من كرسيها المتحرك.. سائدة جاد الله قصة نجاح وإصرار بمدارس القدس

حادثة أثناء الطفولة غيرت حياة سائدة بالكامل لتستيقظ يوما وقد تيبست قدماها وفقدت القدرة على المشي، ولكنها قابلت ذلك بصبر وعزم على تحويل إعاقتها إلى طاقة إيجابية.

سائدة جاد الله في حفل تخرجها ونيلها شهادة إدارة الأعمال من جامعة القدس المفتوحة (الجزيرة نت)
سائدة جاد الله في حفل تخرجها ونيلها شهادة إدارة الأعمال من جامعة القدس المفتوحة (الجزيرة نت)

في قرية بيت عور التحتا (غربي رام الله) تجلس سائدة خليل جاد الله على كرسيّ متحرك يحملها، وتحمل هي ذكريات 40 عاما في مدينة القدس المحتلة، التي عاشت فيها أكثر مما عاشته في قريتها، وكانت أول طالبة من ذوي الاحتياجات الخاصة تدرس في المدارس الاعتيادية بالقدس والضفة الغربية.

وأصيبت جاد الله وهي في سن 12 من عمرها بشلل نصفي من منتصفها حتى أخمص قدميها، لتبدأ بعدها رحلة السكن في القدس وخوض التحديات وإحراز الإنجازات، وتنتهي "بفصل تعسفيّ من وظيفتها في مؤسسة الأميرة بسمة بالقدس، التي عملت فيها أكثر من 20 عاما"، كما تقول.

فازت سائدة جاد الله بجائزة مسابقة التميز الدولي على مستوى فلسطين لعام 2016 (الجزيرة نت)

نقص اللقاح غيّر حياتها

لا تفارق البسمة وجه سائدة حتى وهي تقول لنا "طول عمري وأنا بدفع الثمن"، مستذكرة أنها ولدت خلال حرب النكسة عام 1967 التي دفعت أهلها للجوء إلى المُغر والجبال، فهربت بها أمها بعد 40 يوما من إنجابها. وتذكر قائلة "لم تستطع أمي إرضاعي أو تغيير حفاضي لصعوبة الوضع آنذاك، وفاتني لقاح مهم بسبب تواجدنا في الجبل".

غيرت تلك الحادثة مجرى حياة سائدة بالكامل، لكنها لم تكتشف ذلك إلا في 12 من عمرها، فقد كانت طفلة معافاة تلهو وتلعب وتتفوق على أقرانها في المدرسة، لكنها استيقظت يوما وقد تيبست قدماها وفقدت القدرة على المشي، فأخذها والداها إلى أحد مشافي مدينة رام الله، وهناك ساء وضعها الصحي ونُقلت إلى أحد المشافي الإسرائيلية في القدس المحتلة.

مكثت سائدة في العناية المكثفة شهرا كاملا لمحاولة إنقاذ حياتها من جرثومة انتشرت في جسدها جراء عدم تلقيها اللقاح اللازم وهي رضيعة، وبعد ذلك تلقت وعائلتها الخبر الصادم حول إصابتها بشلل نصفي، ومن ثم انتقلت للعلاج الطبيعي في مؤسسة الأميرة بسمة لذوي الاحتياجات الخاصة بالقدس.

أصرت سائدة على استكمال دراستها في المدارس الاعتيادية بالقدس رغم إصابتها بالشلل النصفي (الجزيرة نت)

بداية الرحلة في القدس

لم يكن من السهل على سائدة الطفلة أن تتقبل مبيتها بعيدا عن أهلها، وألا تتمكن من قضاء حاجاتها الأساسية إلا بعون ومدد، مرت الليالي الأولى ثقيلة لكنها تجاوزتها بوجود مديرة المؤسسة السيدة بيتي مجج، التي كانت أمًّا ثانية لها -حسب تعبيرها- إلى جانب أمها مسرّة التي كانت تزورها يوميا من بيت عور التحتا إلى القدس.

خلال فترة العلاج انقطعت سائدة عن الدراسة، واضطر والدها لبيع قطعة أرض في قريتهم لشراء جهاز يساعدها على الحركة، لكنها تعرضت مجددا لانتكاسة صحية ألزمتها المشفى 6 أشهر، وكادت أن تؤدي إلى قطع إحدى ساقيها، لولا رجاء أمها للأطباء أن ينقذوها، وتروي سائدة ذلك والدمعة في عينيها "كنت الوسطى بين 8 أخوة، ورغم ذلك اهتم والداي بي كثيرا، وقدموا التضحيات لأجلي".

تركت سائدة جاد الله كل ذكرياتها ومحيطها الاجتماعي في القدس وعادت إلى قريتها (الجزيرة)

سابقة في مدارس القدس

بعد شفائها عادت سائدة إلى جانب 50 طفلا من ذوي الاحتياجات الخاصة في مؤسسة الأميرة بسمة، لكنها قررت التميّز والتسجيل في مدرسة اعتيادية بالقدس، الأمر الذي لم يكن مألوفا آنذاك، ورغم ذلك بدأت الدراسة في مدرسة الطور الإعدادية، واندمجت بين الطالبات اللاتي أحببنها، لدرجة جعلتهن يحملن كرسيها المتحرك 12 درجة صعودا ونزولا نحو غرفة الصف.

انتقلت سائدة لدراسة المرحلة الثانوية في مدرسة المأمونية بالقدس رغم معارضة مديرها في البداية، لكنها استطاعت خلال أسبوعين تغيير وجهة نظره، مما جعله يطلب انضمام المزيد من ذوي الاحتياجات الخاصة إلى مدرسته.

نجحت الطالبة المتفوقة في دخول المدرسة، لكنها لم تنجح في صعود درجات صف الفرع العلمي الذي حلمت به بسبب كرسيها المتحرك؛ فدخلت الفرع التجاري، واجتازت الثانوية العامة بنجاح رغم مرضها الشديد أثناء إحدى الجلسات ووجود 200 درجة مؤدية إلى قاعة الامتحانات.

عملت سائدة جاد الله في مؤسسة الأميرة بسمة بالقدس أكثر من 20 عاما (الجزيرة نت)

تعليم جامعي ووظيفة

نالت سائدة دبلوم إدارة الأعمال من الكلية الإبراهيمية في القدس، ثم تطوعت للعمل في مؤسسة الأميرة بسمة التي حوتها ودعمتها طوال سنوات دراستها، ثم نالت شهادة البكالوريوس في التخصص ذاته من جامعة القدس المفتوحة، وتوظفت رسميا عام 1994 في مؤسستها بعد تطوعها.

ولأكثر من 20 عاما عملت سائدة بتفانٍ في المؤسسة كأنما تعمل في بيتها، وتابعت "كنت أعيش وأعمل فيها، وأزور قريتي وأهلي بشكل دوري، كنت أدعم الطلبة من ذوي الاحتياجات الخاصة، حتى إن أمهاتهم بتن ينظرن إليّ ويدعين أن يصبح أطفالهن مثلي".

لم تتوقف إنجازاتها عند هذا الحد، بل أطلقت مؤسسة "نجوم المستقبل" في القدس، وكانت من مؤسسي "الاتحاد الدولي لذوي الإعاقة" عام 1991، وحرصت على حضور جميع المحافل الخاصة بذوي الاحتياجات الخاصة ومشاركة قصتها الملهمة، كما نالت عام 2016 جائزة "التميز والإبداع الدولي" على مستوى فلسطين.

تشغل سائدة جاد الله وقتها بحياكة الصوف بعد عودتها إلى قريتها (الجزيرة نت)

فصل عن العمل والجذور

دخلت كلمة "يا عمري" في كل جمل سائدة البشوشة أثناء تحدثها إلينا، حيث استضافتنا في بيتها المتواضع في قريتها بيت عور التي عادت إليها، بعد تغيّر إدارة مؤسسة الأميرة بسمة، و"فصلها تعسفيا بحجة الوضع المالي"، كما تقول.

تجلس سائدة اليوم وحيدة في بيتها بعد وفاة والديها وزواج أخوتها، وتقول إنها لم تُفصل من عملها فقط، بل فُصلت عن القدس التي عاشت سنوات عمرها فيها، وفصلت عن أصدقائها ومحيطها هناك، حتى وقعت في فراغ اجتماعيّ وماليّ كبير، بعد أن كانت مستقلة ماديا لسنوات طويلة.

أدارت سائدة عجلات كرسيها نحو الخارج لترى أشعة الشمس وتحيك الصوف، مخفية دمعة اشتياق وقهر، وتودعنا قائلة "القدس كل حياتي، كأنني اقتلعت من جذوري".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تكشف معاناة الشاب يوسف أبو شوارب مع الإعاقة جزءا من الواقع المأساوي لذوي الاحتياجات الخاصة في غزة، حيث يتقلبون على جمر حرمانهم من حقوقهم الإنسانية ويتجرعون مرارة الإهمال منذ سنوات.

المزيد من القدس
الأكثر قراءة