بعد 53 عاما على جريمة إحراقه.. هل حققت جماعات الهيكل المتطرفة هدفها بتهويد الأقصى؟

تبنت جماعات الهيكل والحكومة الإسرائيلية أهدافا مرحلية تراها أقرب إلى التحقق، وهي بشكل متسلسل: التقسيم الزماني، والتقسيم المكاني، والتأسيس المعنوي للهيكل عبر فرض الطقوس التوراتية في الأقصى، وفق الباحث في شؤون القدس زياد ابحيص.

المصلى القبلي يستقبل المصلين (الأناضول)
المصلى القبلي في المسجد الأقصى حيث أقدم متطرف أسترالي الجنسية قبل 53 عاما على إشعال النار فيه (الأناضول)

القدس المحتلة- مع حلول الذكرى الـ53 لحريق المسجد الأقصى الذي اندلع جراء جريمة متعمدة يوم 21 أغسطس/آب 1969 على يد المتطرف الأسترالي الجنسية مايكل دنيس روهان، سألت الجزيرة نت الباحث في شؤون القدس زياد ابحيص عما إذا كانت جماعات الهيكل المتطرفة وحكومة الاحتلال قد حققت ما تطمح إليه في المسجد الأقصى المبارك أم اقتربت من ذلك.

استهل الباحث حديثه بالقول إن محاولات الطرفين لتهويد المسجد الأقصى مضت في مسار متعرج، فتقدمت نحو أهدافها في بعض الأحيان وفُرضت عليها تراجعات في أحيان أخرى، مؤكدا أن الهدف النهائي لجماعات الهيكل واليمين الإسرائيلي هو (الإحلال الديني) بإزالة المسجد الأقصى المبارك بكامل مساحته من الوجود وتأسيس الهيكل المزعوم مكانه وعلى كامل مساحته، وما تحرزه من تقدم أو ما يفرض عليها من تراجع مرتبط بهذه الرؤية الإجمالية.

أهداف مرحلية

وفي طريقها لتحقيق هذا الهدف بعيد المنال، تبنت جماعات الهيكل والحكومة الإسرائيلية -وفقا لابحيص- أهدافا مرحلية تراها أقرب إلى التحقق، وهي بشكل متسلسل: التقسيم الزماني، والتقسيم المكاني، والتأسيس المعنوي للهيكل عبر فرض الطقوس التوراتية في الأقصى.

التقسيم الزماني

قطعت حكومة الاحتلال وجماعات الهيكل شوطا في فرضه من خلال استئناف الاقتحامات الفردية عام 2003، وفتح باب الاقتحامات الجماعية عام 2006، وفرض أوقات الاقتحام الصباحية والمسائية بواقع 5 ساعات يوميا من الأحد حتى الخميس بدءا من عام 2008.

لكنها لم تصل إلى السقف الذي كانت تتطلع إليه وهو التقسيم الزماني التام، فقدمت تلك الجماعات 3 مشاريع قوانين عام 2012 و2013 لتقسيم ساعات اليوم مناصفة بين المسلمين واليهود، وتقسيم المناسبات بحيث يخصص الأقصى لليهود تماما في الأعياد اليهودية، مقابل تخصيصه للمسلمين وحدهم في الأعياد الإسلامية.

وحاولت حكومة الاحتلال فرض ذلك خلال شهري سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول 2015؛ مما أدى إلى انطلاق هبة القدس، فتراجعت تماما عن هذا المقترح.

صورة من أعلى مصلى باب الرحمة حيث يظهر آلاف المصلين في أول صلاة جمعة بعد انتصارهم في هبة باب الرحمة في فبراير/شباط 2019 (الجزيرة)

ولم يلبث التقسيم الزماني أن اصطدم بهبة شعبية أخرى عام 2017 -وفقا للباحث المقيم في الأردن- حين فشلت محاولة فرض البوابات الإلكترونية والكاميرات، واضطر الاحتلال إلى تفكيكها بعد أسبوعين من تركيبها.

ولّد ذلك إحباطا لدى اليمين الإسرائيلي وجماعات الهيكل المتطرفة انتهى إلى التخلي عن اعتبار التقسيم الزماني مقدمة للتقسيم المكاني، وتفعيل مخطط التقسيم المكاني للساحة الشرقية للأقصى تحديدا.

التقسيم المكاني

طُرح كفكرة بالتوازي مع التقسيم الزماني، وكان من الواضح أنه يستهدف ساحات المسجد الأقصى في الأساس، لكنه كان هدفا أصعب من التقسيم الزماني باعتباره يتطلب اقتطاعا فيزيائيا لجزء من الأقصى.

ركز مخطط التقسيم المكاني على بقعتين؛ الأولى منهما والأسبق هي الساحة الجنوبية الغربية للأقصى ما بين المصلى القبلي وباب المغاربة، وكان السلوك العملي لاستهدافها مقروءا منذ عام 2005، وهذا ما جعل الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني تنظّم فعاليات رباطها عند مصطبة أبي بكر الصديق (مصطبة الصنوبر) على يسار الداخل من باب المغاربة، مما حول هذه الساحة إلى بؤرة توتر واشتباك دائم وأفشل استهدافها.

ثم بدأت أنظار الحكومة وجماعات الهيكل تتجه -بدءا من عام 2012- إلى الساحة الشرقية للمسجد الأقصى، وتحديدا إلى محيط باب الرحمة محاولة البناء على مقدمات أرستها حكومة الاحتلال، حينما منعت إخراج بقية الردم المزال من أمام البوابات العملاقة للمصلى المرواني عام 2000، مما اضطر الأوقاف إلى تكويم ذلك الردم في الساحة الشرقية للأقصى التي لم تعد صالحة للصلاة وهُجرت، ثم بقرار قضائي بإغلاق مصلى باب الرحمة عام 2003.

أدرك المقدسيون والمرابطون هدف الاحتلال وأعمروا الساحة الشرقية عدة مرات كان آخرها في يوليو/تموز 2017، فردت سلطات الاحتلال بتبني سياسة إبعاد كل من يدخل محيط باب الرحمة من المصلين وبوضع نقطة شرطة فوق المصلى.

ثم أعلنت استحواذها عليه في فبراير/شباط 2019، وهو ما رد عليه المقدسيون بهبة باب الرحمة التي تمكنت من إعادة باب الرحمة إلى أصله كونه مصلى، باعتباره جزءا لا يتجزأ من المسجد الأقصى المبارك.

اليوم، يعول الاحتلال مجددا على الجهة الجنوبية الغربية للأقصى، لكن باستهداف التسوية وليس الساحة بذاتها، وهي تسوية لم ترمم منذ 94 عاما، ويسبب تآكلها تصدعات متواصلة وتساقطا في حجارة السورين الغربي والجنوبي للأقصى، ولا بد من اعتبارها جبهة أولى للدفاع عن المسجد الأقصى اليوم، وفقا لابحيص.

جانب من اقتحام المتطرفين للمسجد الأقصى خلال يوم توحيد القدس مايو/أيار الماضي (الجزيرة)

طقوس توراتية

أما الأجندة الثالثة، فقد مضت إليها حكومة الاحتلال وجماعات الهيكل بعد أن اصطدم مشروع التقسيم المكاني بهبة باب الرحمة عام 2019، فتبلورت بعد 6 أشهر من الهبة رؤية مرحلية جديدة تتمثل في التعامل مع المسجد الأقصى باعتباره هيكلا قائما عن طريق فرض كامل الطقوس التوراتية فيه بشكلها الموصوف في التوراة، مع التركيز على إحياء الرمزيات الخاصة بالهيكل داخل المسجد الأقصى، لتعزيز النظرة اليهودية والصهيونية إليه باعتباره هيكلا يشكل مركز العبادة اليهودية في العالم.

وأبرز تلك الطقوس الخاصة محاولة تقديم القربان فيه، والسجود الملحمي على حجارته، وإحياء طبقة الكهنة باعتبارها تقود صلوات اليهود في الأقصى بموازاة إمام المسلمين.

قطعت هذه الأجندة أشواطا كبيرة في السنوات الثلاث الماضية، وصولا إلى السجود الملحمي الجماعي 29 مايو/أيار 2022.

هذا يعني -حسب الباحث زياد ابحيص- أن فرض الطقوس التوراتية هو الخطة المرحلية الأسرع تطبيقا حتى الآن بين الثلاثة، مما يفرض حاجة موضوعية لإدراك طبيعتها وأهدافها وضرورة التصدي لها، بإفشال اقتحامات الأعياد التوراتية والصهيونية تحديدا لأنها تشكل ذروات فرض هذه الأجندة.

المصدر : الجزيرة