الأعظمية تعض على جراحها وقلقها من القادم


* محمد داود – بغداد

ما تزال آثار القصف الأميركي بادية على جامع الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان في حي الأعظمية ببغداد، وعلى الجدار المواجه للشارع الرئيسي خط أحدهم بخط أنيق "صبرا صبرا يا بغداد جيش الغزو سوف يباد".

بعد الصلاة تجمهر المصلون قرب لوحة إعلانات تحمل ورقة صغيرة تدعو لحضور تجمع جماهيري قرب سجن أبو غريب احتجاجا على استمرار احتجاز آلاف المعتقلين العراقيين دون محاكمة.

وعلى نفس اللوحة علقت ورقة تحتج على تسمية السنة العراقيين بـ "الوهابيين".

كثير من المصلين توجهوا إلى مقبرة الشهداء الواقعة خلف المسجد للترحم على الذين قضوا في "موقعة الأعظمية" يوم العاشر من أبريل/ نيسان الماضي أي بعد يوم تقريبا من سقوط بغداد.


جلست سيدة عجوز ترتدي زيا أسود تقرأ القرآن قرب قبر لشهيد مجهول الهوية اكتفى دافنوه بالإشارة إلى أنه عربي، قالت "إحنا (نحن) أهله… إذا أهله مو (غير) موجودين إحنا أهله" ومسحت على القبر بحنان من تمسح على رأس طفلها.

نجلها توفي بسبب المرض في رمضان الفائت غير أنها تركت قبره وجاءت إلى مقبرة شهداء الموقعة لتقرأ القرآن على روح مجهول هوية استشهد دفاعا عن حرية العراق، بدا عليها التأثر وهي تتحدث عن غربة الشهيد ودفنه غريبا في أرض العراق. وتساءلت باستنكار "هذا شهيد، يصير نعوفه (نتركه)؟ عيب يمّا (يا أمي) ما يصير".

المصلون تنقلوا بين القبور يقرؤون الفاتحة على أرواح من دفنوا وخاصة أولئك الذين قضوا دون أن يعرفهم أحد.

يقدر إمام المسجد عدد ضحايا موقعة الأعظمية بنحو 35 شهيدا كثير منهم قدموا من سوريا ومصر وفلسطين، ويقول الأهالي إن مجموعات المتطوعين ظلت تقاتل في المدينة حتى بعد انهيار الجيش الرسمي وسقوط النظام السابق.


المسلحان الجالسان قرب البوابة الرئيسية للجامع يعكسان قلقا خفيا يمتزج بالمرارة والحزن على من رحلوا جراء الغارات الأميركية.

خطيب الجمعة تحدث قليلا عن الدين وكثيرا عن الوضع القائم، منتقدا خططا أميركية لإنشاء مليشيات كردية وشيعية تنتشر في المناطق التي تشهد هجمات مسلحة ضد القوات الأميركية وغالبيتها ذات كثافة سنية.

قرب بوابة المسجد وقف رجل شاهد علامة الجزيرة ليحتج على التغطية التي يعتقد أنها منحازة للطوائف الأخرى، أضاف بانفعال "يحاولون ذب (إلقاء) صدام (حسين) والبعث علينا ويصورون (بقية الطوائف) أنفسهم ضحايا ومساكين".

ويقول الرجل العابر إن البعثيين أعدموا كثيرين من أهالي الأعظمية المعروفين بميولهم الإسلامية.

القلق البادي في عبارات العابر هي المعلم الأبرز في حديث أهالي الأعظمية، قال لنا بعضهم إن 30 مسجدا للسنة صودرت منذ سقوط النظام السابق، وإنهم تجنبوا الرد على من استولوا عليها خوفا من تفجر الأوضاع مع الطائفة الشيعية.


يقول أهالي الأعظمية إن الأميركيين يسمون منطقتهم بفلوجة بغداد أو منطقة القاعدة، لأنها مركز المقاومة الأهم في بغداد.

القلق من التوتر الطائفي يكاد يطغى على كل ما سواه.

اقترح بيان لهيئة علماء المسلمين إعادة تشكيل الجيش العراقي وتسليمه مهام الأمن بدلا من نقل تلك الصلاحيات إلى مليشيات جرى تشكيلها على أسس طائفية أو مذهبية.

وقال بيان العلماء السنة إن فكرة تلك المليشيات تعني "لبننة" العراق، وتفجير الأوضاع المتوترة أصلا في بلد يشهد حالة متقدمة من عدم الاستقرار.

خارج المسجد وقف نحو 6 من الفقراء يستجدون المصلين، وعلى مقربة من البوابة وضعت لافتة رسمية خط عليها "نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين". وفي المقبرة انتقلت المسنة إلى قبر آخر لتتلو عليه آيات من سورة ياسين لتهدئة روح الراقد بسلام هناك بينما يمور العراق بالتغيرات والقلق من المستقبل.

——————
* موفد الجزيرة نت، مدير تحرير الموقع

المصدر : الجزيرة

المزيد من أزمات
الأكثر قراءة