طفلاها يتناوبان على احتضانها في حبسها المنزلي.. لمى غوشة تلاحقها إسرائيل بسبب منشور على فيسبوك

اعتُقلت لمى مطلع الشهر الجاري من منزلها بحي الشيخ جراح في القدس المحتلة، وشكل هذا صدمة لطفليها كرمل وقيس. إلى أن أفرج الاحتلال عنها بشروط الحبس المنزلي وعدم استخدام الهواتف الذكية والانترنت أو التصريح للصحافة، وبكفالة مالية باهظة.

2-.أسيل جندي، الشيخ جراح، القدس، الصحفية المقدسية لمى غوشة مع طفلتها كرمل بعد تحررها بساعات(الجزيرة نت)
الصحفية المقدسية لمى غوشة مع طفلتها كرمل بعد تحررها بساعات (الجزيرة)

القدس المحتلة- على بعد عشرات الأمتار من حي كرم الجاعوني وأرض النقاع اللذين يهدد سكانهما خطر الترحيل القسري لمصلحة المستوطنين الإسرائيليين في حي "الشيخ جراح" بالقدس المحتلة، زرنا منزل عائلة الصحفية المقدسية لمى غوشة، التي أُفرج عنها بشروط صارمة حتى انتهاء إجراءات محاكمتها بعد اعتقال دام 10 أيام قضتها داخل زنزانة انفرادية.

الهدوء يعم أرجاء المنزل باستثناء صوت طفليها كرمل وقيس اللذين يسألان "وين ماما؟" كلما توارت لمى عن أنظارهما.

وترتدي كرمل (5 أعوام) ثوبا تراثيا فلسطينيا، ثم تطلب من والدتها أن تلبسها فستانا آخر وحذاء مختلفا، وكأنها تريد إشغال أمها بطلباتها طيلة الوقت لتعوض غيابها القسري عنها.

ويخرج قيس (3 أعوام) للعب لدقائق معدودة في ساحة المنزل الخارجية، ثم يعود مسرعا ويختبئ في حضن والدته، رافضا التحدث مع أحد من الزوار أو الالتفات لالتقاط صورة له.

لوعة الغياب القسري

تلتفت لمى تارة لكرمل وأخرى لقيس، وتنساب من نظراتها لهما حكايات ليال شديدة الحلكة قضتها بعيدا عنهما لخصتها في أثناء دخولها إحدى جلسات المحاكمة بكلمتين "بدي ولادي".

قدمت النيابة العامة الإسرائيلية لائحة اتهام ضد الصحفية المقدسية لمى غوشة بادعاء وجود منشورات "تحريضية" على حسابها بموقع فيسبوك، وأُفرج عنها بشروط قاسية، منها الحبس المنزلي والمنع من إجراء مقابلات صحفية وحظر استخدام الهاتف الذكي ووسائل التواصل الاجتماعي حتى انتهاء إجراءات المحاكمة، بالإضافة للتوقيع على كفالة مالية بقيمة 15 ألف دولار.

يجلس زوجها ياسين صبيح بجوارها محاولا مواساتها ودعمها معنويا، بعد تجربة الاعتقال القاسية التي أعادت لذاكرته تفاصيل اعتقاله بالتهمة ذاتها عام 2017.

وفي حديثه للجزيرة نت، يقول صبيح "تمنيتُ لو اعتقلت بدلا منها، لأن غياب الأم عن أطفالها لا يمكن أن يعوضه أحد.. حاولت التماسك خاصة خلال جلسات المحاكمة التي تحدثت مع لمى خلالها بلغة الإشارة لأطمئنها أن كرمل وقيس بخير، وأنها ستكون قريبا بيننا".

تجرعت لمى مرارة البُعد القسري لياسين عنها عدة مرات نتيجة اعتقالاته المتكررة في سجون الاحتلال، كان آخرها صيف العام الماضي 2021، لكنها لم تتوقع أن التعبير عن رأيها على المنصات الاجتماعية سيحولها إلى أسيرة تواجه لائحة اتهام عنوانها "التحريض ودعم الإرهاب".

5-ياسين صبيح زوج الصحفية لمى غوشة(الجزيرة نت)
ياسين صبيح زوج الصحفية لمى غوشة واجه أيضا الاعتقال بتهمة التحريض سابقا (الجزيرة)

أقسى ما مر على ياسين خلال أيام اعتقال زوجته هو معرفته بتفاصيل الإذلال التي يتعرض لها الأسرى فـ"كل دقيقة تمر داخل المعتقل صعبة، بدءا من التحقيق لساعات طويلة، مرورا بالعزل الانفرادي والنقل من المحاكم وإليها بعربة البوسطة الحديدية، والانتظار في غرف ضيقة حتى يأتي موعد جلسة المحكمة".

ويقول ياسين إن زوجته تنقلت بالبوسطة الحديدية (حافلة أشبه بشاحنة) 20 مرة بواقع 80 ساعة خلال أيام اعتقالها، ولم توفر لها احتياجاتها كامرأة طيلة فترة اعتقالها، مشيرا إلى أنها عُزلت انفراديا في زنزانة مراقبة بقسم الرجال في سجن "هشارون" المدني.

وعن مسار المحاكمة والاحتمالات المتوقعة، قال الزوج إن لمى تواجه 4 خيارات: الأول قضاء عقوبتها في الحبس المنزلي مع قيد إلكتروني (يوضع في اليد أو القدم) لمراقبتها أو العمل لصالح الجمهور، أو دفع غرامة مالية مع وقف التنفيذ (حكم مسبق بالاعتقال لفترة محددة في حال القيام بأي عمل تعتبره إسرائيل مخالفة)، وقد يكون السجن الفعلي هو الحكم الذي سينطق بحقها أيضا.

قطعت الطفلة كرمل حديث والدها مرارا، للسؤال عن والدتها تارة ولتعرض أمامنا أوراق الخريف المتساقطة من أشجار المنزل تارة أخرى، ولم تزعج هذه المقاطعة والدها بل ذكرته بعيد ميلادها الذي مر خلال اعتقال والدتها ولم يكن من السهل الاحتفال به، مضيفا أن الشيء الوحيد الذي أسعدها هو شراء هدية وإخبارها أن أمها أرسلتها لها من المحكمة.

6-هيفاء غوشة والدة الصحفية لمى غوشة(الجزيرة نت)
هيفاء غوشة والدة الصحفية لمى غوشة قالت إن قلبها انفطر على ابنتها وطفليها (الجزيرة)

اعتقال وتخريب أمام الطفلين

أما هيفاء غوشة، والدة لمى، فبدت الأكثر تأثرا واضطرابا. وقالت إن قلبها انشطر نصفين، أحدهما مع لمى في المعتقل، والنصف الآخر مع طفليها قيس وكرمل اللذين شهدا على تخريب الاحتلال المنزل واعتقال والدتهما أمام أعينهما.

وتقول "قيس كان يسأل باستمرار لماذا أخذ الإسرائيليون أمي إلى المحكمة؟ وماذا سيسألونها؟ ألم تنته المحكمة بعد؟ ورافق هذه الأسئلة خوفه من حلول الظلام ومحاولة إغلاق الأبواب والنوافذ، تحسبا لاقتحام مفاجئ للجيش.

أما كرمل فعبرت عن مشاعرها بالغضب والصراخ والبكاء، وبطلبها المتكرر بالاتصال بأقاربنا ليكونوا معنا بشكل دائم في المنزل خوفا من الوحدة.

"بدي ولادي"

لم تفارق الابتسامة وجه هاني غوشة، والد لمى، طيلة وجودنا في المنزل، وقال إن الاعتقال ليست تجربة جديدة في عائلته؛ إذ اعتقل هو وأشقاؤه السبعة وشقيقتاه لفترات متفاوتة منذ احتلال القدس عام 1967، لكنه قال إنه أصيب في مقتل عندما صاحت لمى "بدي ولادي" في المحكمة، وعندما علم أنها تمكث في العزل الانفرادي بسجن مدني.

وكان لشقيقتها سوزان غوشة دور بارز في تهدئة روع الجدة والأطفال خلال غياب لمى القسري، كونها تعمل في مجال علم النفس. وقالت في حديثها للجزيرة نت إن مشاعر الظلم والعجز والقهر صعبة جدا، لكن كان لا بد من مواجهتها لتخطي المرحلة بأقل الأضرار النفسية.

وتضيف سوزان "أسئلة كثيرة طرحها الأطفال لم تكن لدينا إجابات عنها، واتضح من خلالها مدى صدمتهما من اعتقال الأم أمامهما.. سألا باستمرار متى ستعود ماما وهل ستعود؟".

4-أسيل جندي، الشيخ جراح، القدس، الصحفية المقدسية لمى غوشة تقف أمام مدخل منزلها الذي لا تستطيع تجاوزه كونها تخضع لعقوبة الحبس المنزلي(الجزيرة نت)
لمى غوشة تقف أمام مدخل بيتها الذي لا تستطيع تجاوزه بسبب قرار الحبس المنزلي (الجزيرة)

 

غادرنا منزل عائلة غوشة خلال وضع الأم هيفاء اللمسات الأخيرة على طبق "المنسف" المفضل لدى ابنتها، وبينما وقفت لمى أمام المدخل مودعة بعض الضيوف ومستقبلة آخرين، سألها أحدهم عن الساعة والسوار اللذين ترتديهما في يدها اليمنى، فأجابت أن الأسيرة ياسمين جابر أهدتها هذه الساعة، والأسيرة نفوذ حماد قدمت لها السوار المصنوع يدويا خلال مكوثها لمدة ساعتين فقط مع الأسيرات الفلسطينيات في سجن الدامون قبل تحررها.

المصدر : الجزيرة