سرقة الزيتون وافتتاح جسر معلّق.. هجمات إسرائيلية متصاعدة في وادي الربابة

يعتبر وادي الربابة المنطقة الخضراء الأقرب لسور القدس القديمة والمسجد الأقصى، وفيه مساحات فارغة من البناء السكاني، حيث يسعى الاحتلال إلى جذب مستوطنيه وربطهم بالمكان بالروايات الدينية للإقامة فيه.

القدس المحتلة- بيديه النحيلتين المجعدتين، أصرّ المقدسي أبو داود محمد العباسي (91 عاما) على قطف زيتون أرضه التي ورثها عن أجداده في وادي الربابة جنوبي المسجد الأقصى المبارك.

وأتى أبو داود من بيته الذي يبعد أمتارا عن كرم الزيتون، رفقة أبنائه وأحفاده الستين، مستعجلا القطف قبل أوانه بقليل، وهزّ الأغصان برعشة بادية في كفيه بسبب كبر سنه، وأخرى في قلبة خوفا على محصوله من السرقة.

القدس_وادي الربابة_جزء من أراضي وادي الربابة التي صادرها الاحتلال وحولها إلى حديقة وطنية إسرائيلية-جمان أبوعرفة-الجزيرة نت-28_9_2022
جزء من أراضي وادي الربابة التي صادرها الاحتلال وحوّلها إلى حديقة إسرائيلية (الجزيرة)

"عونة" من نوع آخر

إلى جانب الرجل التسعيني، تُواصل عشرات العائلات المقدسية منذ أيام قطف أشجار الزيتون في وادي الربابة، فيما وجّهت لجنة الحي نداءً إلى أهالي بلدة سلوان والضواحي المجاورة، للمساعدة في القطف بأسرع وقت قبل أن يستفرد الاحتلال ومستوطنوه بالأشجار.

وجاء ذلك بعد دعوة جمعية "إلعاد" الإسرائيلية المتطرفة المستوطنين لخوض تجربة القطف في الوادي، ورصَد الأهالي عناصر من جيش الاحتلال يقطفون الزيتون نهاية الأسبوع الماضي.

وعلى إثر ذلك، هرعت 50 عائلة مقدسية يوم الجمعة إلى أراضيها في وادي الربابة، وصمدت لآخر لحظة رغم قمع الاحتلال وإطلاق القنابل الغازية. إلى جانب اعتقال الشاب محمود سمرين وإبعاده عن الوادي 15 يوما، وحبسه منزليا لمدة يومين.

متجذرون في الوادي

يقول أحمد سمرين (48 عاما) والد الشاب المبعد وعضو لجنة حي وادي الربابة -للجزيرة نت- "لقد وجّهنا صفعة غير متوقعة لمدير سلطة الطبيعة والحدائق (إسرائيلي)، وكان يقول للمستوطنين إن وادي الربابة بأيدينا، لكن ما حدث الجمعة قلب المعادلة".

ومنذ عمر الخامسة، يقطف سمرين الزيتون في الوادي مع عائلته، ويتابع بحرص وقلق تعدّيات الاحتلال عليه منذ 20 عاما، ويضيف "منذ نصف قرن وأنا متجذر في الوادي، إنه من أجمل مناطق القدس، أقدم أشجاره عمرها أكثر ألف عام، وما يفعله الاحتلال في كل حين هو لجسّ النبض ومحاولة فرض الأمر الواقع. نخوض معركة في المحاكم منذ 3 سنين لمنع مصادرة أراضينا، ولن نسمح بذلك، لا أستطيع أن أرى أرضي قد تحولت إلى حديقة إسرائيلية".

يعتبر وادي الربابة أقرب الأودية الجنوبية للمسجد الأقصى، ويمتد بمساحات خضراء مثمرة تصل إلى 210 دونمات (الدونم ألف متر مربع)، ويضم حيّا سكنيا يقطنه نحو 1300 مقدسي، كما يحوي آثارا تعود إلى عصور مختلفة أقدمها القرن الثامن قبل الميلاد.

ومنذ احتلال شرقي القدس عام 1967، سيطر الاحتلال على معظم أراضيه بحجة قانون "حارس أملاك الغائبين"، بينما يسعى منذ سنوات إلى مصادرة بقية الأراضي بحجج عديدة أبرزها "البستنة وإقامة حدائق وطنية".

القدس-وادي الربابة-أعلام سلطة الطبيعة والحدائق الإسرائيلية وعلم الاحتلال قرب أحد شوارع وادي الربابة(يسار الصورة مزرعة الوادي)-جمان أبوعرفة-الجزيرة نت-28_9_2022
أعلام سلطة الطبيعة والحدائق الإسرائيلية وعلم الاحتلال في أحد شوارع وادي الربابة (الجزيرة)

في العام الأخير

تصاعدت الهجمة على الوادي مع جائحة كورونا عام 2020، وتفاقمت منذ بداية العام الحالي 2022، حيث عقدت المحكمة المركزية في القدس جلسة في 10 فبراير/شباط الماضي للنظر في استئناف العائلات ضد مصادرة أراضيهم، وأرجأت الحكم حتى 29 يونيو/حزيران، حيث أصدرت قرارا بتأجيل النظر في قضية أراضي وادي الربابة إلى أجل غير مسمى.

وفي 30 مارس/آذار الماضي، بدأت طواقم "سلطة الطبيعة والحدائق الإسرائيلية" بتركيب برج وكاميرات مراقبة في الوادي، وفي 3 مايو/أيار أنشأت غرفة حجرية لاستعمالات غير واضحة، وفي نهاية الشهر ذاته اعتدى المستوطنون على عائلة سمرين في حي وادي الربابة، واعتقلت قوات الاحتلال الابن عبد الكريم سمرين وحُكم عليه بالحبس المنزلي، بينما خضع الأب لعملية جراحية بسبب كسور في وجهه.

إغلاق مدخل ألف مقدسي

وفي 5 يوليو/تموز الماضي، أبلغ ممثل جمعية "إلعاد" الاستيطانية المقدسيين في حي وادي الربابة بضرورة إزالة مركباتهم، وأن بوابة ستوضع لمنع وصولهم إلى منازلهم بالمركبات، وبدأت بعدها أعمال إغلاق الطريق وحفر الخنادق وبناء الجدران، قبل أن يتصدى لهم الأهالي ويبطلوا -مؤقتا- مخططا لعرقلة ألف مقدسي (150 عائلة) من الوصول إلى منازلهم.

مهرجان ليلي

وفي 3 أغسطس/آب، اقتلع المستوطنون جذعا كبيرا من شجرة زيتون عمرها مئات السنين، ضمن نشاط مشترك لسلطة الطبيعة وجمعية إلعاد الإسرائيليتين. وفي الشهر ذاته، أطلقت بلدية الاحتلال في القدس مهرجانا سياحيا صيفيا أسمته "أوتو فود" في وادي الربابة، لاجتذاب آلاف المستوطنين من القدس وخارجها، واحتوى مجمعا للطعام ومنصات للحفلات الموسيقية وأكشاكا لبيع وشرب الخمور، واستمر حتى نهاية الشهر.

القدس_وادي الربابة_إطلالة علوية على مشروع _مزرعة الوادي_ التي أنشأها الاحتلال قبل عامين لاجتذاب المستوطنين-جمان أبوعرفة-الجزيرة نت-28_9_2022
مشروع "مزرعة الوادي" التي أنشأها الاحتلال قبل عامين لاجتذاب المستوطنين في وادي الربابة (الجزيرة)

"المزرعة في الوادي"

وخلال الصيف، روّج الاحتلال لمشروع استيطاني شمال غرب وادي الربابة يدعى "هخفا بجاي" أي "المزرعة في الوادي"، وهو مشروع سياحة ريفية يستقبل المستوطنين لخوض "تجربة زراعية قديمة فريدة من نوعها"، وفق وصف القائمين عليه.

وتحتوي هذه المزرعة على مقاعد ومظلات قريبة من سور القدس والأقصى، وتنظم أنشطة لزائريها تحاكي العصور القديمة عبر قطف محاصيل زراعية متنوعة، وعصر العنب، واستخراج العسل. كما تستضيف حفلات موسيقية، ومسارات للطلبة، ومحطات للتصوير، ويقابلها موقع لتسلق الصخور الأثرية.

أما في سبتمبر/أيلول الماضي، فتفاجأ السكان بزراعة المستوطنين نباتات في أحد سفوح وادي الربابة على شكل شمعدان سُباعي (أحد الرموز الدينية اليهودية).

القدس-وادي الربابة-سمي وادي الربابة بهذا الاسم لأنه ضيق من الأعلى ويبدأ بالاتساع تدريجيا مثل آلة الربابة-جمان أبوعرفة-الجزيرة نت-28_9_202_
يعتبر وادي الربابة من أجمل أحياء القدس (الجزيرة)

جسر مشاة معلّق

وحديثا، في 6 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، افتتح وزير البناء والإسكان الإسرائيلي زئيف إلكين مشروع جسر معلق فوق وادي الربابة، رست مناقصته في 24 مايو/أيار على شركة خدمات هندسية إسرائيلية، وبدأت تنفيذه بترخيص من بلدية الاحتلال في القدس بتكلفة تفوق 3 ملايين دولار.

تقول الشركة المنفذة إن الجسر هو الأطول من نوعه في البلاد بطول يصل إلى 200 متر، حيث صمم ليربط بين جنوب وادي الربابة وشمال جبل صهيون غربي سور القدس، ويؤدي مباشرة إلى بؤرة استيطانية تابعة لجمعية "إلعاد" في حي أبو طور تدعى "بيت باجاي".

ويُعد الجسر جزءا من مشروع مدينة "ديزني لاند" التوراتية التي تروّج لها بلدية الاحتلال في محيط البلدة القديمة للقدس، فوق وتحت الأرض، مع عوامل جذب مثل الأنفاق والقطار الهوائي.

لماذا وادي الربابة؟

يقول رئيس لجنة حي وادي الربابة عبد الكريم أبو سنينة إن الوادي هو الوحيد القريب من سور القدس والمسجد الأقصى الذي يضمّ مساحات خضراء فارغة من البناء السكني.

لذلك -كما يقول أبو سنينة- "يهدف الاحتلال أولا إلى جذب مستوطنيه من خلال الطبيعة وربطها بالماضي المزعوم الذي يرويه لهم، إلى جانب التخطيط لإقامة مبانٍ استيطانية، إن لم يُتدارك الوادي سريعا".

المصدر : الجزيرة