محلل فلسطيني يؤكد تراجع حتمية الحرب ضد العراق

منير شفيق

في خضم الاستعدادات الأميركية لمزيد من الحشود العسكرية والأمر بإرسال 150 ألف جندي إلى الخليج وتصعيد البيت الأبيض حملته السياسية المناهضة للعراق، يرى البعض أن احتمالات القيام بعمل عسكري غير مؤكدة.

يقول الكاتب والمفكر الفلسطيني منير شفيق إن المتغيرات المحيطة بعملية صنع القرار الأميركي بشن حرب على العراق تؤكد أن احتمالات الحرب لم تعد حتمية وإن كانت ممكنة.

وفي ندوة استضافت الجزيرة نت فيها شفيق تحدث عن رؤيته للوضع الدولي الراهن بعد أحداث سبتمبر/ أيلول 2001، قال الخبير في الشؤون الإستراتيجية إنه توصل إلى نتيجة مهمة من خلال رصده لثلاثة تراجعات أميركية بشأن الأزمة العراقية، وهي أن واشنطن لم تعد الطرف المباشر مقابل العراق، مهما يكن لها من نفوذ عالمي قوي.

ورد التراجع الأول إلى الخلافات على مستوى القيادة السياسية العليا في الولايات المتحدة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي بشأن الفكر الإستراتيجي لإدارة الرئيس جورج بوش، والذي يهدف إلى الهيمنة والسيطرة على مناطق النفوذ في العالم من خلال إستراتيجية "الحرب الوقائية" و"الضربات الاستباقية".

وكان مرتبطا بهذه الإستراتيجية التحضير لشن حرب لتغيير النظام على العراق، حتى لو قامت واشنطن بذلك بمفردها ودون الرجوع إلى مجلس الأمن. ويضيف أن المعارضين رأوا أن الانفراد الأميركي بالقرار والهيمنة على العالم يمس ويهدد أركان النظام الدولي الذي أرسيت دعائمه بعد الحرب العالمية الثانية، ومن هنا بدأ الخط البياني لسياسة بوش في التراجع بشأن حتمية الحرب ضد العراق، وكان الخلاف على الإستراتيجية أكثر من الخلاف على العراق.

وتمثل أول تراجع في اضطرار بوش إلى طرح القرار على الكونغرس الذي آثر أن يعطي تصويته للحرب ضد العراق وليس في الشرق الأوسط -كما طرح بوش-، وضغط على بوش ضد اتخاذ قرار منفرد بالحرب وطالبه باللجوء إلى مجلس الأمن والمحافظة على مشاركة الدول الكبرى الأخرى فيها.

وتبدى التراجع الثاني في المداولات التي جرت في مجلس الأمن الدولي بعد أن لاقت معارضة شديدة من قبل الدول الأعضاء لفكرة الحرب على العراق. وكافحت الدبلوماسية الأميركية طوال 40 يوما لاستصدار قرار يخولها خوض حرب في العراق، وبعد مساومات وافقت واشنطن على مضض على القرار 1441 الذي أقر بعدم شن حرب تلقائية على العراق دون استصدار قرار ثان من مجلس الأمن.

ويوضح أن التراجع الثالث ظهر بعد صدور القرار عندما أصبحت واشنطن غير قادرة على تغيير مسار الأزمة، فهي غير مسيطرة على الكيفية التي يتعامل بها العراق مع المفتشين، ولا على المفتشين وقراراتهم، وازداد الأمر سوءا لواشنطن بعدما تبين لها أن لجان التفتيش غير قادرة على إثبات وجود أسلحة محظورة في العراق، في الوقت الذي ظهر فيه عجزها عن تقديم معلومات لهذه اللجان بشأن الأسلحة غير التقليدية، مما أضعف مصداقية الولايات المتحدة.

لذا يرى منير شفيق أنه لو شنت واشنطن الحرب على العراق قبل التراجع الثاني -الرجوع إلى مجلس الأمن- لكانت هناك ذريعة لذلك وهي امتلاك العراق لأسلحة غير تقليدية.

ويضيف أن هناك عوامل ظهرت حديثا أسهمت في إضعاف الموقف الأميركي تجاه العراق، كالأزمة النووية لكوريا الشمالية التي كشفت الازدواجية الأميركية، وازدياد رفض الرأي العام العالمي للحرب خصوصا في الدول الحليفة لواشنطن كبريطانيا، والأزمة الفنزويلية وما صاحبها من ارتفاع لأسعار النفط العالمية التي أكدت أن تكاليف الحرب ستزيد بتقديرات كبيرة لم تكن في حسبان الإدارة الأميركية، وتصريحات وزير الخارجية الأميركي السابق وارين كريستوفر التي قال فيها إن خطر الإرهاب على أميركا أكبر من خطر العراق وبالتالي هناك خطأ في ترتيب أولويات المخاطر التي يتعرض لها الأمن القومي الأميركي.

ويخلص منير شفيق إلى أن الحرب في المراحل الأولى للأزمة كانت تبدو حتمية، ثم أصبحت احتمالاتها راجحة عندما بدأ تداول الأزمة في مجلس الأمن، أما في المرحلة الراهنة فإن الحرب واللاحرب يتساويان.

وردا على سؤال بخصوص أسباب ازدياد انتشار القواعد العسكرية الأميركية في العالم حاليا يقول شفيق إن الإدارة الأميركية عندما تسلمت السلطة –وحتى أثناء الحملة الانتخابية للرئيس بوش- كانت ترى أن سياسات إدارة الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون اتسمت بالضعف والتردد وعرضت مصالح البلاد للخطر، خصوصا بسبب ما اعتبروه ملاينة لأوروبا وروسيا والصين وحتى الدول العربية، وهذا أدى من وجهة نظرهم إلى مذلة بلادهم وضياع هيبتها من قبل الدول الأخرى.

وفي إطار التساؤل السابق ينقلنا منير شفيق إلى وجهة نظره بشأن أهداف الحرب المحتملة ضد العراق، والتي ربطها بالفكر الإستراتيجي لإدارة بوش، فيقول إن الهدف الحقيقي يخرج عن دائرة التنافس لإعطاء الشركات الأميركية امتيازات أكبر لاستغلال النفط العراقي، بل له علاقة بالتحكم في النفط ليس فقط في العراق بل في الخليج وآسيا الوسطى، وبدلا من توجيهه ضد واشنطن يتم استخدامه سلاحا لتركيع الدول الكبرى كالصين وروسيا، وبالتالي المطلوب تنصيب نظام في العراق يمكن واشنطن من استخدام النفط سلاحا، ويضيف أن الهدف الثاني من الحرب يتمثل في عمل محور خليجي عربي –كحلف بغداد القديم- يعمل على تصفية القضية الفلسطينية عن طريق تنصيب قيادة فلسطينية جديدة تلقى قبولا ودعما وغطاء منه.

وقال إن احتمالات شن الحرب دون الرجوع إلى مجلس الأمن تؤدي إلى انهيار أركان النظام الدولي الراهن الذي يعتمد على مبدأ الأمن الجماعي، وتقود العالم إلى الفوضى الدولية وسيادة منطق القوة، لأن اللاعبين الدوليين وخصوصا الدول الكبرى سيقاومون المخططات الأميركية الهادفة إلى تركيعهم.

المصدر : الجزيرة