاحتلال وعدم تشكيل حكومة وطنية تمثل الشعب العراقي تمثيلا حقيقيا إلى جانب عدم توفير الأمن سيؤدي لتصاعد الغليان الشعبي وصعوبة السيطرة عليه في جميع أنحاء العراق.

أما طه بديوي حميد الذي يتولى منصب قائمقام الفلوجة أو ما يمكن اعتباره رئيس إدارتها المحلية فيرى أن سبب اندلاع التظاهرات عناصر مخربة تسللت وسط المتظاهرين ضربت الأميركيين بالحجارة ثم أطلقت الرصاص في الهواء مما أدى لهذه المصيبة على حد تعبيره.

ويرى بديوي أن البلدة قامت بجهد كبير في تسيير شؤونها وهو يطالب أئمة المساجد بشكل خاص بدعوة المواطنين إلى الهدوء وعدم حضهم على التظاهر.

بديوي يؤكد أن الفلوجة يديرها مجلس مدني من حوالي 20 شخصا انتخبهم وجهاء المدينة وزعماء العشائر، وهو يقوم عبر الدوائر المختلفة بتسيير شؤون الفلوجة وتوفير الخدمات الأساسية، ويجب في الوقت الحالي على السكان تقبل الأمر الواقع وعدم التظاهر ضد الاحتلال على حد تعبيره، مؤكدا أن الأميركيين نفذوا طلب المجلس بالانسحاب من المدرسة.

آثار نهب مبنى المحكمة بالفلوجة (الجزيرة نت)

مطالب
وأكد أحد مشايخ العشائر في بلدة الفلوجة أن الأمور تتجه نحو التهدئة وهو من الجانبين، مشيرا إلى تجاوب القوات الأميركية في الانسحاب من داخل الأحياء السكنية وليس من المدينة دون أن توقف دورياتها العسكرية.

ومع اعتراف الشيخ محمد حامد الشيحان من عشيرة المحمدي
-إحدى كبرى عشائر المدينة- بأن الوجود العسكري الأميركي في العراق أمر واقع، وأن أي مطالبة بخروجها لا يمثل العشائر ولا العلماء المسلمين نظرا للحاجة لبقائهم في الوقت الراهن لحفظ الأمن. إلا أنه في الوقت نفسه حذر من إهمال الحاجات الأساسية والضرورية لمواطني البلدة والمحصورة في توفير الخدمات الرئيسية للمدينة من كهرباء وماء ومصارف صحية والتخلص من النفايات.

وقال إنه عندما طالبنا الأميركان بالانسحاب من الأحياء السكنية وعدم مضايقة الناس فعلوا ذلك، ولكن الجانب الأميركي أيضا وعدنا بتوفير المياه والكهرباء والمصارف الصحية التي كانت مهملة في المدينة في فترة حكم الرئيس السابق صدام حسين.

وقال إن أكثر ما سبب الاستياء والتذمر لدى المواطنين في الفلوجة من النظام السابق هو شح المياه وتلوثها وضعف الطاقة الكهربائية فضلا عن البطالة والفقر.

وأضاف الشيخ الشيحان أن الناس قبل الحرب كانت تقول في مجالسها الخاصة "اتركوا الأميركيين يجيؤون، فقط تعود لنا الكهرباء والماء"، وألمح الشيخ الذي أعدم والده عام 1986 على يد النظام السابق بالقول "لم ننظم مظاهرة حتى الآن ضد القوات الأميركية والأيام حبلى"، مشيرا إلى أن الأميركيين حتى الآن لم ينفذوا أيا من وعودهم بهذا الصدد.

لم يتقدموا باعتذار

الطفل عبد القادر أقصى يسار الذي استشهد خلال الأحداث الدامية بالفلوجة
ومن بين من استشهد في المظاهرة مساء الاثنين كان الطفل عبد القادر
(13 عاما)، ويأتي ترتيبه الثاني بين خمسة من أشقائه جميعهم من الذكور باستثناء شقيقة واحدة. ويقول شقيقه الأكبر الذي يكبره بعامين فقط إنه يفتقده كثيرا ويتوعد بالانتقام لدم أخيه.

وقد رحب والد الطفل الشهيد ويدعى عبد اللطيف عبد الهادي بزيارتنا بعد أن تفقدنا مكان الحادث، وهو يعمل موظفا في المصرف العقاري بالمدينة، وكان مجلسه يغص بالزوار رغم أنه كان في وقت الظهيرة.

وقال إنه عندما لم يعد عبد القادر إلى المنزل في الساعة الحادية عشر في ذلك اليوم خرج ليبحث عنه، وأضاف "وجدت في مكان المظاهرة دماء كثيرة ورصاصات كثيرة قد خرقت جدران العديد من المنازل والمدرسة.. بحثنا عنه فلم نجده وبحثنا عنه في المستشفى فوجدناه جثة هامدة.. لم نتمكن حتى من ضمه واحتضانه ووداعه قبل انتقال روحه لبارئها". وتساءل وقد اغرورقت عيناه رغم ما حاول أن يظهره من تماسك أثناء حديثه معنا عن سبب الاستخدام المفرط للقوة من قبل الجنود الأميركيين ضد مسيرة مدنية جلها من الأطفال.

وأكد أحد الحاضرين لنا قبل مغادرة المجلس أن عددا من الجرحى بقوا لساعات ينزفون دون أن يتمكن أحد من الاقتراب منهم وبعضهم لقي حتفه، وأشار إلى أنه عثر في صباح اليوم التالي على جثث لأربع أطفال سقطوا شهداء داخل المدرسة بسبب الحظر الذي فرضته القوات الأميركية وحالت دون وصول قوات الإسعاف والأهالي إليهم.

وقال والد الطفل إن أي مسؤول أميركي لم يحضر إلى منزله لتقديم الاعتذار عن قتل الأطفال الأبرياء.
ــــــــــــــــــــ
* موفدا الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة