بيتي في القدس.. حملة لإغاثة أصحاب المنازل المهدمة في المدينة المقدسة

منزل المقدسية مها الدبس أثناء هدمه ببلدة جبل المكبر في شهر فبراير/شباط من العام الماضي (الجزيرة نت)
منزل المقدسية مها الدبس أثناء هدمه ببلدة جبل المكبر في شهر فبراير/شباط من العام الماضي (الجزيرة نت)

بعد أيام سيكون قد مضى عام على تحويل منزل السيدة المقدسية مها الدبس إلى ركام، ومع مرور الوقت تزداد أزمتها النفسية والمالية اتساعا، وسط مخاوف هذه السيدة من المستقبل القاتم بسبب الديون المتراكمة عليها من جهة، وانعدام أفق بناء منزل جديد يأويها وأسرتها في المدينة المقدسة.

ففي التاسع من فبراير/شباط من العام الماضي ألقت مها وزوجها وأبناؤهما الثلاثة نظرة الوداع على منزل أحلامهم الذي بنوه بمساحة 70 مترا مربعا، ليزيحوا عن كاهلهم تكلفة إيجارات المنازل الباهظة في القدس التي أثقلت كاهلهم لسنوات طويلة.

بلدية الاحتلال في المدينة وقفت لهما بالمرصاد فور بناء المنزل عام 2017 وأبلغت الأسرة أنه سيهدم لعدم استصدار رخصة لبنائه، ولأن قطعة الأرض الخاصة بوالد مها مصادرة وتصنف تحت بند الأملاك العامة.

مها التي سردت للجزيرة نت بتسلسل قصتها الطويلة والمعقدة مع المحاكم الإسرائيلية والدوائر الحكومية الأخرى، قالت إنها ورثت الأرض عن والدها الذي ورثها من والده في بلدة جبل المكبر جنوب القدس.

عائلة مقدسية تجلس أمام ركام منزلها بعد هدمه في بلدة سلوان (الجزيرة نت)

درب مليء بالعقبات

ما نجحت بانتزاعه هذه السيدة المقدسية عام 2017 هو قرار من المحكمة يقضي بتأجيل الهدم لمدة عام، على أن تسعى للحصول على رخصة للبناء مع دفع غرامة مالية بقيمة 45 ألف شيكل (نحو 14 ألف دولار أميركي).

الوثائق والخرائط والالتزام بدفع الغرامة والمحاولات المستمرة لاستصدار رخصة للبناء، لم تشفع لهذه الأسرة المقدسية بالحفاظ على منزلها بعد صدور أمر قضائي نهائي يمهلها أسبوعين لإخلاء المنزل تمهيدا لهدمه.

رغم الصلابة التي أظهرتها مها خلال حديثها عن تجربتها المريرة، فإنها أجهشت باكية بمجرد استذكارها ليوم هدم المنزل، وقالت "وقف والدي الثمانيني بجانبي، وضعت رأسي على صدره وبكيت بحرارة، شعرت بوجع عميق وقلت له كل شيء اندثر.. حلمي انهدم أمام عيني ومستقبل أولادي كذلك".

تبلغ قيمة الديون المتراكمة على مها الآن بين مخالفات بناء وغرامات للمحاكم بسبب خسارتها للقضية نصف مليون شيكل (152 ألف دولار أميركي)، ومن المؤسف أن هذه الديون ستتفاقم لعجز مها وزوجها عن دفع الأقساط المترتبة عليهما، في ظل تضرر عملهما بسبب جائحة كورونا.

تشعر مها أن المقدسي يُترك وحيدا بعد هدم منزله وتُقر بأن المساعدات التي يحصل عليها لا تذكر مقارنة مع حجم الديون التي تترتب عليه، مضيفة أن مساندة المقدسيين من الناحية القانونية خلال معاركهم مع المحاكم والبلدية هي الحلقة المفقودة في دوامة هدم المنازل المستمرة.

ركام منزل دمرته جرافات الاحتلال بالقدس (الجزيرة نت)

"كنت بحاجة لمحامين وقانونيين يسندونني في تثبيت ملكيتي للأرض التي صادرها الاحتلال ولم يبلغنا بذلك، فالأرض ملكي مع وقف التنفيذ لأنها مغتصبة والمنزل الذي بني عليها سُوي بالأرض.. لم يساعدني أحد في هذا الاتجاه ولم يعطيني أحد بريق أمل".

لإسناد مها وغيرها ممن أجبروا على هدم منازلهم ذاتيا أو من خلال جرافات الاحتلال، يستعد ملتقى "كلنا مريم" بالشراكة مع مؤسسة "نساء الأقصى" التركية، لإطلاق مبادرة عالمية تحمل اسم "بيتي في القدس" للتعبير عن تضامن نساء الأمة مع السيدات والعائلات المقدسية التي تتعرض منازلها للهدم بسبب إجراءات الاحتلال التعسفية في القدس.

الناطقة الإعلامية باسم حملة "بيتي في القدس" جلنار فهيم قالت للجزيرة نت، إنه خلال عام 2020 ورغم ظروف جائحة كورونا فإن عدد المنازل التي هدمت في المدينة وصل إلى 197 منزلا، 77 منها أجبر أصحابها على هدمها ذاتيا لتجنب تكاليف الهدم في حال أقدمت جرافات البلدية على ذلك.

"هذا دفعنا للتأمل في ملتقى كلنا مريم بأنه لا بد من وقفة فاعلة وحقيقية على أرض الواقع، فاتفقنا مع مؤسسة نساء الأقصى على إطلاق حملة بيتي في القدس التي ستحمل وسم (بطلعش) وهي الكلمة التي يرددها كل المقدسيين عند هدم منازلهم تأكيدا لرفضهم مغادرة المدينة رغم الكارثة التي حلت بهم".

وتهدف الحملة وفقا لفهيم للتعريف بجرائم الهدم التي تنفذ في القدس وآثارها الاجتماعية والنفسية، وإيصال رسائل من أحرار العالم ومن نساء الأمة للمقدسيات وعائلاتهن، بالتضامن والمشاركة في تحمل أعباء الصمود والثبات في القدس.

الطفل المقدسي محمد الدبس يقف أمام ركام منزله الذي هدم العام الماضي (الجزيرة نت)

إسناد وإغاثة عاجلة

وتهدف الحملة أيضا لتفعيل دور نساء الأمة في إسناد العائلات المقدسية لمواجهة إجراءات الهدم المستمرة، والتخفيف من الآثار السلبية على مستقبل وتماسك الأسر التي تعرضت منازلها للهدم في المدينة.

ومن المفترض أن تستمر الحملة لـ4 أشهر، ومن أبرز فعالياتها حسب الناطقة الإعلامية باسمها نشر محتوى ومواد إعلامية بـ4 لغات ستنطق بها الحملة هي العربية والإنجليزية والتركية والفرنسية، وستضاف إليها لاحقا لغات مثل الأردية والألمانية وغيرهما.

وستعقد لقاءات ومنتديات نسائية عالمية للتعرف على الأبعاد الإنسانية والاجتماعية لعمليات الهدم، إضافة لإطلاق حملات لجمع التبرعات لصالح تسكين وإيواء العائلات التي هدم الاحتلال منازلها وإنشاء "صندوق بيتي في القدس".

جلنار فهيم أوضحت أن هذا الصندوق سيقدم الدعم السريع والعاجل للعائلات من خلال توفير مسكن بديل في القدس وتأمين المستلزمات والخدمات الأساسية للأسر المنكوبة.

"سيخصص الصندوق مبلغ 10 آلاف دولار أميركي لكل عائلة لتغطية النفقات الأساسية المستعجلة، وتشمل أجرة سكن بديل في القدس لمدة 6 أشهر بمبلغ 6 آلاف دولار، وتوفير الحد الأدنى من الأثاث والأجهزة المنزلية بقيمة 3 آلاف دولار، بالإضافة لشراء المستلزمات الأساسية العاجلة للعائلة بقيمة ألف دولار".

وتتوقع جلنار أن يكون التفاعل مع الحملة قويا جدا من الجماهير العربية والعالمية والإسلامية، لأن العالم أجمع يرفض الظلم والاضطهاد والاحتلال.

وأكدت أنه "بمجرد تسرب الأخبار عن الحملة تلقفتها الجماهير ووسائل الإعلام واهتموا بها قبل انطلاقها، وهذا يعطينا أملا بأن تكون الحملة قوية وفاعلة".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من القدس
الأكثر قراءة