رفع العقوبات عن العراق صراع دبلوماسي جديد

محمد عبد العاطي*

آخر جلسة لمجلس الأمن التي وافق فيها بالإجماع على استئناف برنامج النفط مقابل الغذاء
مشروع القرار الذي تقدمت به الولايات المتحدة وبريطانيا وإسبانيا الخاص برفع العقوبات عن العراق
-الذي عرضه المندوب الأميركي في الأمم المتحدة رسميا ليلة الجمعة 9 مايو/أيار -مرشح لأن يكون أحد أهم الموضوعات على ساحة العمل الدبلوماسي الدولي خلال الأسابيع الثلاثة القادمة.

حيث من المتوقع أن يزداد الجدل بشأنه كلما اقترب الموعد النهائي للعمل بالمرحلة الحالية من برنامج النفط مقابل الغذاء في الثالث من يونيو/ حزيران القادم.

التقرير التالي يستعرض:

  • أهم نقاط مشروع القرار الأميركي الداعي لإنهاء العقوبات الدولية على العراق.
  • ومواقف الدول الكبرى وبخاصة الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن منه.
  • وتداعيات الصيغة الأميركية المقترحة للقرار على العراق سياسيا واقتصاديا من جهة وعلى الأمم المتحدة ودورها المستقبلي من جهة أخرى.

أهم نقاط مشروع القرار الأميركي

جون نغروبونتي
خرجت الأفكار الأميركية المتعلقة برفع العقوبات عن العراق إلى العلن بشكل رسمي بعد وقت طويل قضاه الدبلوماسيون الأميركان في مشاورات بين الدول الكبرى في مجلس الأمن لاستكشاف مواقفهم.

وكانت أهم نقاط مشروع القرارالذي قدمه المبعوث الأميركي السفير جون نغروبونتي الجمعة التاسع من مايو/أيار على:

  • باستثناء الشروط التي نصت عليها القرارات السابقة بالنسبة لبيع الأسلحة والمواد العسكرية المتعلقة بها والحصول عليها فإن كل الممنوعات المتعلقة بالتجارة مع العراق لم تعد سارية المفعول.
  • كل المبيعات العراقية من الصادرات البترولية والمنتجات البترولية والغاز الطبيعي التي تتم بعد تاريخ تبني القرار، ستتم وفقا للممارسات السائدة حاليا في السوق الدولية.
  • وستتم مراجعة حساباتها من قبل محاسبين عموميين خاصين يرفعون تقاريرهم إلى المجلس الاستشاري الدولي.
  • يتم إيداع كل المداخيل المتحققة من هذه المبيعات في صندوق مساعدة العراق حتى يتم تشكيل حكومة عراقية جديدة بالوسائل المناسبة وتصبح قادرة على الاضطلاع بمسؤولياتها.
  • وسيكون لصندوق مساعدة العراق الذي تشرف عليه الولايات المتحدة وبريطانيا طبقا لنص مشروع القرار، مجلس استشاري دولي يضم:
  1. ممثلين مؤهلين للأمين العام.
  2. ولصندق النقد الدولي.
  3. والصندوق العربي للتنمية الاجتماعية والاقتصادية.
  4. والبنك الدولي.

وسيعمل الصندوق على:

  1. تلبية الاحتياجات الإنسانية للشعب العراقي.
  2. إعادة بناء الاقتصاد.
  3. إصلاح البنية التحتية العراقية.
  4. الاستمرار في نزع أسلحة العراق.
  5. تغطية نفقات الإدراة المدنية المحلية.
  6. تمويل الأغراض الأخرى التي تعود بالنفع على الشعب العراقي.
  • إنفاق الأموال المودعة في صندوق مساعدة العراق سيتم بموجب تعليمات "السلطة" وذلك بالتشاور مع السلطة العراقية المؤقتة.
  • السلطة المقصودة في البند السابق هي القوى المحتلة والقوى الأخرى التي تعمل معها الآن وستعمل معها في المستقبل تحت إشراف القيادة الموحدة.
  • سيكون الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان مطالبا بتعيين منسّق خاص لشؤون العراق يتولى التنسيق بين الأمم المتحدة والجهات القائمة بنشاطات الإغاثة والإعمار في البلاد وبين السلطات الأميركية والبريطانية.
  • تخفض قيمة التعويضات التي تمنح للكويت من عائدات النفط العراقي من 25 إلى 5%.
  • ما لم يقر مجلس الأمن خلاف ذلك فإن إدارة شؤون العراق توكل للولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا لمدة سنة كاملة تجدد تلقائيا.

المواقف الدولية


أكثر ما أثار قلق بعض خبراء القانون الدولي الذين علقوا على مشروع القرار هو ذلك البند الذي ينص على أن "يُسمح للولايات المتحدة وبريطانيا بممارسة حقوق إدارة العراق لمدة 12 شهرا كاملة تجدد تلقائيا ما لم يقر مجلس الأمن الدولي خلاف ذلك"

لم يكن الوقت الذي طرح فيه المشروع الأميركي ليسمح بردود الأفعال الدولية الأولية حيث أنه جاء في ساعة متأخرة من ليلة الجمعة بتوقيت نيويورك، وجاء كذلك متواكبا مع عطلة نهاية الأسبوع الأمر الذي جعل سفيري روسيا وفرنسا يمتنعان عن الإدلاء بأي تصريحات صحفية، واكتفى المندوب الروسي بالقول "إن هناك أسئلة كثيرة تحتاج إلى إجابات".

وفي اليوم التالي (السبت) اتضح أكثر الموقف الروسي فأعلنت موسكو عن تحفظها بشأن مشروع القرار الأميركي وقال نائب وزير الخارجية يوري فيدوتوف "إن مشروع القرار يتضمن بعض الجوانب الإيجابية، لكن هناك عدة أجزاء ليست واضحة بما فيه الكفاية وتتطلب عملا جادا ومزيدا من الإيضاحات وستطالب موسكو الأمم المتحدة بأن يكون لها الدور المحوري في عراق ما بعد الحرب عندما يستأنف مجلس الأمن المكون من 15 دولة بحث مشروع القرار الأميركي غدا الاثنين.

أما الولايات المتحدة فهي في عجلة من أمرها حيث إنها تريد الحصول على عائدات النفط العراقي لتتصرف فيها –وفقا لصيغة مشروع القرار الذي تقدمت به- بمفردها ودون وصاية من الأمم المتحدة، وهي في ذلك لها أسبابها الخاصة المعلنة وغير المعلنة.

ومن المتوقع أن يطول الجدل بشأن صيغة مشروع القرار الأميركي، وربما طالت الفترة عن الأيام الخمسة عشر التي قال المندوب الأميركي إن "بلاده ترغب في أن تتبنى الأمم المتحدة هذا القرار خلالها"، وهو توقيت يقترب من التوقيت الذي ينتهي العمل فيه بالمرحلة الحالية من برنامج النفط مقابل الغذاء الذي تشرف عليه الأمم المتحدة والذي يجدد كل ستة أشهر ينتهي آخرها في الثالث من يونيو/ حزيران القادم.

حجج قانونية


إلغاء العقوبات المفروضة على العراق لا بد أن يسبقه إقرار من المفتشين الدوليين بخلو العراق من أسلحة الدمار الشامل، وهو شرط في جوهره يسقط حجج الولايات المتحدة التي شنت الحرب خارج مظلة الشرعية الدولية استنادا إليه

ولم تنقص المتحفظين على مشروع القرار الأميركي الحجج القانونية، فأكدوا على أن إلغاء العقوبات المفروضة على العراق لا بد أن يسبقه إقرار من المفتشين الدوليين بخلو العراق من أسلحة الدمار الشامل، وهو شرط في جوهره يسقط حجج الولايات المتحدة التي شنت الحرب خارج مظلة الشرعية الدولية استنادا إليه حيث اتهمت العراق ضمن ما اتهمته به بحيازة أسلحة دمار شامل.

غير أن أكثر ما أثار قلق بعض خبراء القانون الدولي الذين علقوا على مشروع القرار هو ذلك البند الذي ينص على أن "يُسمح للولايات المتحدة وبريطانيا بممارسة حقوق إدارة العراق لمدة 12 شهرا كاملة تجدد تلقائيا ما لم يقر مجلس الأمن الدولي خلاف ذلك".

فهؤلاء القانونيون يعتبرون ذلك ثغرة كبيرة في مشروع القرار، حيث تتيح هذه المادة للولايات المتحدة وبريطانيا سيطرة كاملة ومستمرة على العراق لا يستطيع أحد أن يلغيها في المستقبل، لأن حق النقض "الفيتو" الأميركي أو البريطاني سيقف حائلا دونه.

وذلك لأن المادة تنص على "التجديد التلقائي للإدارة الأميركية البريطانية للشؤون العراقية ما لم يقر مجلس الأمن غير ذلك" ومن الطبيعي أن يقف مجلس الأمن عاجزا عن إقرار ما يخالف ذلك بسبب حق النقض "الفيتو الأميركي البريطاني" كما تقدم.

تهميش المنظمة الدولية
وينطوي مشورع القرار الأميركي على تهميش لدور الأمم المتحدة في حل الأزمات الدولية كما ترى ذلك روسيا وفرنسا وألمانيا والعديد من خبراء القانون الدولي، ويستندون في مخاوفهم هذه على ما جاء في نص مشروع القرار الأميركي الذي يقصر دور الأمم المتحدة والمنظمات والأجهزة التابعة لها على مراقبة صرف ريع النفط العراقي وليس تحديد أوجه هذا الصرف.

لكل هذا فإنه بالفعل من المتوقع أن تكون عودة الولايات المتحدة إلى ساحة مجلس الأمن غير المحببة لها لاستصدار قرار برفع العقوبات عن العراق مجالا لأخذ ورد لن تنهيه هذه المرة صواريخ كروز ولا قاذفات الـ (بي 52) العملاقة وإنما الذي سيحسم الموقف تلك الأيدي التي سترتفع بالتصويت رفضا أو قبولا لمشروع القرار الأميركي خلال الأيام القادمة.
____________
الجزيرة نت.

المصدر : الجزيرة