"أرض النقاع".. تعرف على الشطر الغربي من الشيخ جراح المهدد بالإخلاء والتهويد

قصة الفتاة جنى الكسواني التي أصيبت بالرصاص المطاطي مع والدها وهما على باب منزلهما لارتدائها الكوفية الفلسطينية.. هي قصة أسرة من أسر حي الشيخ جراح الذي يستميت الاحتلال الإسرائيلي في تهويده وإخلائه من أهله.

جنى الكسواني ووالدها محمد في منزلهما بحي الشيخ جراح (الجزيرة)
جنى الكسواني ووالدها محمد في منزلهما بحي الشيخ جراح (الجزيرة)

بمجرد الوصول إلى حي الشيخ جراح يضطر الزائر إلى ارتداء الكمامة ليس لحماية نفسه من فيروس كورونا، وإنما ليتجنب ولو جزئيا الرائحة الكريهة في الحي الناتجة من إغراقه بصورة شبه يومية بالمياه العادمة.

في ساحة منزل أسرة الكسواني لا يبدو المشهد أفضل، إذ ما زالت تنتشر هنا وهناك بقايا القنابل الصوتية والرصاص المطاطي الذي استُهدفت به الأسرة بنحو مباشر ومباغت من القوات الخاصة التي كانت مقابل المنزل.

يجلس الأب محمد الكسواني مع رجال الحي في الساحة يقلب بين يديه بقايا القنبلة الصوتية التي ألقيت تجاهه بعد إصابته بالرصاص المطاطي في قدمه، ويتداول معهم آخر المستجدات، ثم يتصل بأبنائه ليطمئن عليهم، وعلى ابنته الوحيدة جنى التي انتظر وصولها من المستشفى بعد يومين من العلاج، بسبب رصاصة مطاطية أدت إلى كسر في الفقرة الـ12 من العمود الفقري.

وصلت جنى التي تمشي ببطء وصعوبة، ودخلت منزلها مرتدية عقدا صُنع من خشب الزيتون تدلّت منه شجرة جذورها متشعبة، وبمجرد جلوسها تحدثت بصوت خافت عمّا حدث معها قائلة "كانت المواجهات مشتعلة مدة ساعة تقريبا في الحي ثم هدأت، ولاحظت وجود عناصر من الشرطة أمام المنزل فخرجت لألقي نظرة وخرج خلفي شقيقي ووالدي وصديقه.. صرخ الشرطي بعنف وطلب منا دخول المنزل، فاستدرنا فورا وكنت مطمئنة لأنني لم أفعل شيئا، لكنه غدر بي وأطلق رصاصة معدنية مغلفة بالمطاط على ظهري من مسافة قريبة".

ثبات وتشبث

سقطت جنى أرضا فسارع شرطي آخر إلى إطلاق رصاصتين أخريين، أصابت إحداهما قدم والدها فسقط فوقها، ولم يتوقف الهجوم بل لجأت الشرطة إلى إغراق ساحة المنزل بالقنابل الصوتية رغم وجود إصابتين.

نقلت جنى ووالدها إلى المستشفى، وهناك تلقيا العلاج وشُخصت جنى بكسر في العمود الفقري، وبرضوض في الصدر ناجمة من سقوطها أرضا بعد الإصابة.

وعن الألم الذي شعرت به لحظة الإصابة قالت "وصف عمق الألم الذي شعرت به صعب جدا.. تشنج بكل جسمي، رصاصة قاسية وغادرة لم أتوقعها.. عشت حالة من الصدمة لكنني سأتعافى وسأعود أقوى وأكثر تشبثا بمنزلي المهدد بالإخلاء".

تجزم جنى بأن حياتها انقسمت إلى قسمين، قبل الإصابة وبعدها، وتجزم أيضا بأن سبب ارتدائها الكوفية الفلسطينية في ذلك اليوم أزعج الشرطة الإسرائيلية فلجؤوا إلى الانتقام منها، "ما فعلوه بي وبأسرتي لن يدفعني إلى الرحيل طوعا عن هذا الحي، كذلك سأرفض الترحيل القسري.. وأنا كالشجرة التي أرتديها على صدري متمسكة بجذوري في هذا الحي وبأرضي وبهويتي، ومنذ اليوم الأول أقول إن إصابتي فداء لأهل غزة ولحي الشيخ جراح".

أبهرتنا قوة هذه الفتاة ذات الـ16 ربيعا خلال حديثها عن عمق تمسكها بالحي، ولم تكن نبرة والدها محمد الكسواني أقل قوة، واستأنف حديثه بالقول إن والده سكن الحي عام 1951 بموجب عقود إيجارات مع الحكومة الأردنية حتى باتوا مستأجرين محميين.

ومع احتلال الشطر الشرقي من القدس عام 1967 طالبتهم دائرة "حارس الأملاك العامة" الإسرائيلية باستمرار دفع الإيجارات لها أو أنهم سيكونون عرضة للترحيل عن المنازل، وما زالوا يدفعون هذه الإيجارات حتى يومنا هذا.

نشطت الجمعيات الاستيطانية محاولة ترحيل السكان بادّعاء أن اليهود كانوا يقطنون المنطقة قبل عام 1948، وأجلت بالقوة أسرتين في هذا القسم الغربي من حي الشيخ جراح حتى الآن من أصل 40 أسرة تعيش على مساحة نحو 10 دونمات (الدونم ألف متر).

وفضلا عن خطر الإخلاء الذي يهدد منازل بقية سكان الحي فإنهم يعيشون أياما عصيبة منذ اندلاع الأحداث في الشيخ جراح قبل نحو شهر.

ولا يسلم هؤلاء من اعتداءات المستوطنين اليومية، ويقول الكسواني إنهم وثقوا إطلاق المستوطنين الذين يقطنون البؤر الاستيطانية للرصاص الحي على السكان الآمنين مرارا، وتجمعهم بالعشرات كل ليلة لتنفيذ اعتداءات عليهم.

ويضيف "لدي 5 من الأبناء، أشعر بالخوف عليهم على مدار الساعة.. فلم نعد نذهب إلى أماكن عملنا ونخشى التزود باحتياجاتنا الأساسية، خوفا من مغادرة منازلنا حتى لا يباغتها المتطرفون بالاقتحام والحرق أو بالإقدام على خطف أطفالنا، ويعاد مشهد الطفل محمد أبو خضير مجددا".

الشطر الغربي من حي الشيخ جراح المهدد سكانه بالترحيل مثل الشطر الشرقي منه (الجزيرة)

أسئلة بلا إجابات

وختم هذا الأب حديثه للجزيرة نت بقوله إن أقسى ما يواجهه يوميا أسئلة أطفاله المتكررة عن مصير منزلهم، وما إذا كانوا سيبقون فيه أم لا، وهو يعلم أن مستقبلهم في الحي قاتم، وتزداد قتامته يوميا في ظل سياسة التطهير العرقي الممارسة بحق سكانه.

ويقول الباحث المتخصص في شؤون الاستيطان أحمد صب لبن إن "القسم الغربي من حي الشيخ جراح يعاني خطر الاستيطان تماما كما الشرقي، ويعاني الحي بشطريه زحفا استيطانيا واستهدافا له بـ9 مشاريع استيطانية".

وتتضمن هذه المشاريع بناء وحدات استيطانية وكنس يهودية ومبان عامة تتبع للحكومة الإسرائيلية، ووفقا لصبن لبن فإن الشيخ جراح كبقية الأحياء المحيطة بالبلدة القديمة، التي تقع في نطاق الأطماع الإسرائيلية الرامية إلى طرد السكان وتهجيرهم قسريا لحيازة أكبر مساحة جغرافية، لضمان السيطرة على ما يدعى "الحوض المقدس" الذي يحيط بالبلدة القديمة.

النقطة العسكرية الدائمة والمكعبات الإسمنتية التي نصبتها الشرطة في الحي قبل أيام (الجزيرة)

ويضيف -في حديثه للجزيرة نت- أن معاناة سكان الشطر الغربي من الحي بدأت عام 1967، حين وضعت المباني التي يقطنها السكان هناك تحت وصاية "حارس الأملاك العامة الإسرائيلي"، في هذا القسم الذي يقع في الحد الأقصى من حي الشيخ جراح على خط التماس الفاصل بين حدود عامي 1948 و1967.

وتطلق إسرائيل على هذا الشطر من الحي اسم "كبانية أم هارون" لكنه يعرف فلسطينيا بـ"أرض النقاع" التي تعود ملكيتها إلى أسرتي (حجازي) و(معو) اللتين خاضتا نزاعا طويلا في المحاكم الإسرائيلية لمحاولة إثبات ملكيتهما لهذه الأرض.

وعن ذلك يقول الباحث صبن لبن "هناك كثير من الأدلة التي تثبت ملكية الأسرتين للأرض وتدّعي إسرائيل أن اليهود يملكونها قبل عام 1948، والواقع أن أسرًا يهودية استأجرت منازل في الحي قديما، وكانوا يدفعون الإيجار في المحاكم الشرعية بالقدس، وهذا مثبت لكن إسرائيل ضربت بكل ذلك عرض الحائط، ووضعت جميع السكان تحت خطر الإخلاء لمصلحة المستوطنين".

ويشير صبن لبن إلى المحاولات المستمرة لـ"تطويب" (التسجيل في الطابو) الأراضي باسم اليهود، وهو ما تم فعليا لجزء منها وسجلت بأسماء إسرائيلية، فزاد ذلك القضية تعقيدا.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يقع حي الشيخ جراح في الجانب الشرقي من البلدة القديمة قرب باب العامود، وعمره أكثر من 900 عام. وتبلغ مساحة الأرض المقامة عليها البيوت المراد إسرائيليا تهجير سكانها الفلسطينيين 18600 دونم.

المزيد من القدس
الأكثر قراءة