"أم درمان" فلسطين.. بلدة مقدسية عاش فيها سودانيون وسطروا قصص صمود تاريخية

كانت بيت صفافا المقدسية محطة للقوات السودانية التي قدمت دفاعا عن البلاد في النكبة، حتى أُطلق عليها اسم "أم درمان" فلسطين. وفي مذكراته يقول ابن البلدة حسن عثمان "لن أنسى أبدا كيف خرجت الجماهير مرحّبة بهؤلاء الجنود، تُهلل وتكبّر وتزغرد وتهتف متخيلة أن تحرير القدس آتٍ لا محالة.."

2-مجموعة من المناضلين في الجيوش العربية عام 1948 في القدس(وكالة اسوشيتدبرس)
مجموعة من المناضلين في صفوف الجيوش العربية خلال حرب عام 1948 في القدس (أسوشيتد برس)

القدس المحتلة- قبل اندلاع حرب عام 1948 ونكبة فلسطين، عاش عدد من العائلات السودانية في حي الأفارقة بالبلدة القديمة بالقدس، وانسجمت هذه العائلات مع النسيج المجتمعي بالمدينة وعمل أبناؤها في عدة قطاعات.

وفي شهر مارس/آذار 1948، وصلت إلى بلدة بيت صفافا جنوبي القدس، مجموعة من المناضلين المتطوعين، وكانت تضم في صفوفها سودانيين قادمين من حي الأفارقة المجاور للمسجد الأقصى بعد تجنيدهم في صفوف قوات "الجهاد المقدس" التي قام بتنظيمها والإشراف عليها الشهيد عبد القادر الحسيني، قائد معركة القسطل.

وردت هذه المعلومات في مذكرات ابن بيت صفافا حسن إبراهيم عثمان، وحملت عنوان "الجبل والثلج: ذكريات الطفولة والصبا والشباب في فلسطين التاريخية 1940-1959".

وبالإضافة لهؤلاء تمركزت قيادة الجنود المصريين في مدينة بيت لحم، ورافقتها بعض الوحدات السودانية والسعودية واليمنية والليبية، وغالبيتهم من المتطوعين للدفاع عن فلسطين، ومن القوات الخفيفة.

ولا ينسى أهالي بيت صفافا أن بلدتهم كانت آنذاك محطة للقوات السودانية، حتى أُطلق عليها اسم "أم درمان" فلسطين.

في مذكراته يقول حسن إبراهيم عثمان "لن أنسى أبدا كيف خرجت الجماهير مرحّبة بهؤلاء الجنود، تُهلل وتكبّر وتزغرد وتهتف متخيلة أن تحرير القدس آتٍ لا محالة لأن هؤلاء الشباب أتوا لإنقاذ فلسطين، لكن المشكلة كانت أكثر تعقيدا مما كانوا يتصورونه في هذه البقعة الطاهرة ومهد الديانات السماوية".

عُرفوا بأمانتهم

وبينما كانت المعارك تدور في محيط بيت صفافا، سارت الحياة بشكل روتيني طبيعي، ومارس الأهالي عملهم، وإلى جانب الجنود المقاتلين، عمل سودانيون حراسا في عدة أماكن بالبلدة وعُرفوا بأمانتهم.

من بين هؤلاء حارس "معمل العسلي لإنتاج الثلج والبوظة"، والذي كان يفترض أن يبدأ في الإنتاج عام 1948 لكن اندلاع الحرب والتهجير حال دون خروج هذا المشروع إلى حيز الوجود.

يصف عثمان في كتابه جولات هذا الحارس السوداني حول بناية المصنع لساعات طويلة قبل أن يأخذ قسطا من الراحة في كوخه الصغير الواقع بالناحية اليسرى من مدخل المصنع.

واشتهر حارس سوداني آخر بأمانته خلال عمله في حافلات بيت صفافا (رقم 44)، فبعد انتهاء رحلاتها اليومية إلى باب الخليل (أحد أبواب البلدة القديمة في القدس)، كان هذا الحارس يقوم مساءً بغسل الحافلات الجديدة من غبار الطريق الترابية التي كانت تربط بيت صفافا بالقدس.

3-أسيل جندي، المعمر المقدسي محمد جاد الله في منزله ببلدة صورباهر جنوب القدس
المقدسي محمد جاد الله في منزله ببلدة صور باهر جنوب القدس يروي ذكرياته عن استقبال المقاتلين السودانيين (الجزيرة)

تفانوا في الدفاع عن القدس

يروي المعمّر المقدسي محمد جاد الله من بلدة صور باهر، جارة بيت صفافا، والذي انخرط في صفوف "الجهاد المقدس" ضمن السرية الرابعة "الفوج الثالث" برتبة ملازم أول، ذكرياته مع الوحدات السودانية. ويقول إن العشرات من السودانيين توجهوا بالفعل للقتال في بلدة بيت صفافا، وإن 7 منهم فقط قدموا للقتال في بلدة صور باهر مع الجيش المصري.

وتابع "التقيتُ بهم أول مرة في قصر جاسر الذي كان مقرا لقيادة الجيش المصري ببيت لحم، ثم عدتُ إلى صور باهر واستقبلناهم عند مدخل البلدة وبمجرد دخولهم أنشد السودانيون (جل جلالك يا مولانا.. احنا عبيدك لا تنسانا)، وتفانى هؤلاء بالدفاع عن أرض القدس ومنهم من رفض العودة إلى السودان بعد صدور الأوامر بانسحاب الجيوش العربية".

وهذا ما أكدته أيضا ابنة بلدة بيت صفافا ماجدة صبحي التي جمعت عائلتها صداقة مع أحد السودانيين، إذ تردد أحد المتطوعين في الوحدات السودانية على منزل العائلة لسنوات طويلة بعد رفضه مغادرة البلدة أثناء انسحاب الجيوش العربية، وقرر البقاء في القدس "حتى تحررها" وفقا لماجدة التي رجّحت أن يكون اسم "أم درمان" قد أطلق على البلدة لأن معظم السودانيين الذين وصلوا للدفاع عنها جاؤوا من هذه المدينة بالتحديد.

وتذكر السيدة المقدسية أن سودانيا يُدعى "حمايل" تردد على منزل عائلتها للجلوس مع والديها حتى سبعينيات القرن الماضي، مرتديا "الجلابية والعمّة" السودانية باستمرار، وكانت والدتها تنادي على بناتها لإعداد الطعام أو القهوة لـ"الطيّب حمايل" بمجرد رؤيته يقترب من المنزل.

لا تدري ماجدة صبحي ماذا حلّ بهذا الرجل لاحقا، إذ سمعت من بعض كبار السن في بيت صفافا أنه تزوج بمقدسية وعاش بالبلدة حتى مماته ودُفن في مقبرتها.

اليوزباشي قائد حملة بيت صفافا

تعيد قصة "حمايل" إلى الأذهان حكايات استبسال سودانيين آخرين في الدفاع عن أراضي البلدة خلال عام النكبة (1948) وما بعده، إذ أُسندت للوحدات السودانية التي رافقت القوات المصرية مهمة الدفاع عن منطقة مستشفى الأمراض الصدرية.

أما قوات المناضلين من "الجهاد المقدس" والتي كانت تشمل عددا كبيرا من السودانيين والفلسطينيين، فكانت مكلفة بالتصدي لهجمات القوات الإسرائيلية على 4 محاور هي معسكر العلمين، ومستعمرة مكور حاييم (جنوب القدس) وحيي القطمون والمالحة، وفقا لمذكرات "الجبل والثلج".

ومن أبرز قادة هذه الوحدات من المتطوعين في بيت صفافا كان اليوزباشي -رتبة عثمانية تعادل النقيب حاليا- محمد علي مصطفى، وهو سوداني الأصل عاش في حي الأفارقة بالقدس، وكان برتبة عريف في صفوف مناضلي "الجهاد المقدس" مع الشهيد عبد القادر الحسيني، وبقي مع جنوده ببيت صفافا حتى وصول القوات المصرية إليها والتي رفّعته حتى بلغ رتبة اليوزباشي تقديرا ومكافأة لصموده وتصديه لهجمات عصابة "الهاغاناه" الصهيونية المتكررة على بيت صفافا.

أما ذكريات ربيع عام 1949، فيسردها حسن إبراهيم عثمان في مذكراته، قائلا إنه بعد توقيع اتفاق "رودس" في منتصف أبريل/نيسان والذي نص على وقف إطلاق النار، شرعت القوات المصرية والوحدات السودانية والليبية واليمنية في إخلاء ثكناتها وقواعدها تأهبا للرحيل عن جبهة القدس الجنوبية، بما فيها بيت صفافا.

رفض السوداني اليوزباشي محمد علي مصطفى "وسُمّي قائد حامية بيت صفافا"، التوقيع على وثيقة تقسيم البلدة التي جاء بها مراقبو هيئة الأمم المتحدة، وسجّل موقفا بطوليا في وجه سلطة الاحتلال الإسرائيلية الجديدة، قبل أن تُطوى صفحات النضال العربي في القدس.

وبعد أكثر من 7 عقود على نكبة فلسطين، لا يزال المقدسيون حتى اليوم يتغنون بما قدمه المناضلون السودانيون لمدينتهم التي غادرها كثيرون منهم لكنها لم تغادرهم.

المصدر : الجزيرة