عبر مئات الرحلات شهريا.. هكذا تسهم "قوافل الأقصى" بشد الرحال إليه وإنعاش اقتصاد القدس

على مدى 20 عاما ومنذ انطلاقه في 2001، ساهم مشروع "قوافل الأقصى" في شد الرحال إلى المسجد الأقصى وتوطيد الارتباط به وإعمار مدينة القدس.

مئات الزائرين للأقصى من الداخل الفلسطيني يقصدون أسواق البلدة القديمة لشراء حاجياتهم (الجزيرة نت)
مئات الزائرين للأقصى من الداخل الفلسطيني يقصدون أسواق البلدة القديمة لشراء حاجياتهم (الجزيرة نت)

بين 3 إلى 4 حافلات تفرغ حمولتها صباح يوم السبت ضمن مشروع "قوافل الأقصى" في منطقة باب العامود، أحد أبواب البلدة القديمة في القدس، هناك انتظرت الجزيرة نت وصول الحافلة القادمة من قرية بئر المكسور في الداخل الفلسطيني، والتي تبعد 151 كلم عن القدس.

في تمام العاشرة صباحا وصلت الحافلة بعد رحلة استمرت 2.5 ساعة، وترجل ركابها بنشاط، وأصغرهم الطفل طاهر كعبية (9 أعوام) الذي وصل حاملا على ظهره حقيبة مدرسية وتغطي ملامح وجهه الحنطي الصغير كمامة سوداء، قلّما أزالها عن وجهه، وكأنه اعتاد ارتداءها من مبدأ "الشر الذي لا بد منه".

سرنا معه رفقة جدته أم معاذ باتجاه البلدة القديمة، وأبهرتنا سلاسة تجول هذا الطفل في الأزقة العتيقة وكأنه حفظها عن ظهر قلب، فما إن دخل من باب العامود حتى التفت يسارا إلى عربة تختص بألعاب الأطفال، واشترى لشقيقيه ألعابا منها.

ومن طريق الواد اشترى كعك القدس وهدايا لخالاته وعماته، أما من سوق القطّانين فاشترى السكاكر قبل أن يصعد السلالم ويدخل المسجد الأقصى لأداء صلاة الظهر.

بين الحين والآخر، ينشأ حوار بينه وبين جدّته فتناديه بلهجتها الأقرب للهجة البدوية "حبّابة.. تشرب مي؟"، يرفض بصوت منخفض ثم يخبر جدته بالمبلغ المتبقي معه، وما سيشتريه قبل مغادرته القدس.

لحظة وصول حافلة بئر المكسور إلى باب العامود في القدس ويظهر في الصورة الطفل طاهر كعبية (الجزيرة نت)

طفولة استثنائية

جلسنا معه أمام مصلى قبة الصخرة المشرفة في المسجد الأقصى، وقال "أنا أنتظر يوم السبت بفارغ الصبر لأزور القدس والمسجد الأقصى، وأكون سعيدا عندما أتسوق وأصلي في هذا المكان".

وعن أمنيته، قال "ألّا أغادر القدس في اليوم ذاته، فأمنيتي المبيت هنا مع جدتي".

تنظر جدّته إليه طوال الوقت، وتزين وجهها ابتسامة رضا على مسيرتها وحفيدها التي انطلقت قبل 2.5 عام باتجاه الأقصى، وتحفها الروحانيات من جهة وروح المبادرة لإنعاش اقتصاد البلدة القديمة في القدس من جهة أخرى.

وقالت "أعشق الأقصى ولا أشعر بالراحة والطمأنينة سوى في رحابه، وأمنيتي الوحيدة عندما يتزوج كل أبنائي وبناتي أن أعيش بجواره وأقضي وقتي بالصلاة والتجول فيه وبمحيطه".

الطفل طاهر كعبية يدخل مصلى قبة الصخرة المشرفة مع جدته أم معاذ (الجزيرة نت)

مع نهاية عام 2018، بدأت أم معاذ شدّ الرحال إلى المسجد الأقصى، وسرعان ما تحولت إلى منسقة مشروع قوافل الأقصى في قريتها بئر المكسور، وعن ذلك قالت "أحثُّ جميع الفئات على الانضمام إلينا في رحلتنا نحو أولى القبلتين، وأحيانا أسير في الحافلة لقريتي الكعبية وبيت زرازير المجاورتين لاصطحاب المصلين منهما".

أشارت أم معاذ إلى أهمية إعمار المسجد بالمصلين "لتفويت الفرصة على الغرباء للتواجد في الأقصى".

أما عن أهمية القوافل القادمة من مدن وقرى الداخل الفلسطيني في إنعاش اقتصاد البلدة القديمة، فقالت "لا شيء يسعدني أكثر من رؤية النساء عائدات إلى الحافلة وهن يحملن في كلتا اليدين مجموعة من الأكياس، وهذا أقل ما يمكن أن نقدمه لتجار القدس في هذا الوقت بالتحديد، لخسائرهم الفادحة بعد إغلاق حوانيتهم بسبب جائحة كورونا".

وعن حفيدها، قالت "أي شخص منا يعطيه نقودا في بئر المكسور يرفض إنفاق أي منها، ويقول عندما أذهب مع حبّابتي (جدتي) إلى القدس سأشتري بها من هناك.. هو رفيقي الدائم منذ انطلاقي في رحلة شد الرحال للأقصى".

أم محمود ترتاد المسجد الأقصى بشكل مستمر قادمة في الحافلة ذاتها، وخلال مرافقة الجزيرة نت لها من باب العامود إلى باب القطّانين لاحظنا مدى تنوع مشترياتها وأسئلتها المتكررة للتجار عن أسعار السلع المختلفة، كما لفتنا حرصها على اقتناء هدايا تذكارية تحمل صورة قبة الصخرة المشرفة لصديقاتها وأقاربها.

وقالت "أحيانا لا أكون بحاجة لكل هذه المشتريات، لكن من باب دعم صمود التجار في البلدة القديمة أتسوق وأحاول توزيع المشتريات من عدة أسواق".

مادلين عيسى: مشروع قوافل الأقصى ساهم في دعم الاقتصاد المقدسي (الجزيرة نت)

عقدان من شد الرحال

خلال مرافقتنا لركاب حافلة بئر المكسور في أزقة العتيقة، تردد على مسامعنا حديث عدد من الفلسطينيين بلهجات مختلفة من مناطق مختلفة في الداخل الفلسطيني، وجميعهم وصلوا عبر مشروع "قوافل الأقصى" الذي انطلق بتنظيم من جمعية الأقصى عام 2001، ويشد الرحال من خلاله أهالي المثلث والنقب والجليل ويافا وحيفا وعكا والرملة واللد.

ووفقا لمديرة هذا المشروع مادلين عيسى، فإنه يهدف إلى تحفيز الفلسطينيين داخل الخط الأخضر على شد الرحال وإعمار مدينة القدس، وتوطيد الارتباط بالمسجد الأقصى من خلال تزويدهم بالرواية الإسلامية الصحيحة لمعالمه وتاريخه.

وأشارت إلى أن هذا المشروع ساهم طوال السنوات الماضية في دعم الاقتصاد المقدسي وتعزيز صمود التجار بالمدينة، وتم تكثيف نشاطات الجمعية بهذا الاتجاه في ظل جائحة كورونا.

وأضافت "ضمن مشروع قوافل الأقصى، نعمل أيضا على تفعيل الأنشطة الصيفية والجولات الإرشادية داخل المسجد، وزيادة عدد المصلين والمعتكفين فيه".

وتسير جمعية الأقصى ما معدله 200 حافلة شهريا، باستثناء شهر رمضان المبارك الذي تسير فيه نحو 1500 حافلة، وقد بلغ مجموع الحافلات عام 2019 نحو 4 آلاف حافلة أقلّت حوالي 200 ألف معتكف.

وفي عام 2020 ورغم التشديدات وإغلاق المسجد الأقصى لفترات طويلة بسبب تفشي فيروس كورونا، تمكنت الجمعية -وفقا لمادلين عيسى- من تسيير أكثر من 1500 حافلة، وإيصال أكثر من 61 ألف مصلّ إلى القدس من 46 بلدة في الداخل الفلسطيني، بتكلفة مالية مقدارها 2.5 مليون شيكل (نحو 800 ألف دولار أميركي).

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

من ثلاث قارات شد رجال رحالهم إلى الأقصى المبارك لمناجاة ربهم وقضاء العشر الأواخر من رمضان معتكفين بالمسجد الشريف. الجزيرة نت التقت ثلاثة منهم جاؤوا من جنوب أفريقيا وبريطانيا وروسيا.

المزيد من القدس
الأكثر قراءة