العراق يعاني من العقوبات ويستعد لرفعها بهدوء

عند التجول في العاصمة العراقية المنهكة تتضح للعيان نتائج 11 عاما من الحصار .. انقطاع الكهرباء، وتلوث الماء، وخدمات صحية بائسة، وتداعي البنية التحتية، وتعطل المصانع، والبطالة، فضلاً عن تفشي الفقر، ومعدل وفيات يعد واحداً من أكبر معدلات وفيات المواليد في العالم.

وقال مسؤول بالأمم المتحدة في بغداد إن تأثير العقوبات يوازي إسقاط قنبلة نووية، مشيراً إلى أن ما يسمى بالدول المتحضرة لا تعامل الدول الأخرى بهذه الطريقة حتى وإن كانت دولا خسرت حربا.

وفرضت العقوبات في عام 1990 عندما أصدرت الأمم المتحدة قرارا بمعاقبة العراق بعد غزوه الكويت وأيضا منعه من تطوير أسلحة تكنولوجية. وبعد ست سنوات توصلت الأمم المتحدة إلى مذكرة تفاهم مع بغداد تسمح له ببيع نفطه لشراء الغذاء وسلع إنسانية أخرى.

يقول العراق إنه صدر نفطا قيمته 47 مليار دولار ولكنه حصل على بضائع بمبلغ 12 مليار دولار فقط. وتشير أرقام رسمية أذاعتها بغداد في الآونة الأخيرة إلى أن 16 مليار دولار من العائدات النفطية العراقية أنفقت في تعويضات حرب الخليج وأن لجنة العقوبات التابعة للأمم المتحدة إما رفضت أو جمدت صفقات بقيمة 19 مليار دولار حاول العراق إبرامها لشراء سلع وأغذية.

وقال مسؤول بشركة أوروبية غربية لها فرع في بغداد إن الشركات الأجنبية تستأثر بالعقود المسموح بها للعراق في برنامج النفط مقابل الغذاء. وأضاف "لا تسنح للعراقيين أي فرصة للتنافس. وفي ظل العقوبات باتت الصناعات التحويلية رديئة ولا يستطيع التجار الحصول على تأشيرات للسفر إلى الخارج".

من جانبه قال رجل أعمال بارز إنه لا يرى جدوى من الاستثمار في العراق حتى إن كان ذلك ممكنا، فعلى سبيل المثال لا توجد مصادر للحصول على آلات حديثة، مشيراً إلى أن الحصول على موافقة الأمم المتحدة لاستبدال معدات بسيطة يستغرق شهورا وحتى إذا تم تحصيل موافقة الأمم المتحدة فإن المستثمرين يقعون في براثن وسطاء أردنيين وسوريين.

ويقول المستثمر العراقي إن الدولة من جانبها لا تضخ أموالا في الاقتصاد، كما أن إمكانيات الحكومة المفلسة تقريبا لا تسمح بإصلاح شبكة الكهرباء أو تعقيم المياه الملوثة.

والمظاهر الوحيدة للأعمال الجديدة في الشوارع هي المطاعم وصالات البلياردو التي افتتحت للترفيه عن جموع العاطلين عن العمل.

وفي أحد أحياء بغداد الراقية تبيع متاجر بضائع مستوردة لا يستطيع شراءها أغلبية العراقيين الذين يبلغ متوسط أجورهم نحو خمسة دولارات شهريا بعد انهيار قيمة الدينار جراء حرب الخليج عام 1991.

وحقق الدينار تحسنا ملموسا عند تنفيذ برنامج النفط مقابل الغذاء لكنه انهار مرة أخرى عندما ظهر أن البرنامج لن يسهم في تنشيط الاقتصاد أو يحقق للحكومة عائدات كافية.

يذكر أن القطاع الخاص قد تقلص منذ ثورة 1958 التي أطاحت بالملكية ودفعت بالعراق نحو الاقتصاد الموجه.

واحتلت محاولات الرئيس صدام حسين في الثمانينات لبيع أصول الدولة وتقليل الاعتماد على النفط مرتبة متأخرة في قائمة الأولويات الوطنية بسبب الحرب مع إيران، وأدى تقلص إيرادات الدولة إلى توجيه ضربة قاسية لغالبية العراقيين الذين يعتمد قطاع كبير منهم على العمل في القطاعات الحكومية.

ويقول مسؤولون بالأمم المتحدة إن العراق لم يشيد مدارس جديدة تقريبا منذ 1990 بينما تضاعف عدد الطلبة، كما أن المدارس القائمة تعاني من مشكلات جمة.

وتتهم الحكومة العراقية لجنة العقوبات بالأمم المتحدة بإعاقة شراء مستلزمات تحتاجها المستشفيات وإعادة بناء البنية التحتية.

وبسبب تردي مستوى المعيشة في العراق ازدادت قوة حججه في رفع العقوبات، والتي تحظى بتأييد روسيا والصين، وهو وضع أحبط محاولات الولايات المتحدة فرض ما يسمى بعقوبات ذكية تقول الولايات المتحدة وبريطانيا إنها ترمي إلى تخفيف القيود على السلع المدنية وتشديد الحظر على الواردات العسكرية.

وقال وزير الخارجية العراقي ناجي صبري إن هناك إدراكا دوليا الآن أوسع منه في أي وقت مضى بأن العقوبات فرضت لتحقيق أهداف غير مشروعة للولايات المتحدة وبريطانيا في العراق.

والعراقيون يشعرون بالمرارة وهم يتذكرون كيف كان بلدهم في موقع الريادة في التنمية الإنسانية في الشرق الأوسط وأنفق أموالا طائلة على برامج محو أمية الكبار والصحة العامة وتكنولوجيا المعلومات قبل أن تتدهور أوضاعه إلى هذا الحد.

وقال اقتصادي بارز تنبأ بأن العقوبات ستدفع بالاقتصاد العراقي إلى الانكماش للعام الحادي عشر على التوالي إن العراق يحتاج إلى مليارات الدولارات لإصلاح البلاد بينما لا تسمح له الولايات المتحدة إلا بملايين.

وأضاف في إشارة إلى تحسن الأعمال نسبيا وخاصة في قطاع البناء بعد أن سمحت لجنة العقوبات للحكومة هذا العام باستيراد معدات للبناء "سيعود العراقيون بأعداد كبيرة بمجرد رفع العقوبات".

كما يجد المستهلكون العراقيون سلعا أكثر تنوعا بعد أن وقعت الحكومة اتفاقات تجارية ألغت الجمارك على بضائع سورية كما سمحت بدخول تجار لبنانيين إلى العراق. وفي العام الماضي تدفقت على بغداد وفود تجارية من تايلند والهند وفنلندا لتقويم السوق.

وبجانب تشجيع انتهاك العقوبات تحاول الحكومة اتباع سياسة مالية أكثر انضباطا. وطلب صدام من وزرائه إعادة قراءة التوجيهات القديمة والتوقف عن طبع النقود وتبسيط نظام الضرائب، وهي إجراءات يصفها مراقبون بأنها استعدادات هادئة لرفع العقوبات.

المصدر : رويترز