بدو القدس.. من هم؟ ولماذا تستهدفهم إسرائيل بالتهجير منذ نصف قرن؟

بعد لجوئهم من النقب (جنوبي فلسطين) في نكبة 1948، توزع البدو حتى استقرت نسبة كبيرة منهم في 4 مواقع بضواحي القدس، هي: عناتا ووادي أبو هندي والخان الأحمر وجبل البابا. ويرفض الاحتلال الاعتراف بتجمعاتهم هذه ويسعى لطردهم منها مجددا.

طفل يجلس قرب مسكنه المبني من الصفيح في تجمع جبل البابا البدوي شرقي القدس (الجزيرة)

القدس المحتلة- تردّد اسم تجمّع "أبو داهوك" البدوي في منطقة "الخان الأحمر" بين مدينتي القدس وأريحا كثيرا في السنوات الأخيرة، لا سيما مع استمرار تهديد الاحتلال الإسرائيلي بقرب إخلاء هذا التجمع وغيره من التجمعات البدوية الفلسطينية المهددة بالتهجير القسري.

ووفقا لبيانات أصدرها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة (أوتشا) عام 2017، فإن 46 تجمعا بدويا ستكون معرّضة لخطر الترحيل القسري وسط الضفة الغربية.

ويقع 26 تجمعا منها في محافظة القدس، ويسكنها وفقا لمكتب الأمم المتحدة 4856 بدويا يواجهون ظروفا معيشية قاسية على صعيد الخدمات الأساسية كالمياه والكهرباء، بالإضافة إلى صعوبة الوصول للمراكز التعليمية والصحية.

تجمع أبو داهوك البدوي في الخان الأحمر المهدد بالإخلاء شرقي القدس (الجزيرة)

من بدو القدس؟ ومن أين لجؤوا إليها؟

ينتمي بدو القدس إلى عشيرة "الجهّالين"، ويُعرفون فلسطينيا باسم "عرب الجهّالين"، ونتيجة تهجيرهم في النكبة عام 1948 لجؤوا إلى الضفة الغربية قادمين من منطقة تل عراد في النقب التي تمتد على مساحة تصل إلى ما يقارب 50 كيلومترا شمال شرقي بئر السبع (جنوبي فلسطين)، وتبعد 30 كيلومترا جنوب مدينة الخليل.

في بداية لجوئهم، تركز معظم هؤلاء في منطقة الخليل (جنوب الضفة الغربية)، ثم غادر جزء منهم على فترات زمنية متفاوتة نحو القدس وتوزعوا في 4 مناطق أساسية، هي: عناتا ووادي أبو هندي والخان الأحمر وجبل البابا، وترفض سلطات الاحتلال الاعتراف بتجمعاتهم في هذه المناطق وتسعى لطردهم منها مجددا.

ما أبرز المضايقات التي يتعرض لها بدو القدس؟

كان بناء مستوطنة "معاليه أدوميم" (شرقي القدس) عام 1977 أول محطة في سياسة التضييق على بدو القدس. وحسب الناطق باسم التجمعات البدوية في الخان الأحمر عيد خميس فإن المضايقات تضاعفت عام 2000 بتقييد حركة عرب الجهالين، وعدم السماح لمن لا يسكن في منطقة الخان الأحمر بدخولها وإن كان من العشيرة ذاتها بعد رسم خرائط وتحديد مساحات ضيقة للسكان للتحرك فيها وبما لا يتناسب مع حياة البداوة.

وفي مارس/آذار 2010، صدر أول قرار عما تسمى "الإدارة المدنية الإسرائيلية" بهدم كافة المنشآت في الخان الأحمر، ولجأ السكان إلى محاكم الاحتلال للالتماس ضد القرار على مدار السنوات الماضية، وكان يتم خلالها الحصول على قرارات تأجيل للهدم إلى أن صادقت المحكمة العليا الإسرائيلية في مايو/أيار 2018 على أمر الإدارة المدنية والسلطة العسكرية الإسرائيلية بتهجير سكانه وهدم التجمعات البدوية مقابل توفير بديل ملائم لهم.

ويعاني بدو القدس -مثل البدو الفلسطينيين في مناطق أخرى- من عدم الاعتراف بقراهم ولا بملكيتهم الأراضي ضمن سياسة ترمي إلى تهجيرهم وتجميعهم في بؤر صغيرة، وفقا للباحث الأكاديمي في العيادة القانونية التابعة لجامعة القدس أحمد أمارة.

ويؤكد أمارة اختلاف الوضع القانوني للبدو من تجمع لآخر؛ فبينما يعيش بعضهم على أراض فلسطينية بموجب اتفاق مع أصحاب الأراضي والعائلات التي تملكها، فإن آخرين يقيمون في أراض تعود ملكيتها لكنائس لكنها تسمح لهم بالعيش عليها وفق تفاهمات معينة، كما هي الحال في تجمع "جبل البابا" البدوي مثلا.

وفي كل الأحوال، يواجه البدو في ضواحي القدس تحديات يومية تتعلق بتقييد حركتهم وتحديد مساحات الرعي، ومنع دخولهم إلى بعض المناطق القريبة من تجمعاتهم بذريعة تسميتها "مناطق عسكرية"، بالإضافة إلى تمرير أوامر عسكرية تسمح بهدم التجمعات وإخلائها سريعا ودون مراجعة قضائية كافية، وفقا للباحث.

جانب من الحياة البدوية في أحد تجمعات الخان الأحمر شرقي القدس (الجزيرة)

ما خطط "إعادة التوطين" التي تسعى إسرائيل لفرضها على بدو القدس؟

تتجاهل البدائل التي تسعى سلطات الاحتلال لفرضها على البدو أسلوب حياتهم الذي يحتاجون فيه لمساحات مفتوحة لرعي المواشي.

ويخطط الاحتلال لنقل البدو إلى تجمعات عمرانية تهدف إلى "تمدينهم" قسرا على مساحات ضيقة جدا، وعلى أراض تدّعي إسرائيل أنها "أراضي دولة" (أي تابعة لها) لكنها في الحقيقة أرض فلسطينية وبعضها يُصنّف ملكيات خاصة، كما يقول الباحث أمارة.

وتهدف إسرائيل من خلال طرد بدو القدس من تجمعاتهم إلى تحقيق معادلة "أكبر عدد من الفلسطينيين على أقل مساحة من الأرض بدل المساحات الكبيرة التي يعيش البدو ومواشيهم عليها الآن"، وذلك لتفريغ محيط المستوطنات وجوانب الشوارع الإسرائيلية السريعة من أي وجود فلسطيني.

وستلجأ سلطات الاحتلال لإخلاء التجمعات وفقا لسلم أولويات حددته مخططات المشاريع الاستيطانية، ويرجّح أمارة أن تكون تجمعات الخان الأحمر أولى محطات التهجير، لأن أمرا قضائيا صدر عن المحكمة الإسرائيلية العليا بذلك، كما ستكون تجمعات القدس البدوية التي تقع داخل نطاق ما يسمى مشروع "إي1″ الاستيطاني (شرق واحد)، وعددها 13 تجمعا، على جدول الإخلاء بالإضافة إلى 12 تجمعا تقع بمحاذاة هذا المشروع الضخم الذي يعد جزءا من مخطط إسرائيل المعروف بـ"القدس الكبرى".

ما الهدف الإستراتيجي من إخلاء تجمعات القدس البدوية؟

يرفض مدير دائرة الخرائط في جمعية الدراسات العربية خليل التفكجي رواية أن سلطات الاحتلال تنوي تهجير بدو الخان الأحمر بهدف تنفيذ مخطط "إي1" الاستيطاني -الذي يكسر الوحدة الجغرافية للضفة الغربية ويربط بين المستوطنات المحيطة بالقدس ويوسع مستوطنة "معاليه أدوميم"- موضحا أهمية الالتفات إلى خطورة المشروع الإقليمي الأوسع لعام 2050.

ووفق التفكجي، فإن الاحتلال الإسرائيلي يهدف من هذا المشروع إلى تدشين أكبر مطار في منطقة النبي موسى بين القدس وأريحا ليمر عبره 34 مليون مسافر سنويا، ويطمح إلى رفع عدد السياح إلى 12 مليون سائح كل عام، وستبنى لهم في هذه المناطق فنادق ومناطق تجارية، بالإضافة إلى منطقة صناعية وغيرها من المشاريع التي تضمن للسياح التجول من الساحل إلى غور الأردن من دون وجود فلسطينيين في المنطقة.

أكبر سكان تجمع البابا البدوي سنا أمام خيمته (الجزيرة)

هل يختلف التضييق على بدو القدس عما تواجهه التجمعات البدوية في باقي فلسطين؟

تتشابه الممارسات التعسفية ضد بدو فلسطين من ناحية التهديد بفقدان مكان السكن ومصادرة الأراضي وتضييق حيز المراعي والحركة، لكن هذه الممارسات ضد تجمعات القدس البدوية تتخذ شكلا أكثر صرامة لأن وتيرة التهويد في المدينة ومحيطها تتسارع يوميا لتحقيق المخطط الإسرائيلي المعروف بـ"القدس الكبرى".

وتؤثّر هذه الممارسات بشكل كبير على الوضع الاقتصادي للبدو، وبالتالي على مقومات صمودهم بسبب عجزهم عن تسويق منتجاتهم من الحليب واللبن والأجبان.

ويشير الباحث أحمد أمارة إلى تقصير السلطة الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني تجاه بدو القدس من حيث توفير المدارس وفتح العيادات الطبية لتعزيز صمودهم، خاصة أن ضعف أو غياب الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء وبنى تحتية كشق الشوارع يخلق بيئة قهرية تؤدي بطبيعة الحال للتهجير الطوعي.

المصدر : الجزيرة