عرفات بين التجاهل الأميركي والعزل السياسي الإسرائيلي

عرفات يستقبل مبعوثا صينيا في مكتبه برام الله الأربعاء الماضي (الفرنسية)

أحمد فاروق

لم تعد الحكومة الإسرائيلية برئاسة أرييل شارون في حاجة إلى دباباتها لحصار الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في مقره، إذ بإمكانها فرض الحظر السياسي عليه وسط انشغال جميع الأطراف المعنية بخطة السلام المعروفة باسم خارطة الطريق.

فمنذ إعلان تشكيل الحكومة الفلسطينية برئاسة محمود عباس (أبو مازن) ظهر أن حكومة شارون تتعامل معها باعتبارها جهة التفاوض وصناعة القرار بعيدا عن سلطة الرئيس عرفات.

ولم تكتف الحكومة الإسرائيلية بذلك بل إنها سارعت مؤخرا خاصة عقب عمليتي القدس يوم 18 مايو/ أيار الجاري إلى تحميل الرئيس عرفات مسؤولية الهجومين بل واتهامه على لسان المتحدث باسم الحكومة آفي بازنر بأنه يتحالف مع حركتي حماس والجهاد الإسلامي لإفساد مهمة حكومة أبو مازن الذي كان قد اختتم لقاء مع شارون قبل الهجومين بساعات.

وتزامن ذلك مع ممارسة ضغوط دبلوماسية دولية لمنع لقاءات كبار المسؤولين بعرفات، وحين أصر المنسق الأعلى للشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي خافيير سولانا على اللقاء بعرفات برام الله يوم 16 مايو/ أيار الجاري تم إلغاء اجتماعه بشارون مما حدا بالمسؤول الأوروبي لإرجاء زيارته لإسرائيل. وتكرر الموقف هذه الأيام مع وزير الخارجية الفرنسي دومينيك دو فيلبان الذي أعلن أنه سيلتقي عرفات في زيارته التي تبدأ الأحد.

وكان الرد الإسرائيلي فوريا بإلغاء اجتماع شارون مع الوزير الفرنسي الذي سيستقبله نظيره الإسرائيلي سيلفان شالوم في محاولة لتخفيف حدة الأزمة في علاقات البلدين التي قد يسببها مثل هذا القرار بالإعلان أن دو فيلبان سيستقبل كصديق لإسرائيل.

كما سارت حكومة شارون في طريق آخر مواز بشغل العالم بموقفها من خارطة الطريق وجاء إعلان شارون قبول الخارطة وعرضها على حكومته للتصديق ليشغل حتى الفلسطينيين بتحفظاته عليها وسماها المخاوف، في حين أكد البيت الأبيض في بيان له أن الولايات المتحدة ستأخذ التحفظات في الاعتبار.

واتبعت الولايات المتحدة أيضا النهج الإسرائيلي في عزل دور الرئيس عرفات، فالإدارة الأميركية التي تمارس ضغوطا مكثفة لتحقيق أي تقدم ينهي الجمود الحالي طرحت فكرة عقد لقاءات بين الرئيس بوش وعدد من الزعماء العرب ورئيسي الوزراء الفلسطيني والإسرائيلي دون أن تذكر عرفات، وقد رحبت الحكومة الفلسطينية رغم ذلك بهذه الفكرة.

الرئيس جورج بوش اتصل الأسبوع الماضي بالقيادة الفلسطينية الجديدة وتحدث هاتفيا لأول مرة مع رئيس الوزراء الفلسطيني محمود عباس واجتمع مع وزير المالية سلام فياض. وأمام هذا الموقف لم يكن أمام حكومة أبو مازن سوى الإشادة بالجهود الأميركية وما نقله الوزير سلام فياض عن الرئيس الأميركي عقب لقائهما من رغبة واستعداد قوي للعمل بخارطة الطريق.

أبو مازن يرأس اجتماعا لحكومته (الفرنسية)
كما انشغلت الحكومة الفلسطينية أيضا بجهود تنفيذ خارطة الطريق ومحاولة الحصول على تطمينات أميركية بشأن عدم إدخال تعديلات عليها. وحتى الآن تكتفي حكومة أبو مازن بإدانة حملة التحريض الإسرائيلية ضد عرفات وتجديد تأكيد سعيها لرفع جميع القيود المفروضة على تحركاته.

وتشير المعطيات على أرض الواقع حاليا إلى أن إسرائيل نجحت إلى حد كبير في تحقيق هدف عزل الرئيس عرفات أو على الأقل تحييد موقفه سياسيا.

ورغم أن عرفات مازال يترأس اجتماعات السلطة الفلسطينية، فإن حكومة أبو مازن تحظى بثقة أكبر من إسرائيل والولايات المتحدة بعدما وضعت على رأس أولوياتها نزع ما أسمته الأسلحة غير الشرعية ووقف "الفوضى الأمنية" إلى جانب تعهداتها لشارون في أول لقاء بينهما ببذل مزيد من الجهد لمكافحة ما يسمى الإرهاب.

وتتعامل السلطة الفلسطينية مع هذا الموقف الإسرائيلي باعتباره محاولة لتصوير وجود صراعات داخلية بين القيادات الفلسطينية على حد قول وزير شؤون مجلس الوزراء ياسر عبد ربه الذي أكد أن القيادة مازالت بيد عرفات.

ولكن حتى الآن وعلى المستوى الرسمي الإسرائيلي بل والأميركي سيكون التفاوض والمحادثات الثنائية وقمة شرم الشيخ المقترحة بدون الرئيس عرفات.

ويبدو أن عرفات سيبتعد حاليا عن أضواء الاجتماعات الرسمية والمفاوضات الرسمية التي ستحدد بشكل كبير مستقبل الوضع الفلسطيني رغم تأكيدات الجانب الفلسطيني أن كل شيء يتم تحت إشرافه وبموافقته وأن محاولات إسرائيل لعزل الزعيم الفلسطيني غير ذات جدوى.
_________
*الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة