الأراضي الفلسطينية تشيع شهداءها وتنتظر الدعم العربي

المدن الفلسطينية تحولت إلى ساحات حرب

بدت الأراضي الفلسطينية بعد ظهر اليوم وكأنها وقفت لالتقاط أنفاسها بعد 36 ساعة من المواجهات الدامية مع قوات الاحتلال أدت إلى استشهاد 15 فلسطينيا ومصرع سبعة إسرائيليين قتل ستة منهم في هجوم فدائي بمدينة نتانيا. كما شهدت تصعيدا لمستوى القمع الإسرائيلي تمثل في استخدام الحكومة الإسرائيلية الطائرات الحربية فيما بدا للمراقبين أنه محاولة يائسة لقمع الانتفاضة الفلسطينية المستمرة منذ ثمانية أشهر.

وقبل الهدوء النسبي الذي تشهده الأراضي الفلسطينية منذ ساعات ما بعد الظهر سجل استشهاد ثلاثة فلسطينيين سقط أحدهم في نابلس بعد تشييع شهداء القصف الجوي الذي تعرضت له المدينة أمس، والآخر في جنين التي نالت نصيبها من القمع الإسرائيلي اليوم، والثالث في غزة البؤرة الأكثر تفجرا في المواجهات الدامية وربما صاحبة النصيب الذي لا يتوقف من القمع.

وتقول مصادر طبية فلسطينية إن شهيد نابلس ويدعى همام سليم عبد الحق (20 عاما) توفي جراء إصابته بعيار ناري في الرأس أطلقه أحد جنود الاحتلال المرابطين عند المدخل الجنوبي للمدينة.

وكان مئات الشبان قد اشتبكوا مع جنود الاحتلال بعد انتهاء مراسم تشييع شهداء غارات الأمس على المدينة والتي استهدفت مقرا للشرطة يضم سجنا كان يحتجز فيه عدد من نشطاء الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية "حماس". ومثل كل المواجهات السابقة رشق الشبان جنود الاحتلال بالحجارة فرد هؤلاء بإطلاق الرصاص فأصابوا الشهيد همام عبد الحق برصاصة في رأسه حسبما قالت مصادر طبية.

نساء فلسطينيات يرشقن جنود الاحتلال في الخليل

وقد أصيب 16 فلسطينيا برصاص الاحتلال أثناء مواجهات مماثلة في محيط مخيم قلنديا للاجئين الفلسطينيين شمال القدس في الضفة الغربية، كما أصيب خمسة من أفراد قوات الأمن الفلسطيني في مدينتي جنين وطولكرم شمال الضفة الغربية عندما قصفت مروحيات الاحتلال بالصواريخ مقرا للسلطة الفلسطينية في طولكرم، وموقعا للقوة 17 في جنين.

ويأتي الهجوم غداة قصف هو الأعنف من نوعه منذ تفجر الانتفاضة الفلسطينية الذي شنته مقاتلات إسرائيلية في نابلس ورام الله وأوقع 12 شهيدا وعشرات الجرحى.

وقد شارك نحو 100 ألف فلسطيني في تشييع شهداء أمس، في حين عم الإضراب الشامل جميع المناطق الفلسطينية حدادا.

وتجمع حشد لم يسبق له مثيل أمام مستشفى رفيديا في نابلس وضم أطفالا ونساء ورجالا قبل أن يتجه إلى مركز المدينة للصلاة على أرواح الشهداء، ونقلت النعوش ملفوفة بالعلم الفلسطيني على متن سيارات عسكرية في موكب رسمي أطلقت خلاله النيران بكثافة قبل أن ينقل كل إلى مسقط رأسه في قرى مجاورة لمدينة نابلس حيث كانوا يعملون.

وهتف الحشد "لن نساوم.. كل الشعب سيقاوم" و"سنواصل الكفاح ضد النازي والسفاح"، ورفعت لافتات كبيرة تقول "شارون قاتل يجب محاكمته" و"لن ننسى ولن نغفر".

وعيد وانتظار للدعم
وقال محافظ نابلس محمود العالول أثناء تشييع الشهداء "لو كان هؤلاء الأحد عشر.. أحد عشر ألفا فلن نتوقف عن النضال وسنواصل مقاومتنا للاحتلال بكل ما نستطيع.. بالحجارة والبندقية"، وأضاف أن هذه الجماهير "خرجت لترسل رسائل لشارون بأننا لن نتنازل مهما كانت الخسائر ولن نقبل الاستيطان والتنازل عن القدس وحق العودة، ونقول للحكام العرب ألا تكفي كل هذه الضحايا حتى تستيقظوا من سباتكم.. حتى متى تنتظرون؟".

مسلح فلسطيني في رام الله
وأضاف العالول "نقول لكل حاكم عربي نحن هنا نكافح عن كل مسلم ومسيحي.. ندافع عن المقدسات، ونقول لهم إن الطوفان شارون الذي نقاومه إن مر علينا فسوف يغرقهم جميعا".

من جانبها توعدت حركة "حماس" التي أعلنت مسؤوليتها عن هجوم نتانيا الفدائي أمس برد سريع على الغارات، وقال الشيخ جمال سليم وهو أحد قادة الحركة أثناء مراسم التشييع "دماء الشهداء لن تذهب هدرا والرد سيأتي سريعا".   

ياسر عبد ربه
انتقادات متبادلة
وقد تبادل متحدثون فلسطينيون وأميركيون الاتهامات على خلفية الغارات الإسرائيلية، فقد اعتبر وزير الإعلام والثقافة الفلسطيني ياسر عبد ربه أن الولايات المتحدة تتحمل "مسؤولية رئيسية" في التصعيد الإسرائيلي ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وقال في بيان وزعه على الصحافة وحمل لهجة متشددة غير مسبوقة تجاه الإدارة الأميركية إن واشنطن "تتحمل مسؤولية رئيسية في تصعيد العدوان الإسرائيلي ضد شعبنا"، مؤكدا أن "الاعتداءات المستمرة والمتصاعدة وأعمال القتل والإجرام التي ترتكبها حكومة شارون, لا يمكن وقوعها بهذا السفور لولا العلم والموافقة الرسمية الأميركية المسبقة".

وأضاف أن "سياسة غض الطرف التي تمارسها الإدارة الأميركية على الأعمال الإجرامية الإسرائيلية ومساواتها بين الضحية والقاتل يعتبر انحيازا سافرا وتشجيعا مكشوفا لحكومة شارون من أجل الإمعان في أعمال القتل والتدمير التي تتواصل في طول الأراضي الفلسطينية وعرضها".

لكن ناطقا باسم السفارة الأميركية في إسرائيل رفض اتهامات عبد ربه ووصفها بأنها "سخيفة". وقال لاري شوارتز لوكالة الصحافة الفرنسية إنه "اتهام سخيف.. الولايات المتحدة لم تطلع مسبقا" على الغارات التي شنتها مقاتلات إسرائيلية أمس الجمعة على نابلس ورام الله.

وأضاف شوارتز أن اتصالا جرى بين وزير الخارجية الأميركي كولن باول ورئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون بعد الغارة، وهو الاتصال الذي قال مراسل الجزيرة إنه انتهى بأن أغلق باول سماعة الهاتف في وجه شارون.

من جانبها دعت قطر التي تتولى رئاسة منظمة المؤتمر الإسلامي اليوم الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي إلى تحمل مسؤولياتها حيال "الوضع الخطير" في الشرق الأوسط الناجم عن "الاعتداءات الوحشية" الإسرائيلية ضد المواطنين الفلسطينيين.

حمد بن جاسم
وقالت وكالة الأنباء القطرية إن وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني طالب الدول الخمس بـ "تحمل مسؤولياتها تجاه الوضع الخطير الذي تشهده المنطقة جراء ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من أعمال واعتداءات وحشية إسرائيلية".

وأضافت أن الشيخ حمد أكد للدول الخمس (الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا) خلال لقاء مع سفرائها في الدوحة, أن "من شأن هذه الممارسات أن  تعرض أمن واستقرار المنطقة إلى الخطر".

يذكر أن قطر تتولى منذ تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي ولمدة ثلاث سنوات رئاسة منظمة المؤتمر الإسلامي، وكانت قد دعت إلى اجتماع لوزراء خارجية الدول الأعضاء في المنظمة يفترض أن يعقد السبت المقبل في الدوحة للبحث في الوضع الراهن في الأراضي الفلسطينية.

المصدر : الجزيرة + وكالات