في الطريق إلى بغداد

* محمد داود – بغداد

لم تكن الطريق موحشة تماما بين عمان وبغداد إلا أن آثار الحرب بدت ظاهرة أحيانا دون الحاجة للتمحيص.

فأسلاك الكهرباء المحطمة والسياج الحديدي المعطوب في بعض أجزائه وبقايا السيارات التي تعرضت للقصف أثناء الحرب ومقطع من الطريق الدولي تعرض للتخريب جراء القصف -حيث تعمل شركة عراقية على إصلاحه ببطء يتناسب مع إمكانيات بلد خرج من حرب إلى حرب فحصار فحرب جديدة فاحتلال- أشياء تحكي قصة غياب السلطة عن بلد لم يشهد غيابا شبه تام للسلطة المركزية منذ قرون بعيدة.

تسافر يوميا نحو 60 سيارة أجرة على الطريق بين عمان وبغداد تنقل تجارا وصحفيين وعراقيين مقيمين بالخارج يأتون للزيارة غالبا قبل العودة إلى عمان من جديد.

التدقيق على المعبر العراقي لم يكن أكثر من أداء واجب وابتسامات عريضة وعبارات ترحيب محلية… الموظفون العراقيون يديرون المعبر لكن سلطة المحتل ليست بعيدة، إذ يتحصن جنود أميركيون في قاعة سابقة للتشريفات وهم يتجولون أحيانا في المركز لكنهم لا يظهرون دائما لعيون الفضوليين والمسافرين ربما لدواع أمنية أو لاعتبارات تتعلق بمظهر للسيادة المنقوصة بشدة.

المسافة بين الرمادي والفلوجة تثير قلق السائقين والمسافرين… ففي تلك المسافة الممتدة نحو خمسين كلم ينتشر قطاع الطرق المعروفين بـ "السلابة". طرق السلب لا تحتاج أكثر من بندقية آلية أو نصف آلية وسيارة حديثة سريعة وخلو الشارع من المارة.

يقول سائق إنهم يستخدمون غالبا سيارات من طراز بي إم دبليو الشهيرة تسير بمحاذاة السيارة المنفردة على الطريق الموحش ويصوبون البندقية إلى السائق طالبين التوقف، ولا مجال للمغامرة للتأكد من جديتهم.

بعض من تعرضوا للسلب يقولون إنهم تلقوا معاملة حسنة من "سالبيهم" ولم يطالب قطاع الطرق إلا بما خف وزنه وغلا ثمنه، لكنهم أحيانا يستولون على ملابس المسافرين.

حين يعبر السائق تلك المسافة يتنفس الصعداء ويخف توتره ويبدو الرضا بإنجازه ظاهرا على ملامحه الجادة ونبرات صوته.

في ذلك الجزء مما بات يعرف بالمثلث السني بدا الحضور الأميركي واضحا، فإلى جانب دورية مدرعة وقافلة لصهاريج المشتقات البترولية القادمة من الأردن بحراسة أربع عربات همفي عسكرية أميركية، كانت دورية أميركية تسير بسرعة في الرمادي حيث قتل جندي أميركي في هجوم جديد. وفي الجهة المقابلة سارت دوريات أخرى بحذر وتوتر ترقب الشوارع شبه الخالية.

أما بغداد فبدت عصر يوم أمس الجمعة شبه خالية في مدخلها من جهة الفلوجة… بدت الأمور عادية لكن لا صور للرئيس المخلوع صدام حسين، إذ جرى تحطيم تماثيله وانتزعت جدارياته التي كانت معلما بارزا من عراق ما قبل الحرب الأميركية، واختفت الشعارات القومية… لا أمة عربية واحدة ولا رسالة خالدة…، انتزعت تلك العبارات وجرت مطاردتها بعناية.

الشعارات على الجدران تحكي قصة استبدال لم يكتمل للسلطة، هناك عبارات تنادي بعراق إسلامي خطها أنصار للتيارات الشيعية المتدينة، وعبارات أخرى تنادي بعودة الملكية باعتبارها الضمانة لبناء المستقبل، وعبارات بخطوط أصغر عن حزب التحرير والحزب الإسلامي، ولا ننسى عبارات التأييد للمؤتمر الوطني بزعامة أحمد جلبي.

مظاهر الهدوء اختفت فجأة عند الاقتراب من مواقع السلطة… مبنى المجلس الوطني (البرلمان السابق) محترق بالكامل، ووزارة الخارجية يجري إعادة ترميمها وسط سياج حصين آمن، الكتل الإسمنتية الضخمة والحراسات والأسلاك الشائكة تحيط بكل مبنى يتحصن فيه الأميركيون في القصور السابقة، وفنادق مثل الرشيد وبغداد والتي تعرضت لهجمات بحجة أن بها عناصر من وكالة الاستخبارات الأميركية (CIA).

بغداد ليست خطرة كما يعتقد لكنها أيضا غير آمنة فتحت الهدوء يقبع قلق يظهر في عبارات الترحيب المصاحبة لعبارات التحذير: لا تحمل نقودا أو وثائق سفر، لا تتأخر في العودة أبلغنا بكل تحركاتك، لا تقلق لكن ينبغي عليك أن تأخذ حذرك.

لم يعد العراقيون يتحمسون لوسائل الإعلام التي طالما نقلت معاناتهم إلى العالم، فبعضها متهم بالتحريض على العنف أو بدعم النظام السابق والتعاطف معه، يشعر العراقيون ربما أن الصور التي تنقلها تلك الوسائل لا تسهم في التخفيف من معاناتهم في بلد ثري بات يحيا تحت مستويات الفقر ويفتقد للخدمات الأساسية.

الحواجز تنتشر في الطرق الحساسة وتكثر في الليل، يطل شرطي بملابس مدنية في وجوه الركاب فإن لم يجد ما يثير الريبة يبتسم ويشير لك بالمضي مع عبارة ترحيب.

الترحيب في بغداد أكثر من المتوقع لكن القلق والغضب والترقب هم أسياد الموقف وإن اختفت خلف أقنعة أدب جم.
ــــــــــــــــ
* الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة

المزيد من أزمات
الأكثر قراءة