مؤتمر الرياض بين الآمال المنشودة والآليات المفقودة

محمد عبد العاطي*

تحديات كثيرة وهموم كبيرة يحملها وزراء خارجية الدول المجاورة للعراق وهم يجتمعون اليوم في العاصمة السعودية الرياض. وقد وصل هؤلاء وفي جعبة كل واحد منهم الكثير ليطرحه أمام نظرائه آملا أن تجمع المصائب هؤلاء المصابين.

ومهما كانت أهمية الموضوعات التي ستطرح على جدول الأعمال فإن السؤال الأهم هو مدى فاعلية الآليات التي سيتمخض عنها هذا المؤتمر في تحقيق أهدافه المنشودة.

التقرير التالي يستعرض أجندة المجتمعين في مؤتمر الرياض ويبحث في المصالح المشتركة لهذه الأطراف في محاولة لتقدير مدى فاعلية هذا الاجتماع الذي يعد الأول على هذا المستوى بعد العدوان الأميركي البريطاني على العراق.

أهمية المؤتمر
يأمل البعض في أن ينجح هذا المؤتمر في تحقيق بعض الأهداف التي ينتظرها كل طرف وبخاصة تلك المتعلقة بـ:

  • المساهمة الجادة في رسم الخريطة السياسية لعراق ما بعد نظام حكم الرئيس صدام حسين.
  • وبلورة موقف إقليمي مشترك يقنع الإدارة الأميركية بضرورة أخذه بعين الاعتبار وهي تفكر بعقلية المنتصر، سواء في شكل وطبيعة الحكومة التي ستحكم العراق والتي ستستكمل لها أهدافها السياسية والاقتصادية.
  • أو التعامل مع التهديدات التي تؤرق هذه الدول وبالأخص العسكرية منها كتلك التي تتعرض لها سوريا وإيران، أو التي تمس البنية الاجتماعية لبعض الدول المجاورة مثل إيران وتركيا في حال اندلاع حرب أهلية في العراق على أسس مذهبية أو عرقية.

أما أهميته فتنبع من أنه إذا فشل فإنه بلا شك سيكون رسالة واضحة للإدارة الأميركية مفادها أن الطريق ممهد لا نتوء فيه وتستطيع أن تسير قدما دون منغصات أو أدنى اعتبار لتعارض مصالحها مع المصالح الحيوية لدول المنطقة ودون أدنى اهتمام "لامتعاض" هذه الحكومة أو تلك.

الدول المشاركة:
دعيت دول ست تشترك في حدود جغرافية مع العراق هي السعودية والكويت وإيران وتركيا وسوريا والأردن وأضيف إليها البحرين بحكم كونها الرئيس الحالي لجامعة الدول العربية ومصر باعتبارها دولة عربية كبيرة ذات ثقل إقليمي مهم.

جدول الأعمال:
لا يمكننا الحديث بصورة رسمية عن جدول أعمال لهذا المؤتمر، إذ لم يعلن له جدول أعمال مسبق، ولكن من خلال تصريحات وزراء الخارجية المشاركين والذين أدلوا بها قبيل مغادرتهم دولهم متوجهين إلى الرياض يمكن رصد الموضوعات التالية التي قال هؤلاء الوزراء إنهم سيبحثونها:

1- المشاركة في رسم خريطة العراق السياسية:
تحاول الدول الثماني المجتمعة أن يكون لها دور في طبيعة المباحثات التي تتم الآن تحت إشراف أميركي بين فصائل المعارضة العراقية لتكوين حكومة مدنية تعمل تحت إشراف الحاكم العسكري الأميركي الجنرال جاي غارنر.

ولا يعرف حتى الآن ما هو تصور الدول الإقليمية هذه لشكل الحكومة التي يمكن أن تحكم العراق في الفترة القادمة. وكل ما تعلنه هذه الدول هو مبادئ عامة تخلو من أي تحديد عن آليات التنفيذ. فهذه الدول تكرر "مناشدتها" في أن تكون الحكومة القادمة في العراق ممثلة لكل طوائف الشعب ومنتخبة انتخابا حرا ونزيها ومعبرة عن صميم مصالحه الوطنية.

وتتوقف دول الجوار الإقليمي عند هذا الحد ولا تتجاوزه إلى اقتراح آليات محددة تدخل من خلالها في "المطبخ السياسي الأميركي العراقي" الذي يعد لعراق ما بعد صدام.

2- صياغة موقف مشترك للتعامل مع الحكومة العراقية المقبلة:
كذلك يبحث المؤتمر في صياغة أو بلورة موقف إقليمي مشترك للحكومة العراقية القادمة وكيفية التعامل معها. وهنا تبرز تحديات عدة أمام المجتمعين في الرياض:

  • أي حكومة سيعترفون بها؟
  • وهل تحققت الشروط التي أعلنوا عنها والمتمثلة في أن تكون "منتخبة انتخابا حرا ونزيها وتحت إشراف المؤسسات الدولية والمراقبين الدوليين وممثلة تمثيلا عادلا لمختلف الطيف السياسي والعرقي والمذهبي العراقي"؟
  • وإذا لم تتحقق هذه الشروط، فهل تتحمل سياستهم الخارجية الاصطدام مع الإرادة الأميركية التي من المحتمل أن تعمل على إجبار الدول المجاورة للاعتراف بالحكومة الأميركية العراقية المقبلة؟

3- تشكيل قوات لحفظ الأمن والاستقرار:
ربما تكون هذه المسألة واحدة من أهم الموضوعات التي قد تطرح في هذا الاجتماع، حيث ظهرت دعوات في الأيام القليلة الماضية تطالب دول الجوار بتشكيل قوات لحفظ الأمن والاستقرار في العراق على غرار تلك القوات التي سبق وأن أرسلتها بعض هذه الدول وبخاصة مصر والأردن وتركيا لحفظ الأمن في بعض المناطق المتوترة والساخنة من العالم مثل كوسوفا والبوسنة وأفغانستان وغيرها.

وحتى هذه الفكرة لم تسلم من التساؤلات وعلامات الاستفهام أيضا:

  • فهل ستعمل هذه القوات تحت علم الأمم المتحدة؟
  • وهل ستسمح الولايات المتحدة بهذا الدور للأمم المتحدة؟
  • أم ربما تعمل قوات حفظ السلام الإقليمية هذه تحت إمرة القوات الأميركية والبريطانية الغازية؟
  • أم قد تتسع آمال المشاركين في مؤتمر الرياض للمطالبة بأن تعمل هذه القوات في حال تشكلها تحت قيادة إقليمية منهم هم أنفسهم بالتنسيق مع القوات الأميركية البريطانية؟

فهذه كلها أسئلة مفتوحة وقد تكون ملغومة أمام أي محاولة لتشكيل قوات إقليمية تعمل على حفظ الأمن والسلام في العراق، كما يأمل المجتمعون.

4- صياغة موقف مشترك لضمان وحدة العراق:
معروف أن العراق كدولة مهدد بالتشطير والتجزئة في حال استمرار الانفلات الأمني وفراغ السلطة الذي يعيشه الآن.

ولن يقتصر ضرر هذه التجزئة على العراق وحده وإنما ستمتد أيضا إلى الدول الأخرى المجاورة وبالأخص تلك التي توجد فيها أقليات عرقية ومذهبية لها امتداداتها في أراضيها مثل تركيا وإيران على سبيل المثال. ومن هنا تأتي منطقية الدعوة إلى البحث في كيفية ضمان وحدة وسيادة العراق.

لكن يبقى السؤال الأهم هنا أيضا في كيفية تحويل هذه القضية من مسألة مقلقة ومؤرقة لدول الجوار إلى خطط وسياسات قابلة للتنفيذ على الأرض؟

5- وضع إستراتيجية موحدة لضمان الأمن والاستقرار بالمنطقة:
ربما كان هذا العنوان أكبر من أن يحققه اجتماع عاجل وسريع مثل مؤتمر الرياض هذا. لكن الموضوع بحد ذاته من الأهمية التي جعلته يتصدر جدول أعمال المؤتمر كما جاء في تصريحات الوزراء المشاركين.

فالدول الإقليمية المجتمعة باتت تشعر بمزيد من عدم الاطمئنان بعد الانتصار العسكري الذي حققته القوات الأميركية وما أعقبه من تهديد بعمل عسكري ضد سوريا وإيران، والتمهيد لذلك بحملات دعائية وبحرب نفسية مشابهة في بعض جوانبها لما كانت تروجه الإدارة الأميركية ضد الحكومة العراقية السابقة.

وهو ما جعل هذه الحكومات تشعر بالفعل أن ما كان يتحدث به كبار المسؤولين الأميركيين وعلى رأسهم وزير الخارجية الأميركي كولن باول ومستشارة الأمن القومي الأميركي كوندوليزا رايس عن تغيير الخريطة السياسية للشرق الأوسط أمر قابل الحدوث وبسرعة لم تكن تتوقعها حكومات الدول المشاركة في مؤتمر الرياض.

وكما سبق القول فإن هذا العنوان ربما يكون أكبر من مؤتمر عاجل على هذا المستوى إذ إن وضع الإستراتيجيات الأمنية لدول لها مصالح متباينة وعلاقات خارجية مختلفة ومتشابكة ومعقدة ليس بهذه السهولة.

أما إذا كان الغرض الخروج ببيان يعبر عن "قلق" هذه الدول من "احتمالات" عدم الاستقرار التي "قد تنجم" عن لغة التهديد التي استعملت خلال الأيام الماضية ضد سوريا وإيران فهذا أمر ربما يكون على المستوى الإعلامي جميلا لكنه لا يخلق واقعا أمنيا على الأرض يفرض على الآخرين هيبته واحترامه.

6- تقديم مساعدات إنسانية عاجلة للعراق:
قد تكون هذه المسألة هي الأسهل على جدول أعمال المجتمعين في الرياض، حيث لا تلقى هذه القضية اعتراضات أميركية أو بريطانية كبيرة، بل ربما تجد ترحيبا لأنها تحقق للطرفين (الأميركان والدول الإقليمية) مصلحة مشتركة.

فهي من جهة تخفف من حدة الاحتقان التي تتزايد يوما بعد يوم لدى الشعب العراقي ضد قوات الاحتلال التي لم تحقق له حتى الآن لا الأمن ولا الاستقرار ولا رغد العيش الذي بشرت به طوال الأشهر التي سبقت الحرب.

ومن جهة ثانية تنفس مسألة المساعدات بعضا من الغضب الذي يشعر به الرأي العام في هذه الدول الإقليمية والذي رأى مشاهد الدمار الهائل الذي يتعرض له العراق وما لحق بأهله من خسائر جسيمة في الأرواح والممتلكات على أيدي القوات الأميركية والبريطانية ولم تحرك حكوماته ساكنا.

آمل كثيرة وطموحات كبيرة وموضوعات متعددة قد لا تجد وقتا كافيا لدى وزراء خارجية الدول المجاورة للعراق لبحثها جميعا كما حدث من قبل في اجتماع أنقرة الذي جمع هذه الدول قبيل اندلاع الحرب، لكنها قد تجد لها مكانا فسيحا على الأرجح وسط سطور البيان الختامي الذي سيتمخض عنه هذا المؤتمر. ويبقى دائما أهم معايير نجاح أو فشل أي تجمع صغر أو كبر شأنه هو مدى فاعلية آليات التنفيذ التي يتوصل إلى الاتفاق عليها.
_____________
قسم البحوث والدراسات – الجزيرة نت.

المصدر : الجزيرة

المزيد من أزمات
الأكثر قراءة