مجلس التعاون الخليجي

تعدّ المنظمات الإقليمية والدولية إحدى وسائل العلاقات الدولية والتي بدأت بالظهور منذ منتصف القرن العشرين، وتهدف إلى تقوية العلاقات بين الدول الأعضاء من جهة، وبينها وبين دول العالم الخارجي من جهة أخرى لأهداف سياسية واقتصادية وأمنية،  وإن كان يطغى الجانب السياسي والأمني على وجه الخصوص في توحد وتكتل الدول، مثل قيام الأحلاف والتكتلات التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية.
 ولا بد من القول إنّ المنظمات والتحالفات تقوم لأسباب واقعية وتعكس منظور المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية التي تهتم بمبدأ القوة وتوازن القوة بين الدول، لذا فإن التحالفات العسكرية عادة ما تنتهي بانتهاء المشكلات الأمنية، وما يحصل عادة ومن خلال دراسة تاريخ العلاقات الدولية المعاصرة يشاهد استمرارية مصادر الصراع والتهديد الخارجي، مما يستدعي من قبيل المصلحة الذاتية للدول الاستمرار في التحالف والذي يؤدي بدوره إلى الاهتمام بالجوانب التي تدعم الارتباط الأمني والعسكري، مثل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية الثقافية التي تأتي من أجل تحقيق الأهداف الأمنية.
 وبناء على ذلك، يمكن القول إن طبيعة العلاقات الدولية تعكسها طبيعة واقعية تركز على أهمية القوة، إذ تعدّ عاملاً أساسياً في تفسير كثير من الخلافات والتكتلات الدولية، وتجربة مجلس التعاون الخليجي يمكن فهمها تحت مظلة هذه المسلّمة النظرية.
 وستناقش هذه الورقة خمسة محاور فيما يتعلق بمجلس التعاون الخليجي كالآتي:-
أولاً:-  تجربة مجلس التعاون الخليجي: الإنجازات والتحديات.
ثانياً:-  تجربة مجلس التعاون بعد أحداث أيلول/سبتمبر في  الولايات المتحدة الأمريكية.
ثالثاً:-  دور النفط العربي في العمل الإقليمي العربي وفي إدامته: دور العامل الخارجي.
رابعاً:-  دول الجوار والعمل الإقليمي الخليجي.

خامساً:-  الفروقات الاقتصادية والتنموية بين دول مجلس التعاون والدول العربية، ودورها في التكامل والتباعد والاختلاف.

تجربة مجلس التعاون الخليجي: الإنجازات والتحديات
تعدّ تجربة التعاون بين دول مجلس التعاون من التجارب العربية ذات الديمومة بالمقارنة النسبية مع تجارب الدول العربية السابقة، إذ حافظ المجلس على وجوده منذ تأسيسه في عام 1981 وحتى اليوم، ولا يعتقد أن يتم إغفال أو الاستغناء عن الفكرة القائمة لغياب أي بديل آخر في الوقت الراهن ولاستمرارية ظروف وجود المجلس، مع أن هناك اختلافات تبدو واضحة في سياسات دول مجلس التعاون منها القضايا الدولية والقضايا المتعلقة بدول الجوار والمواقف من القضايا الإقليمية والدولية، وللعودة لفكرة ديمومة المجلس فإن آليات التعاون والخصائص القومية المتشابهة بين دول الخليج، تحتم على أعضائه الاستمرار خاصة في ظل فشل معظم التجارب الوحدوية العربية، والدور غير المقنع لجامعة الدول العربية الذي تبلوّر في الاجتماعات الأخيرة وما تمخّض عنها من قرارات وترى الولايات المتحدة الأمريكية منه وسيلة ضرورية لغرض وجودها في المنطقة.
 ولا يتسع المجال في هذه الورقة لمراجعة إنجازات المجلس في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وإن كان التركيز أوضح على المجال السياسي والذي يلاحظ فيه اخفاقا واضحا سيتم التطرق إليه في الصحفات اللاحقة.

الإنجازات السياسية
 وفيما يتعلق بالإنجازات السياسية لمجلس التعاون الخليجي، يبدو أن المنطقة منذ تأسيس المجلس لم تشهد استقراراً سياسياً، إذ ترافق تأسيس المجلس مع حرب الخليج الأولى التي استمرت حتى نهاية عقد الثمانينيات في القرن العشرين تلاها فترة هدوء لبضع سنوات،  وبدأت في العقد الأخير من القرن العشرين بأزمة هزت منطقة الخليج العربي والعالم العربي بشكل عام، وأدخلت منطقة الخليج العربي في دوامه من الحرب والتدخل الأجنبي مازالت مستمرة منذ بداية التسعينات، ولا يحتمل انتهاء هذه الأزمة في ظل التهديدات الأمريكية لضرب العراق والحديث عن تقسيم العراق لعدد من الدول من أجل تمزيق وحدته، مما سيؤثر على مستقبل الاستقرار السياسي في منطقة الخليج العربي ويخلق تحديات إضافية لدول مجلس التعاون الخليجي، حيث يؤخذ عليها مآخذ  كثيرة فيما يتعلق بالجوانب السياسية منها على وجه التحديد: مستقبل الديمقراطية، ومشكلات الأمن القومي.
 ومن هنا، فإنّ التحدي الأمني الذي قام من أجله مجلس التعاون الخليجي مازال يتصدر الأجندة السياسية في الخليج العربي، وفيما يتعلق بموقف دول مجلس التعاون الخليجي تجاه القضايا العربية والدولية فلم يؤثر وجود هذه الدول في مجلس التعاون على سلوك الدول غير الموجودة في مجلس التعاون،  فإذا نظرنا لأهم القضايا العربية المتعلقة بقضية الصراع العربي الإسرائيلي، فان معظم دول الخليج العربي المشكلة لمجلس التعاون الخليجي تقف إزاء هذه القضية نفس مواقف الدول العربية الأخرى من إقرارها في أهمية القضية الفلسطينية وإيمانها بالسلام الدولي،  لذلك فإن هذه الدول أخذت موقفاً سياسياً متوافقاً مع توجهات الدول العربية التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع الغرب والولايات المتحدة الأمريكية، لذا فلا نستطيع أن نستنتج أن إنجازات هذه الدول سياسياً تختلف بكثير عن بقية الدول العربية الأخرى التي لا تعدّ جزءاً من مجلس التعاون الخليجي.  وفي السياق نفسه فإن إنجازات هذه الدول على الصعيد السياسي يبقى محدوداً ومتشابهاً مع الحالة العربية التي تعاني من الضعف الشديد على المستوى الدولي، فلا يوجد لهذه الدول أي ثقل على المستوى السياسي، حتى الذين يعتبرون النفط وسيلة وأداة سياسية بيد دول مجلس التعاون الخليجي، فالدول المصدرة لهذا النفط تدرك تماما أنها لا تستطيع أن تعيش دون عوائد النفط، والمقصود هنا البقاء والمحافظة على الوضع الراهن في هذه الدول سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، ومن هذا المنطلق فإن دور النفط في سياسة مجلس التعاون لا يشهد توافقاً من هذه الدول ولا يشكل عاملاً سياسياً موحداً يعطي قوى سياسية كعامل اقتصادي تعتبره كثير من هذه القوى السياسية في الوطن العربي قوة مؤثرة، بل على العكس من ذلك فإن جميع الاخفاقات جاءت كنتيجة للتدخلات الخارجية لوجود النفط في هذه المنطقة، والذي كان عاملا مساعدا في الإخفاق السياسي لهذه الدول.  ويبرز الكثير من المؤشرات التي يمكن دراستها وتحليلها بشكل منتظم بعيداً عن العشوائية أو الانتقائية لاثبات فكرة بعينها.  ففي وقت لاحق حاولت المملكة العربية السعودية التي تعتبر القائد والمهيمن على مجلس التعاون الخليجي إطلاق مبادرة سلام مع إسرائيل من أجل تخفيف الضغط الأمريكي عليها، نتيجة لما أطلق عليه أحداث الإرهاب الذي الصق بالمسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت النتيجة لمبادرة الأمير عبد الله ولي العهد السعودي احتلال الأراضي الفلسطينية في يوم إطلاق المبادرة، بعد اجتماع القمة العربية الذي عقد في بيروت، ورافق ذلك الدعم  اللامحدود من الولايات المتحدة الأمريكية والغرب بشكل غير صريح للسياسة الإسرائيلية، وبناءاً عليه نستطيع أن نسأل سؤالاً كالآتي: لماذا تم ما تم من رد فعل لهذا السلوك السعودي والذي يعبر بشكل أو بآخر عن وجهة نظر دول مجلس التعاون الخليجي؟  يبدو أن الإجابة واضحة بأن هذه الدول لا تملك ثقلاً اقتصادياً ولا سياسياً على دولة مثل الولايات المتحدة الأمريكية، التي تعتمد على نفط الخليج، بحيث تحترم دولة تعتبرها صديقة ويمكن للناقد أن يثير سؤالاً حول هذا المثال بأنه لا يمكن التعميم من خلاله.  ولكن الإجابة على مثل هذا النقد المتوقع أن دولة قطر ومملكة البحرين ومعظم الدول العربية في مجلس التعاون الخليجي لم تقدم لها الدول العظمى في العالم العربي إلا مزيدا من الإحراج الداخلي و الدولي، و الذي اضطر وزير خارجية دولة قطر القول إنّ على العرب التوسل لأمريكا.  وهذا بالفعل لا ينطبق على الدول المشكلة لمجلس التعاون الخليجي بل على معظم الدول العربية الأخرى التي ترتبط بعلاقات وثيقة بالولايات المتحدة الأمريكية.
 ولا داعي لذكر الإنجازات السياسية على المستوى العربي فهي محدودة، ولم يستطع مجلس التعاون الخليجي أن يتميز عن غيره من الدول إلا في مجال واحد وهو مسألة التبرعات المالية والمساعدات الاقتصادية التي تقدمها هذه الدول كنوع من أشكال التأثير السياسي، والتي تراجعت تراجعا كبيرا بعد حرب الخليج الثانية "وحرد" هذه الدول على الدول العربية الفقيرة التي أخذت موقفاً محايداً أو متعاطفاً مع العراق نتيجة لظروف داخلية وإقليمية أقوى منها.  وفي الختام لماذا لا تحل النزاعات العربية الحدودية بين دول مجلس التعاون الخليجي داخل المجلس، ويتم اللجوء للمساعدات الدولية والمحاكم الدولية أو للطبيب الأجنبي لمعالجة أمراضهم السياسية الداخلية؟ إن الإجابة على هذا التساؤل في ظل الإنجازات السياسية هو مؤشر فشل وإخفاق واضح لمجلس التعاون الخليجي، والسؤال على ماذا تم التعاون؟ على رخصة القيادة التي يسمح بها بالقيادة في كل دول مجلس التعاون من قبل مواطنيها.  هل هذا هو الإنجاز الذي تحقق بعد أكثر من عشرين سنة على التأسيس.
 أما في المجال الاقتصادي، فإن الانقسام واضح بين قلة الباحثين التي تتناول تجربة مجلس التعاون الخليجي  حيث تشير بعض القراءات المحدودة في هذا المجال إلى ضعف الإنجازات الاقتصادية، فيما تشير دراسات أخرى إلى الإنجازات العظيمة التي تمت في النواحي الاقتصادية، وبالاطلاع على المنجزات الاقتصادية يبرز بوضوح التسهيلات التي تمت بين هذه الدول من حيث الضرائب والجمارك وحرية الحركة إلى غير ذلك من تسهيل حرية المرور والسلع بين الدول المشكلة للمجلس، بالإضافة لقيام المشاريع الاقتصادية المشتركة بين هذه الدول لا داعي لشرحها بالتفصيل إلا أن عدداً من النقاط تبرز من خلال مراجعتنا للإنجازات الاقتصادية في مجلس التعاون الخليجي تضم ما يلي:-
أولا:- إن تشابه اقتصاديات هذه الدول يجعل الفائدة من المشاريع المشتركة دون جدوى اقتصادية من حيث حسابات الكلفة والمنفعة، أي معظم اقتصاديات هذه الدول تعتمد بشكل كبير على عوائد، النفط ومعظم المشاريع المشتركة تركز على الجوانب الاستهلاكية، لذا فإن العوائد التنافسية غير واردة.
ثانياً:- إن تبعية دول المجلس اقتصادياً للعالم الخارجي لا تجعل من كل هذه الاتفاقيات البينية بين الدول المشكلة لمجلس التعاون ذات أية قيمة اقتصاديةَ ذات مغزى ومدلول ذي فائدةَ؛ لأن هذه الدول تستورد معظم ما تحتاجه من العالم الخارجي وليس لديها أي منتجات تعتمد فيها على بعضها البعض.
ثالثاً :- إن كثيراً من الاتفاقيات الدولية في الشأن الاقتصادي توفر بدائل لكثير من هذه الدول، تمنح شروطاً وتسهيلات أفضل مما هو موجود حالياً، خاصة في ظل اتفاقية التجارة الدولية(WTO)  وبناء عليه فإن ذلك يجعل من الإنجازات الاقتصادية تحدياً هاماً بالمقاييس الدولية.
رابعاً : إن عدم تنويع مصادر الدخل في معظم هذه الدول واعتماد جلّ ميزانيتها على الموارد النفطية يعزر الأنا والذاتية في التعامل الدولي، وهذا سيكون له آثار سلبية على التعاون بين الدول المشكلة للمجلس في إطار التنافس على أسواق النفط؛ خاصة في ظل تدني الأسعار مما سيخلق تحديات إضافية لهذه الدول خاصة في ظل ظهور قوى نفطية في سوق النفط العالمي وأكثر تحديداً في بحر قزوين.
 ورغم ما تقدم فإن معظم الإنجازات الاقتصادية المتعلقة بمجلس التعاون تبقى في إطار النواحي الشكلية والتسهيلية أكثر من المشاريع المنتجة والمنافسة على المستوى الدولي.  وبناء عليه فإن ذلك سيضاف إلى قائمة التحديات التي تواجه هذه الدول خاصة إذا أخذت بعين الاعتبار الضائقة الاقتصادية التي تعاني منها كثير من دول مجلس التعاون الخليجي، ويظهر ذلك جلياً في محاولات هذه الدول لتوطين الوظائف؛ نظراً لزيادة نسبة البطالة فيها، وتخفيض الإنفاق الحكومي والاستغناء عن العمالة العربية والغربية؛ والاعتماد على العمالة الآسيوية رخيصة الأجر.
 وفي النهاية لا يمكن القول بأي حال من الأحوال إنّ هذا التعاون ودوله تشكل مركزاً اقتصادياً ذا تأثير إقليمي أو دولي إذا ما قورن بالتجارب العالمية الأخرى في ظل الحديث النظري عن الاتحاد الجمركي والعملة الموجودة التي لن ترى النور في ظل سياسة التأجيل الخليجية.

مستقبل مجلس التعاون بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر
 لا بد من القول إن الأحداث التي حصلت في الولايات المتحدة الأمريكية في الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر عام 2001 لها آثار على العالم بشكل كبير، وتشكل تحديات ليس فقط لدول مجلس التعاون الخليجي فحسب بل لكل دول العالم بشكل عام.  فقد قسم الرئيس الأمريكي العالم حيال هذه القضية إلى قسمين مع الولايات الأمريكية في حربها ضد الإرهاب أو ضدها أو لتعاطفها أو عدم وقوفها مع الولايات المتحدة الأمريكية أي مع الإرهاب.  وفي ضوء الأوضاع السياسية السائدة في دول الخليج العربي خاصة غياب الديمقراطية واعتماد النمط التقليدي في المشاركة السياسية؛ أي نظام المطالب من الحكام أو صناع القرار في هذه البلدان فإن كثيراً من الجماعات الإسلامية خاصة المعارضة منها قد ذهبت لعملية التنظيم في ظل غياب المؤسسات الحكومية التي يمكن لها أن تستوعب احتياجات هذا الشارع. ومن هنا فإن هذه الجماعات ستشكل خطراً وتحدياً على مستقبل الأنظمة السياسية في العالم العربي خاصة في ظل الشعور السائد في هذه الدول المعادي للغرب وللولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص التي تطالب هذه الدول بتعديل برامج وأنظمة التدريس وإلغاء أنظمة التعليم الديني أو التخفيف منه، والانفتاح الثقافي الذي لم تستعد له هذه الدول.  وبناء على ذلك فإن مؤشرات الصدام واضحة في هذه الدول؛ لذا  فإن كثيراً من المؤشرات تسير بهذا الاتجاه خاصة المظاهرات الحاشدة التي ظهرت في كثير من دول مجلس التعاون الخليجي، مثل التفاعل مع أحداث جنين في شهري آذار ونيسان من الانتفاضة الفلسطينية ضد الولايات المتحدة الأمريكية والوجود الأمريكي في المنطقة، وأيضاً فإن التفجيرات التي حصلت في العقد الأخير من القرن العشرين في المملكة العربية السعودية دليل واضح على تنامي الوعي لدى شعوب هذه الدول، وعدم الرغبة في الوجود الأمريكي.  بالإضافة إلى ذلك فإن الاتهام الواضح لكثير من الدول العربية الخليجية في دعم الإرهاب والتعليم الإسلامي في الباكستان وأفغانستان …… الخ، من الدول الإسلامية يثير الشبهات الأمريكية حول هذه الأنظمة ومدى ولائها للولايات المتحدة الأمريكية.  وإضافة إلى ما تقدم فإن وجود عمالة إسلامية من الدول الإسلامية المتهمة بالإرهاب يعتبر عامل ضغط خارجي دولي على الاستقرار في هذه الدول المتنافسة فيما بينها حول الرضا الأمريكي.
وبناء على ما تقدم من عوامل متشابكة ومرتبطة بشكل دقيق مع بعضها البعض؛ فإن أحداث أيلول في الولايات المتحدة الأمريكية  ستستخدم كعامل معزز للدور الأمريكي في منطقة الخليج العربي، للإبقاء على الدور الأمني للولايات المتحدة الأمريكية وإضعاف أية مبادرة خليجية – عربية يمكن أن تقف في وجه أي دور لأمريكا أو لأصدقائها في هذه المنطقة الغنية بالنفط اللازم لبقاء الدول العربية على قيد الحياة سياسياً واقتصادياً وليس لأمريكا فقط كما هو سائد في أذهان الشارع العربي الذي يعتقد أنه يملك أكبر سلاح.

دور النفط العربي في العمل الإقليمي العربي وفي إدامته: دور العامل الخارجي
   لقد تم استبدال محور دور العامل الخارجي في العمل الإقليمي العربي وإدامته بمحور دور النفط في العمل الاقليمي العربي؛ لأن النفط لا يعتبر بنظري عاملاً خارجياً بل عاملاً داخلياً حيث يعتقد البعض إن ذلك يعكس منظور واقعية التعامل مع قضية النفط، ودور العامل الخارجي في سياسة مجلس التعاون الخليجي.  فلقد أدت حرب الخليج الثانية دوراً كبيراً في تقوية العامل الخارجي خاصة دور الولايات المتحدة الأمريكية في الشؤون الداخلية والإقليمية لمنطقة الخليج العربي، وبالتحديد لدول مجلس التعاون الخليجي مما نجم عنه إضافة لعوامل أخرى زيادة التفكك العربي الذي أسهم بدوره بتبرير الوجود الأجنبي والعامل الأمريكي في سياسات دول مجلس التعاون الداخلية والبينية والخارجية تجاه العالم العربي والعالم الآخر بشكل عام.
 فقد أدّى الوجود الأمريكي في منطقة الخليج العربي دوراً هاماً في إقصاء دول مجلس التعاون الخليجي عن أي دور على الساحة الإقليمية في منطقة الخليج العربي، حيث وضعت هذه الدول في زاوية ومركز مضاد للدول المعادية للولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الخليج العربي، وخاصة العراق وإيران وبالتالي فقد انصب جلّ اهتماماتها الخارجية (دول مجلس التعاون الخليجي) على التخفيف من الخطر الإيراني والعراقي حسب تعبير الولايات المتحدة الأمريكية والذي تبنته دول مجلس التعاون الخليجي.  وهذا إلى حد كبير عزز من استمرارية مجلس التعاون الخليجي واستمراريته على القاعدة الأمنية التي تأسس من أجلها، لكن ضمن التوجهات الأمريكية.  وبالتالي فإن دور مجلس التعاون الخليجي يسُتذكر كثيراً بفكرة الاتحاد العربي المغاربي والذي تأسس عام 1989 وتتفق سيساته مع توجيهات السياسة الأمريكية.
 إن مجلس التعاون الخليجي لم يكن في يوم من الأيام يعبر عن حالة من أنماط التعاون الدولية للانخراط فيها، ومحاولة التأثير بل على العكس فإنه يمثل نمط تعاون انعزالي.  وهذا نتج من عامل التنافس الخارجي في منطقة الخليج العربي، والذي أضعف بدوره قيام أي تعاون إقليمي فعّال في منطقة الخليج العربي.  ويتم تضخيم الأخطار بشكل كبير وفعّال من قبل القوى الخارجية للإبقاء على دول مجلس التعاون الخليجي في حالة من القلق المستمر على أوضاعها ومستقبلها السياسي، وعدم التفكير بأية خطوة تعاونية ذات مغزى وهدف يمثل ما يحصل في كل جهات العالم الآخر، ما عدا دول العالم الثالث أو العالم الآخر.

دور دول الجوار في العمل الإقليمي في مجلس التعاون
يؤدي العامل الإيراني دوراً كبيراً في العمل الإقليمي لدى دول مجلس التعاون الخليجي؛ فإيران لها تاريخ غير موثوق به في العلاقات مع دول الخليج منذ احتلال البحرين قبل استقلالها؛ و احتلال جزر دولة الإمارات العربية المتحدة، ومحاولة إثارة الفتن الداخلية في المملكة العربية السعودية و البحرين؛ لذا فإن التخوف العربي من إيران له مبررات تاريخية بالإضافة إلى المبررات الاقتصادية والسياسية من واقع منطقة الخليج العربي.  فإيران كانت في زمن الشاه الدولة المهيمنة على المنطقة من جميع النواحي والتي تتمتع بالرضا والدعم الأمريكي لها؛ لذا فإن قيام الثورة الإيرانية والتخوف العربي في دول مجلس التعاون الخليجي من المد الثوري للثورة الإسلامية، أدى دوراً كبيراً في تأسيس مجلس التعاون، وسيؤدي دوراً كبيراً في استمراريتة خاصة في ظل العلاقات القائمة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار سياسة الاحتواء المزدوج الفاشلة والتي تمت كغطاء لدخول أمريكا منطقة الخليج العربي للسيطرة على مراكز القوى الإقليمية في المنطقة.ويبدو أن الموقف الإيراني من عملية تأسيس مجلس التعاون الخليجي بدأ بالتشكيك منذ التأسيس عام 1981 حيث ترافق إنشاء المجلس مع انشغالها بحربها مع العراق وهي لن تنسى وقفة دول الخليج العربي مع العراق ضدها في تلك الحرب؛ لذا فإن مستقبل التعاون معها أمر غير وارد في ظل الظروف الحالية والحقائق القومية المتعلقة بطبيعة الأنظمة السياسية الحالية.
 أما الفاعل الآخر على مستوى العمل الإقليمي الخليجي فهو العراق، ولا يحتمل أن يؤدي دوراً في التأثير عليه فهو لم يسمح له في الأصل بالدخول في بدايات التأسيس ولا يستطيع أن يؤثر عليه في ظل الموقف الأمريكي وفي ظل المواقف الخليجية الداعمة للأخير، حتى وإن غابت  هذه العوامل فإن دولة قوية أو دولاً مرشحة كدول مهيمنة لن يسمح لها بالدخول في ظل فكرة مجلس التعاون الخليجي؛ لذا فإن العمل الإقليمي في مجلس التعاون لن يندمج أو يقبل بدمج أي عناصر أخرى للأسباب التي ذكرت ومنها أسباب داخلية وأخرى إقليمية تحكمها عوامل خارجية تعتبر جزءاً ملازماً للحياة السياسية في منطقة الخليج العربي، كما تم مناقشة في محور الأثر الخارجي على مجلس التعاون الخليجي.

دور التباين العربي الخليجي في التكامل العربي – العربي
يمكن القول إن القضية المتعلقة بأطر التعاون العربي قامت كرد فعل على الأحداث في الساحة الدولية؛ لذا فإن معظمها يتم بزخم سياسي واقتصادي كبير في بدايات التأسيس ما تلبث أن تنتهي هذه البدايات دون نهايات تذكر لأن التجارب الوحدوية والتعاونية العربية كانت بسبب رد الفعل للعوامل الخارجية وليس من أجل ثمرات التعاون التي ظهرت واضحة في كثير من التجارب في العالم الغربي.
 فمثلاً مؤسسه القمة العربية كانت نتاج ردات الفعل، واجتماعات القمة العربية هي بنفس الشاكلة تعقد نتيجة للأزمات العربية، فانعقاد القمة العربية منذ عام 1964 كان على شاكلة رد الفعل. وما أوضح من ذلك هو القمة العربية الأخيرة في بيروت والتي سبقتها في كل من عمان والقاهرة.
 والمتفحص لبيانات القمم العربية والإسلامية والإقليمية على المستوى العربي يرى عبارات مكررة تبدأ مثلاً في أهمية تحرير فلسطين وأنها قضية العرب الأولى وأهمية التعاون المشترك والسوق العربية إلى غير ذلك من العبارات التي تثير الأشجان، وإذا قرأت إعلانا واحد فأنا أجزم بأنك قد قرأت كل هذه البيانات التي تشكل لها لجان متابعة ولم يتم حولها أي شئ يذكر؛ وإلا لماذا يتم إعادتها في كل بيان بعد نهاية كل مؤتمر عربي أو مؤتمر إسلامي؟!
 لذا فإن الفروقات العربية الخليجية اقتصادياً كانت من الأسس التي قام عليها مجلس التعاون الخليجي، والذي استثنى دولاً قريبة جغرافياً منها مثل دول اليمن والعراق مع تبرير أن اليمن بلد ضعيف كان منقسماً إلى يمن شمالي ويمن جنوبي وكلاهما ضعيف اقتصادياً ولا يملك مقومات النفط التي هي القاسم المشترك بين هذه الدول، وهذا مغزى كبير لا بد من قراءته وتفحصه بشكل علمي حتى لا نعيش في خيالات وتأملات المستقبل بوحدة عربية – عربية أو وحدة عربية – خليجية فهذا أمر قدمت فيه الطروحات الفكرية والأيديولوجية من فرق سياسية عدة لم توصلنا في العالم العربي إلا إلى مزيد من التفكك والحسد العربي – الخليجي على المستويين الشعبي والرسمي.
 أما ما يتعلق بالحالة العراقية فإن ذلك يفسر رغبة بعض دول مجلس التعاون الخليجي بأن تكون الدولة المهيمنة في المنطقة خاصة في ظل تنامي قوة العراق العسكرية مع بداية الثمانينيات؛ لذا فإن التنافس العربي – العربي ( الخليجي ) على الهيمنة والتباين الاقتصادي العربي – الخليجي عوامل أساسية في أي تكامل عربي : أي عوامل إعاقة في ظل الفكر السياسي السائد حالياً؛ لذا فإنني لا أرى فقط التباين الاقتصادي العامل الأساسي فقط في تجربة التكامل العربية، بل تأثير مثل هذه العوامل على الثقافة السائدة على المستوى الشعبي في الأقطار العربية التي كرستها الأنظمة السياسية لمصالح ذاتية؛ لذا فإننا بحاجة إلى إصلاحات جوهرية فكرية أولاً قبل الحديث عن أي فكرة للتعاون العربي – الخليجي إلا إذا كان ذلك من باب الخطابات السياسية التي بدأنا سماعها منذ منتصف القرن العشرين، والتي أوصلتنا إلى ما كنا عليه خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الأنماط الحالية للتكامل الدولي لم يعد يؤثر فيه العوامل المعروفة مثل الجغرافيا والعادات والتقاليد والدين واللغة.  بل أصبح مرتبطاً إلى حد كبير بالمصالح المشتركة وبناء على ذلك فإن كثيراً من الدول العربية في ظل العقلانية الأحادية المنظور ستجد فرصاً أفضل مما هو موجود عربياً؛ لذا لا فلا مجال للحديث عن التكامل العربي – العربي أو التكامل الخليجي العربي في ظل التطورات الاقتصادية الهائلة التي يشهدها العالم الغربي، خاصة في ظل ثورة المعلومات التي ليس لنا دور فيها إلا كمستخدم أو كمسيء للاستخدام.

الخلاصة
 قد تكون فكرة تأسيس مجلس التعاون الخليجي ظاهرياً من التجارب الرائعة خاصة في أذهان العامة من الشارع العربي لكن إذا نظرنا في السبب والمحفز الرئيسي لقيام مجلس التعاون الخليجي وهو تحقيق الأمن لهذه الدول نتيجة للأخطار المحدقة بها فإن قياس تجربة المجلس من حيث النجاح أو الإخفاق يجب أن يركز على هذا العامل بشكل رئيس؛ لذا فإن فرضية الدراسة استمدت من السؤال الرئيس التالي:-  هل نجح مجلس التعاون الخليجي في تحقيق الأمن للدول الأعضاء خاصة أن الأمن كان مقترناً أو على الأقل مرتبطاً بما يطلق عليه الخطر الإيراني والذي بولغ في تقديره إلى حد كبير من حيث أن هذا الطوفان الإيراني سيغرق دول الخليج العربية.
 إن الإجابة على هذا السؤال هي أن المشاهد المتحقق للمشهد الأمني المتعلق بدول مجلس التعاون الخليجي يشير إلى إخفاق واضح للأسباب التالية:-
أولاً :- استمرارية وجود الخطر الإيراني دون أن تقوم هذه الدول بأي فعل تجاهه إلا ما يتعلق بشراء الأسلحة الأمريكية والذي يصب إلى حد كبير في عملية تدوير "عوائد النفط" وسياسة الاحتواء المزدوج التي أنزلت بالمنطقة أخطاراً نفسية وسياسية واقتصادية إضافية.
ثانياً :- ظهور الخطر العراقي والذي لم يكن متوقفا في البداية وإن كان على الأقل موجود في النوايا من حيث استثناء العراق أساساً من الدخول.
ثالثاً :- الاجتياح العراقي للكويت والذي هدد منظومة الأمن الجماعي في دول مجلس التعاون الخليجي.
رابعاً :- استمرار الاعتماد على العامل الخارجي في حماية أمن الخليج وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، والسماح لها ببناء قواعد تضمن وجودها في المنطقة العربية لأطول فترة زمنية ممكنة.
خامساً :- ظهور خطر الإرهاب حسب التعريف الأمريكي، ومطالبة هذه الدول بإصلاحات جوهرية تضاعف من عقوبات الأمن خاصة عدم الاستقرار الداخلي.
 نخلص إلى القول عن مجلس التعاون الخليجي كأحد التجمعات العربية يمكن أن يكون من أنجحها بالمقارنة النسبية، والتي ينظر إليها على قلتها بأنها أحبطت آمال الكثيرين في عالمنا العربي والذي بقي وحدة في ظل العولمة وما بعد العولمة وما شهده العالم من تكتلات اقتصادية في أمريكا الشمالية وفي أوربا وفي آسيا وفي ظل توجهات نمط العلاقات الدولية للقوة الاقتصادية والتي تظهر على المدى البعيد طموحات سياسية.
 إن هذا الواقع المرير للعالم العربي ليس حالة راهنة بل تراكمات حضارية عبر مدّة ليست قصيرة نسبياً لذا فإن معالجتها تحتاج إلى وقت طويل ولا تبدأ بفكرة التجمعات العربية القائمة على مبدأ رد الفعل أو إرضاء عواطف الشعوب أو من أجل القيام بها كديكور سياسي، بل يجب أن يكون نابعاً من الإيمان بالأفكار التالية وتحقيقها أولا ثم البناء عليها :-
1. إن مسألة توحّد العالم العربي في ظل قيادة واحدة وهدف واحد ومرجعية واحدة في ظل الأنظمة السياسية الراهنة والأوضاع الاقتصادية أمر مستحيل بل يصل إلى مرحلة الخيال والترف الفكري.
2. إن اختلاف الأنظمة السياسية والاقتصادية والمعايير السياسية والاقتصادية والتناقضات الاجتماعية بين الدول العربية يجعل أمر الحديث عن التقارب العربي في ظل العواطف الجياشة مستحيلاً أيضاً.
3. إن الضعف الذي تعاني منه الدول العربية، واعتمادها الكبير على العالم الخارجي لا يحقق الشروط الضرورية للتعاون العربي.
4. إن تاريخ الدول العربية في عدم الثقة بين الأنظمة السياسية، وعدم الثقة في استقرار الدول العربية وتوجه أكثر من ألف مليار دولار لاستثمارها في دول العالم الغربي دليل واضح على عدم إمكانية الحديث عن التعاون العربي في الوقت الراهن أو حتى في العقود القليلة القادمة.
وإن عملية نجاح التعاون العربي – العربي لا بد أن تكون مبنية على أساس القبول بالأمر الواقع حالياً وعلى أساس استمرارية الدول العربية الحالية، وعلى أساس عدم تقاسم الثروة وعلى أساس التغير الفكري الشعبي تجاه شعوب الدول العربية ككل. ومن هنا لا بد أن يقوم التعاون على أسس المصالح الذاتية الأنانية بحيث تحقق كل دول مصالح وفوائد لا يمكن لها أن تتحقق دون التعاون العربي ولا يمكن لها أن تحصل عليها من علاقات مع دول أخرى.  ويبدو للقارئ أنني متشائم جداً وليتقبل هذه الأفكار؛ لأن كل التفاؤل في العقود التي خلت لم توصلنا لشيء جدي لا على المستوى الخليجي بشكل خاص، ولا المغاربي من جهة أخرى ولا على المستوى العربي الكلي، ولا على المستوى الحضاري الإسلامي.
إن مدى تحقق المصلحة هو الأساس، لأن العوامل التي تذكر في الكتب المدرسية والدراسات العربية هي عوامل اعتبرها الكثير من المفكرين في عالمنا العربي بأنها عوامل كافية للتعاون، لكن المحصلة التاريخية أثبتت أن هناك عوامل أهم منها؛  لذا فإن المستقبل المتعلق بالتعاون العربي يجب أن يرقى لمستوى هذا التحدي، ويبحث عن هذا أو هذه العوامل المتنحية للتعاون الفعّال بالمعايير الغربية، أو بمعايير عربية إن كان هذا هو الأفضل للمسيرة المستقبلية للعالم العربي في الخليج وغيره.
ـــــــــــــــ
1- أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الهاشمية/ الأردن
2- تتسم معظم الدراسات بالجانب الوصفي المتعلق بالهيكل التنظيمي وتوضيح دور أجهزة مجلس التعاون وأنواع الاتفاقيات …الخ دون أي تحليل علمي. وعادة ما يبرز في هذه الدراسات الانحياز الكامل لتجربة المجلس أو الانحياز الكامل ضد التجربة قبل البدء بالكتابة؛ لذا فإن كلا النوعين من هذه من هذه الدراسات غير مفيد في تقييم؛ هذه التجربة ومن هنا تأتي الدعوة لدراسات موضوعية تكون ذات جدوى عملية لصناع القرار في عمليات التقييم الجاد

المصدر : الجزيرة

المزيد من الدبلوماسية
الأكثر قراءة