العراقيون لا يعارضون احتلالا أميركيا مؤقتا

قوات أميركية تقف إلى جوار مركز محترق للاتصالات في بغداد (رويترز)

سعيد إحميدي

لم يفاجأ العراقيون كثيرا بصدور قرار من مجلس الأمن يخول قوى الاحتلال الأميركي - البريطاني الإشراف على الاقتصاد والمستقبل السياسي للعراق لحين انتخاب حكومة جديدة في فترة تراوح بين عام إلى عامين.

وإضافة إلى أن القرار الجديد يقضي برفع 13 عاما من العقوبات التي عانى منها العراقيون، طلب مجلس الأمن في قراره رقم 1483 من قوة الاحتلال تشكيل إدارة عراقية مؤقتة للقيام بمهام تنفيذية محدودة وإن تولت أيضا مسؤولية السبيل لصياغة دستور جديد وإجراء انتخابات. وتسعى الإدارة الأميركية لتشجيع ظهور قيادة عراقية جديدة تتولى مقاليد الحكم في بغداد بعد فترة من الحكم العسكري.

يقول اللواء الركن المتقاعد الدكتور محمود أحمد عز الدين إنه يتعين على الولايات المتحدة أن تقود العراق الخاضع لاحتلالها نحو بناء دولة تحتضن التنوع في إطار من الوحدة ومن خلال خلق توازن بين السلطات الإقليمية والمركزية، وإيجاد ديمقراطية مزدهرة تكون نبراسا في هذه المنطقة.

ويضيف أن العراق حكم لسنوات طويلة بنظام استبدادي يحكم بعقل واحد مع تغييب باقي العقول، وأخضع العراقيون لسلطة عسكرية ظالمة كانت الحقوق السياسية فيها مسلوبة، وأردف "أن المسؤولين الأميركيين أعلنوا أن برنامجهم تحرير العراق من النظام وجلب الخير للشعب ولا مانع من تحقيق مصالح مشتركة" للولايات المتحدة والشعب العراقي.

إدارة مؤقتة

مدرعة أميركية تقف بجوار مسجد في الفلوجة بالعراق في أعقاب أعمال عنف (الفرنسية)
ويدور لغط كبير بشأن هوية الحكم المقبل في العراق، فهنالك إدارة عسكرية أميركية مؤكدة ستتولى إدارة أمور العراق لفترة قد تمتد إلى عدة سنين أو قد تختزلها بشكل مستعجل.

ويؤكد العراقيون في الداخل والخارج وباختلاف توجهاتهم السياسية على أهمية استعادة الاستقرار والمكانة الدولية بأسرع وقت ممكن من خلال نظام انتقالي يقودهم إلى وضع دائم يتبنى الديمقراطية والتعددية الحزبية والحقوق الدستورية للجميع.

يقول الدكتور نبيل سليم الأستاذ في القانون الدولي في جامعة بغداد إن دور الإدارة الانتقالية هو إعادة الأمن المفقود للبلاد وتوفير البنية التحتية والاحتياجات الرئيسية للمواطنين "فالطعام والماء في تناقص مستمر ومعظم البيوت دون كهرباء والأمن لا يزال مفقودا حتى مع تقلص عمليات السلب". ويضيف أن مهمتها أيضا تشريع قوانين التعددية وسن الدستور وكيفية المشاركة في الانتخابات.

ويتفق الدكتور سليم مع الرأي القائل بأن وجود إدارة عراقية مؤقتة أمر ضروري لإعادة الأمن للبلاد في ظل غياب سلطة تدير الوطن، لكنه يقول إنه يتعين أن يكون اختيار أعضائها على أساس الكفاءة والوطنية وليس على أساس الإملاءات الأميركية.

لكن هذه الرغبة ستصطدم بمعارضة واضحة من واشنطن، التي يرى البعض أنها تنشط حاليا باتجاه منع سيناريو كهذا من خلال إبراز ودعم قوى سياسية عراقية علمانية تميل إلى الغرب، غير مكترثة بما تريده الأغلبية العراقية.

الدور الأميركي

عراقي يعمل في وزارة النفط يرفع لافتة احتجاج على الوعود الأميركية الكاذبة (أرشيف-الفرنسية)
فما دور الأميركيين في الحكومة الانتقالية المؤقتة؟ يقول الدكتور سليم إنه من ناحية واقعية علينا أن نعترف بأن الولايات المتحدة ستجتهد في دعم أشخاص معينين سواء في الإدارة المؤقتة أم في الحكومة التي تشكل لاحقا.

وتشعر الولايات المتحدة بخيبة أمل لما يبدو فشل محاولتها فرض شخصيات معارضة موالية لها من مثل زعيم المؤتمر الوطني العراقي أحمد الجلبي، وهو شيعي لكنه غير محبوب لدى الشيعة سواء العلمانيين أم المتدينين من داخل العراق.

ويقول الدكتور سليم إنه ليس مهما من سيقود البلاد طالما أنه سيكون حريصا على مصلحة البلد وشعبه "فليس مهما أن يكون رئيس البلاد سنيا أو شيعيا أو عربيا أو كرديا أو تركمانيا طالما أنه مسلم على أن يكون وطنيا ومؤهلا لاحتلال المنصب ومتجردا من قوميته وطائفيته إلا من عباءة الوطنية والدين". ويضيف وليس مهما شكل نظام الحكم المهم أن يكون ديمقراطيا، كما أنه ليس مهما نوع الحكومة المقبلة طالما يسمح بالمشاركة السياسية للجميع على أساس الكفاءة والوطنية.

عداء عراقي متنامي

دمار لحق بمنزل أحد المواطنين العراقيين في البصرة بعد دهم القوات البريطانية له (أرشيف-رويترز)
ولا يخفي الأميركيون خشيتهم من المعارضة المتنامية لدى العراقيين لوجودهم على الرغم من أن الوجود الأميركي في العراق لم يمض عليه سوى أقل من شهرين.

ويرى بعض المراقبين أن جهود واشنطن الهادفة إلى تشديد القبضة على مقاليد الأمور في العراق تواجه عددا لا بأس به من العراقيل والمشاكل، ربما من أبرزها الصعود السريع الملموس لموجة العداء لهذا الوجود، وهي موجة يقودها زعماء الشيعة والسنة.

وبعيدا عن السيناريوهات الأميركية الكثيرة فإن ما سيواجه العراق في المستقبل القريب هو عملية انتقال السلطة مدنيا جزئيا، وسيكون من الصعب –وربما من المستحيل- قيام سلطة تمثيلية عراقية شرعية فورية، فهنالك ثلاث مراحل ستمر بها السلطة الجديدة حالة الفوضى الحالية وبعض الإدارات المدنية التي قامت في بعض المدن والأحياء بشكل ذاتي ثم حكومة انتقالية مؤقتة تعقبها حكومة تمثيلية منبثقة عن انتخابات ديمقراطية، وسيمر وقت غير قصير للوصول إلى الصيغة الأخيرة.

ويقول العميد الركن المتقاعد الدكتور صبحي ناظم توفيق "كنا نتمنى أن يتنازل النظام نفسه أو نغيره بأنفسنا"، ويؤكد أنه ليس هنالك ما يمنع من الوجود الأميركي لإدارة شؤون البلاد والحفاظ على الأمن والسيطرة على عمليات النهب وإعادة النظام حتى لو استدعى وجوده عاما أو عامين، "ولكن إذا لم يعمل بمتطلبات وجوده وخرج عن التزاماته فلكل حادث حديث".
ــــــــــــــــــــ
* الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة