القاضي عبد المنعم رياض: قصف سوق النصر جريمة حرب

حوار: محمد عبد العاطي*



هل تكون القوات الأميركية والبريطانية ارتكبت جرائم حرب من جراء ما حدث للمدنيين العراقيين في سوق النصر بحي الشعلة مساء أمس وقبلها في شمال العراق؟ وهل يعتبر إعلانها مدينة البصرة هدفا عسكريا وعزمها فرض الحصار على بغداد ضمن جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية؟ وإذا كان تكييف قانون الحرب لما يحدث في العراق حاليا يصنفه بالفعل ضمن الجرائم، فكيف يتم من الآن تجميع الأدلة وتوثيقها لملاحقة من قاموا بهذه الأعمال وتقديمهم لمحاكم مجرمي الحرب مستقبلا؟

هذه الأسئلة وغيرها يجيب عنها الأستاذ الدكتور فؤاد عبد المنعم رياض أحد قضاة المحكمة الجنائية الدولية لجرائم الحرب وأحد الذين شاركوا في مقاضاة مجرمي الحرب في يوغسلافيا السابقة وأستاذ القانون الدولي بجامعة القاهرة.


بداية ومن وجهة نظر قانونية بحتة، ما هي جريمة الحرب؟ ومن هو مجرم الحرب؟

يوجد ثلاثة أنواع من الجرائم:

  • جريمة الحرب.
  • وجريمة الإبادة الجماعية.
  • وجرائم ضد الإنسانية.

هذه الأنواع الثلاثة محرمة دوليا وتم تعريف كل منها بالتفصيل في أعقاب الحرب العالمية الثانية وما صاحبها من محاكمات نورنمبيرغ التي تشكلت أساسا لمحاكمة بعض القادة الألمان الذين ارتبكوا مثل هذه الجرائم ضد الأسرى والمدنيين خلال الحرب. وبعبارة أخرى مختصرة جرائم الحرب هي كل الجرائم التي تهدر آدمية الإنسان.

وفيما يتعلق بالحرب فإن أهم بنود قانونها هي احترام الأسرى وحسن معاملتهم، فهو قانون يهتم أكثر بالمتحاربين، لكن ما هو أهم وأخطر وما ينبغي الحديث عنه هنا هو النوع الثاني والثالث من الجرائم أي الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية التي تخص المدنيين.


ما هي حقوق المدنيين في القوانين المتعلقة بالأنواع الثلاثة للجرائم التي ذكرتها؟

قانون جرائم الحرب وقانون الجرائم ضد الإنسانية يشددان على أن الحرب لا تمس المدنيين، بمعنى لا يكون لها آثار جانبية. أي أنه إذا أرادت القوات المعتدية أن تهاجم موقعا حربيا ما يجب ألا تطال هذه الهجمات المدنيين. ولذلك تلاحظ أن الأميركيين والبريطانيين يخشون هذه النصوص فيقولون من الآن إن القوات العراقية تخلع الملابس العسكرية وترتدي الملابس المدنية، وهذه الجزئية سنعود إليها مرة أخرى في سياق هذا الحوار لأن فيها نقطة مهمة غائبة عن إدراك الكثيرين.



ضرب السوق الشعبية في العراق مساء أمس يعتبر جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية، لأن هذا الفعل مس المدنيين ولا يدخل ضمن مقتضيات العمل العسكري

سعادة القاضي كيف تكيف وأنت القاضي في المحكمة الجنائية الدولية لجرائم الحرب، ما يحدث حاليا في العراق وبخاصة ما وقع مساء الجمعة من قصف لسوق النصر بحي الشعلة في بغداد قتل بسببه حوالي 55 مدنيا وقبلها في أحياء أخرى عديدة ببغداد والبصرة والموصل؟

ضرب السوق الشعبي في بغداد يعتبر جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية، لأن هذا الفعل ليس من مقتضيات العمل العسكري، وهي عملية مست المدنيين.


وماذا لو قال القادة العسكريون الأميركيون والبريطانيون إنهم كانوا يستهدفون مركزا عسكريا أو أمنيا داخل أو بجوار السوق؟

قصف السوق حتى لو كان بداخله أو بجواره عسكريون ومقتل مدنيين من جراء ذلك يعتبر جريمة حرب أيضا. وهذا عذر لا يكفي ولا يعتبر دفاعا، وهو غير مبرر في القانون الدولي وغير مقبول. وهنا نقطة تغيب عن الكثيرين كما قلت لك، فأي عسكري يتخلى عن سلاحه ويرتدي الملابس المدنية -كما يقول الأميركان- فإنه يصبح في عرف القانون الدولي وقانون الحرب مدنيا له كل حقوق المدني.



بالنسبة للأسلحة ذات القوة التدميرية الهائلة، هل للقانون الدولي نظرة معينة لها؟ أم أنه لا يهتم بها لكونها لا تصنف -حتى الآن- ضمن أسلحة الدمار الشامل؟

معيار أي سلاح عندنا نحن القانونيين هو ألا يصيب مدنيين، فيجب أن لا تصيب هذه الأسلحة إلا الأماكن العسكرية.



هل استهداف الأماكن العسكرية نفسها بأسلحة الدمار الشامل يدخل ضمن جرائم الحرب؟

نعم هي جرائم حرب ويحاكم من يستخدمها كمجرم حرب. وأريد أن أقول لك أكثر من ذلك، أي استخدام لأسلحة عادية لو أصاب مدنيين فإنه يصبح جريمة، أما أسلحة الدمار الشامل هذه فأمر مفروغ منه، مثلما حدث في اليابان عندما ضربتها الولايات المتحدة بالقنابل الذرية.

هل يعتبر استهداف البنية الأساسية مثل الطرق والجسور ومحطات المياه والكهرباء، هل يعتبر جريمة حرب؟

نعم بكل تأكيد هي جريمة حرب لأنها تمس المدنيين وتؤثر على حياتهم، كما أنها ليست هدفا عسكريا، وهنا نصل إلى مسألة أشد وأخطر وهي أنه إذا استهدف المدنيون أو حاولت القوات المعتدية جعل حياتهم واستمرار هذه الحياة أمرا مستحيلا كأن تؤثر على إمداداتهم من الماء والغذاء مما يجعل حياتهم شاقة ويتعرضون بذلك للموت البطيء، نكون قد دخلنا في مجال "الإبادة الجماعية"، لأنك هنا تحاول أن تدمر حياة فئة بعينها وهو ما يشمله تعريف جريمة الإبادة بأنها "محاولة القضاء على فئة من السكان ينتمون إلى فئة أو جنس معين".


كيف نطبق هذه المعايير التي تفضلت بذكرها على البصرة -على سبيل المثال- والتي أعلنت القوات الأميركية والبريطانية أنها هدف عسكري ومن ثم تقوم بمحاصرتها؟

إذا كانت الطرق أو الأساليب التي تتبعها القوات الأميركية والبريطانية حاليا تؤدي إلى القضاء على سكان البصرة على المدى الطويل أو تجعل حياتهم حاليا أكثر مشقة وتؤدي إلى موت بطيء، فإننا نكيفها على أنها جريمة إبادة جماعية.

وهل يتم هذا التكييف الآن أم بعدما يبدأ السكان في الموت جوعا وعطشا؟


العبرة هنا بالنية، فإذا تحققت النية بأن الأميركان والبريطانيين يريدون القضاء على هؤلاء السكان عن طريق القتل البطيء كما تفعل إسرائيل مع سكان الضفة الغربية، فهو بلا شك جريمة إبادة جماعية. فمثلا لو ذهبوا إلى مدينة تكريت مسقط رأس الرئيس العراقي صدام حسين لمحاولة القضاء عليها لأن سكانها من عشيرة صدام، فهذا يعتبر جريمة إبادة تستهدف فئة من السكان على أساس إثني أو عرقي أو عشائري.

وهل يعتبر الحصار المتوقع على بغداد جريمة حرب؟


كي أسهل عليك: أي شيء يمس المدنيين مثل التعذيب، وجعل الحياة أكثر مشقة، وإصابة الأسواق، وإحداث أي ضرر بالمدنيين، وقصف الأحياء السكنية أو القصف بجوارها..إلخ، كل هذا يعتبر من جرائم الحرب.

إذن ما هو التعريف القانوني لمجرم الحرب؟


لا أستطيع أن أقول لك تعريفا لمجرم الحرب، ولكني قلت لك تعريف جرائم الحرب لأن فيها جرائم ضد الإنسانية ونسميها فقط جرائم حرب من باب التجاوز. لكن يمكنني كي أقرب لك الصورة أن أعرف لك مجرم الحرب بأنه كل من ارتكب جريمة تخالف قوانين الحرب، في معاملة الأسرى أو معاملة المحاربين أو عدم إسعافهم أو منع وصول الإسعاف إليهم أو سوء معاملة الأسرى أو قتلهم أو تعذيب المدنيين أو إصابتهم.


قلت الآن "منع وصول الإسعاف إليهم"، وسؤالي هنا ماذا لو قامت إحدى الدول العربية أو إحدى مؤسسات المجتمع المدني بتسيير قافلة طبية تتوجه لإحدى المستشفيات العراقية ومنعتها القوات الأميركية والبريطانية، هل يعتبر هذا مخالفة لقوانين الحرب؟

نعم هذا يخالف قانون الحرب، وعندنا أمثلة كثيرة منها على سبيل المثال ما قامت به إسرائيل حينما ارتكبت جرائم حرب ضد سكان مخيم جنين ثم منعت الصليب الأحمر من الذهاب إلى هناك، فالأمر في العراق سيكون مشابها.


بصفتك قاضيا في المحكمة الجنائية الدولية، ما هي الأدلة التي يطمئن إليها ضميرك القضائي والتي يمكن أن تجمع من الآن لحين عقد مثل هذه المحاكمات؟ أو بعبارة أدق كيف نوثق الأدلة من الآن؟

هذا سؤال مهم جدا ويجيء في وقته تماما لأن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، فلا تزال هناك حتى يومنا هذا محاسبة في فرنسا لمجرمي حرب ثبتت عليهم التهم منذ أيام الحرب العالمية الثانية. وبالنسبة لسؤالك فإن الإعلام اليوم أصبح عاملا مهما جدا في هذا الأمر، فنحن وأثناء مقاضاتنا مجرمي الحرب في يوغسلافيا كنا نعتمد اعتمادا كبيرا على التلفزيون.

هل تعتبر الصورة التلفزيونية وثيقة قانونية؟

نعم هي وثيقة مهمة جدا لأنه يمكن أن تكون مقنعة جدا، وقد كان يأتينا تصوير مثلا من الجو لمقابر جماعية في يوغسلافيا فكنا نعتبرها وثائق قانونية. وكنا نتخذ احتياطاتنا من الخداع، فمثلا كنا في محاكمة مجرمي حرب يوغسلافيا يؤتى إلينا بشريط فيه شخص يُعدَم، فيتبين لنا بعد الفحص أن الذي يقوم بعملية الإعدام ليس المتهم في جريمة الحرب ولكن الخصم الآخر، فيجب التحري هنا، وبالأخص التحري عن مصدر الشريط، وشهادة الشهود، ولابد أن تكون الأدلة فوق مستوى الشبهات، وهذا سهل جدا اليوم مع وسائل الإعلام.

هل التصوير الذي تقصده هنا أثناء وقوع الجريمة أم بعده؟


أقصد الاثنين معا إن أمكن، فمثلا بالنسبة للصور التي رأيناها على شاشة الجزيرة مساء أمس( الجمعة) واليوم ( السبت) لآثار قصف سوق النصر بحي الشعلة ومشاهد القتلى والجرحى المدنين وبيوتهم المهدمة، فهذه جريمة.

لكن القوات الأميركية والبريطانية تنكر هذا الفعل وتقول إنه ربما يكون قد وقع بصاروخ عراقي؟

إذا قالت أميركا وبريطانيا ذلك فعليهما -وليس على العراق- أن يأتيا بالدليل، فما هو دليلهما على أن العراق قام بهذا العمل؟ القاعدة القانونية تقول إن البينة على من ادعى، والعراق قد عرض أدلته على أن ما وقع على أرضه هو جريمة حرب بعرضه صور آثار الدمار والقصف الذي لحق بالسوق وبالأحياء السكنية، ونقلت وسائل الإعلام الصور المؤثرة لهذا الدمار، فكل هذا بلا شك جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية توجب محاكمة المسؤولين عنها.
____________
* قسم البحوث والدراسات، الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة

المزيد من أزمات
الأكثر قراءة