ابتزاز الناخب على ورقة الأمن في أميركا وإسرائيل

قال مراقبون إن من يتأمل "الفكر الانتخابي" للمواطن في الولايات المتحدة وإسرائيل يجد أن ثمة ما يشبه الانقلاب أو التحول قد طرأ عليه مؤخرا، وأن تبدلا قد أصاب أولويات الناخب واهتماماته التقليدية. ما سبب هذا التحول؟ ومن يقف وراءه؟

الناخب الأميركي -تقليديا- لا يعنيه من برامج المنافسات الانتخابية بين الأحزاب إلا القضايا الداخلية التي تؤثر في حياته بصورة مباشرة، من قبيل البطالة والصحة والتعليم، وفي مستوى رفاهيته التي تجسد علاقته بالدولة وتمثل أحدى طرفي المعادلة القائمة بين المواطن (taxpayer) والحكومة (service provider).

الوضع بالنسبة للناخب في إسرئيل لا يختلف عن هذا التقليد الأميركي الراسخ، إلا من حيث أن خياره الانتخابي يقوم على ثنائية متلازمة: الأمن والاقتصاد. فطيلة الخمسين سنة الماضية كان التوازن بين شقي هذه الثنائية سنَّة الناخب في اختيار من يحقق له أولوياته ويجسد اهتماماته ويحفظ مصالحة، ولم يكن ليغلّب جانبا منها على الآخر.

من ينظر إلى مشهد الحياة الاقتصادية والمعيشية في الولايات المتحدة وإسرائيل يجد وجه شبه كبير بينهما إذ تعصف باقتصاد كل منهما مشكلات عميقة وواسعة ويحيا الناس فيهما أوضاعا معيشية متافقمة، وإن كانت لأسباب مختلفة ومتفاوتة إلى حد كبير. كما يجد شبها كبيرا في موقف الناخب في كل منهما من هذه المشكلات في المناسبات الانتخابية.

فالحزب الجمهوري الحاكم فاز بانتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي وأصبح يسيطر على مجلسي النواب والشيوخ في سابقة هي الأولى في تاريخ الولايات المتحدة، وحاز ثقة الناخبين رغم الخلل الكبير في واحدة من أهم "قيم المنظومة الانتخابية" بالنسبة له وهي الأمن الوظيفي، بسبب ارتفاع معدل البطالة إلى ما يقرب من 6.5%.

مشكلة البطالة هذه ليست إلا جانبا من جوانب أزمة الاقتصاد الأميركي الذي هزته سلسلة من فضائح الشركات قوضت الثقة فيه فتراجعت التدفقات الاستثمارية الأجنبية إلى البلاد ومنيت أوساق الأسهم بخسائر ضخمة وهوى الدولار أمام العملات الرئيسية الأخرى خاصة اليورو.

صحيح أن الرئيس جورج ورث الاقتصاد عن سلفه بيل كلنتون وقد بدأ رحلة الانحدار، لكنه ورثه بعد أطول فترة نمو في تاريخ البلاد على الإطلاق استمرت عشر سنوات متواصلة، كما أنه ورثه وهو ما يزال على الدرجات العلوية من سلم الانحدار.

وحتى الإصلاحات الضريبية التي أعلنها بوش ونفذ جزاء منها، فهي لا تكاد تصيب الناخب العادي بنفع يذكر، وفقا لآراء الخبراء الذي يقولون إن المستفيد الوحيد والأكبر منها هم الأغنياء. ولذلك فكثيرا ما كانوا يصفون خطط الخفض الضريبي بأنها ستزيد الأغنياء غنى والفقراء فقرا (The rich will get richer, and the poor poorer). ما الذي أعمى الناخب عن هذه المشكلات وأصم أذنيه عن سماع هذه الطعون؟

وفي إسرائيل يستعد حزب الليكود الحاكم لتحقيق أنتصار عريض رغم الأوضاع الصعبة التي يعيشها الناخبون في ظل استفحال البطالة والفقر بين السكان إذ بلغت الأولى 10.6% والثانية 20%. الاقتصاد الذي يعيش أعمق أزمة تعرفها إسرائيل في تاريخها، غارق في الركود منذ عام 2001 وهو العام الذي تسلم فيه رئيس الوزراء أرييل شارون مقاليد السلطة الحكم. وإذا ما قلّبت سياسته الاقتصادية خلال سنتي حكمه الاثنتن فلن تجد فيها نقطة مضئية واحدة. هذه الأرقام -في نظر الخبراء- مستويات قياسية ليس فقط في البلدان المتقدمة (التي تصنف إسرائيل واحدة منها) بل وحتى في البلدان الأقل تقدما.

الإسرائيليون في عهد شارون لم يحرموا فقط من برامج الرعاية والرفاه الاجتماعي الذي اعتادوا عليه والذي كان على أساسه تسقط حكومات وتأتي أخرى، بل فقدوا أيضا الأمن بصورة لم يسبق ربما لها مثيل. فقد أظهرت دراسة إسرائيلية حديثة أن عام 2002 شهد مقتل 436 قتيلا مقارنة مع 198 قتيلا في عام 2001.

لماذا لا تؤثر هذه الأشياء في حظوظ المتسابقين على أصوات الناخبين في كلا البلدين؟ ولماذا يغفل الناخبون فيهما هذه القضايا؟

يقول محللون إن القيادات السياسية في الولايات المتحدة وإسرائيل مارست عمليات تضليل مكثفة وموسعة أقنعت الناخبين في سياقها بأن وجودهم على المستوى الفردي والجماعي غدا على المحك وهو معرض لخطر لم يسبق له مثيل.

فالولايات المتحدة استغلت الهجمات على واشنطن ونيويورك في 11 سبتمبر أيلول عام 2001 لقنع الأميركيين بأن عليهم أن يقاسوا شظف العيش حتى تنتهي من ملاحقة الجماعات الإرهابية التي وجودهم كحضارة ونمط حياة. ولذلك كثيرا ما ردد بوش في الشهور الأولى التي أعقبت الهجمات بأن "الإرهابيين يستهدفون حضارتنا ونمط حياتنا".

وفي إسرائيل مورست عملية مشابهة (بالطبع ليس لهذه المقابلة أية صلة بنظرية المؤامرة). الحكومة الحالية استطاعت ربما لأول مرة في تاريخ إسرائيل أن تفصل شقي ثنائية الأمن والاقتصاد عن بعضهما، بعد أن أقنعت الإسرائيلين بأن الانتفاضة تتهدد وجودهم ككيان ودولة. ولذلك وصف شارون حربه على الانتفاضة بأنها حرب الاستقال الثانية.

المصدر : الجزيرة