الزاوية النقشبندية في القدس.. وضوح المعالم واندثار الطقوس

الزاوية النقشبندية (البخارية) تأسست عام 1731 في القدس على يد الشيخ عثمان بك البخاري المعروف بالصوفي

مدخل الزاوية النقشبندية في البلدة القديمة بالقدس (الجزيرة)
مدخل الزاوية النقشبندية في البلدة القديمة بالقدس (الجزيرة)

سواء دخل الزائر إلى البلدة القديمة في القدس من باب الأسباط أو من باب العامود سيجد الزاوية النقشبندية (البخارية) تتربع على يساره رغم اندثار كافة الأنشطة التي اشتهرت بها على مدار قرون.

قبل الوصول إلى الزاوية يقف الزائر عند مفترق ثبتت على يمينه لافتة كتب عليها "عقبة الراهبات"، وعلى يساره لافتة أخرى كتب عليها "طريق باب الغوانمة" المؤدي إلى المسجد الأقصى، وأمامه لافتة خضراء تشير إلى مسجد الزاوية النقشبندية.

بالدخول من البوابة الرئيسية استقبلت الجزيرة نت هناك وفاء البخاري الابنة الوحيدة من أبناء وبنات شيخ الزاوية الراحل، والتي ما زالت تعيش في المكان وتحرس ذكرياته وبعض مقتنياته الأثرية.

وفاء البخاري تعتني بالقبر الذي يضم والدها وجدها وأحد أجداد العائلة (الجزيرة)

حارسة الذكريات

في البستان الأمامي لمنزلها وضعت وفاء الكثير من المحتويات القديمة للزاوية، سواء كانت أواني فخارية أو نحاسية، واهتمت بالمزروعات والأشجار المثمرة وبرعاية قبر والدها وجدها وأحد أكبر أجداد العائلة المدفونين في مؤخرة البستان، وجميعهم كانوا شيوخا للزاوية.

في البستان -الذي تقع على يساره مباشرة مئذنة باب الغوانمة إحدى مآذن المسجد الأقصى- روت وفاء البخاري تاريخ الزاوية قائلة إنها تأسست عام 1731 على يد الشيخ عثمان بك البخاري المعروف بالصوفي، وكان أحد مؤسسي مفهوم الطريقة النقشبندية في التصوف، وتعد أكثر اعتدالا من الطرق الصوفية الأخرى، وتعتمد طريقة الهمس في الأذكار وأداء العبادات بعيدا عن الرقصات الصوفية التي اشتهرت طرق أخرى بها.

قدمت عائلة البخاري من مدينة بخارى في أوزبكستان إلى مدينة القدس قديما لنشر الطريقة النقشبندية الصوفية القادمة من كلمة "أوزبكية" (نقش بند)، أي أن الله منقوش على قلب المؤمن، وفقا للابنة البخاري.

مئذنة باب الغوانمة في المسجد الأقصى كما تظهر من بستان وفاء البخاري (الجزيرة)

بالانتقال إلى داخل المنزل أكملت وفاء (62 عاما) حكاية هذه الزاوية قائلة إنها ترعرعت في الأجواء الروحانية بوجود المتصوفين دائمين وآخرين من الضيوف العابرين في الزاوية الملاصقة للمسجد الأقصى على مدار العام.

"في صغري كان الفضول يدفعني للدخول إلى حجرات المتصوفين ومراقبة طقوسهم، وكنت أراهم يتعبدون على مدار الساعة، لكن تتكثف أذكارهم وقراءتهم للقرآن بعد صلاة العشاء بوتيرة ثابتة كل يوم".

حافظ الأوزبك من المتصوفين والضيوف وأفراد عائلة البخاري -سواء شيخ الزاوية أو أبناؤه أو النساء- على ارتداء الزي الأوزبكي الذي يتميز بالألوان الزاهية، إذ يرتدي الرجال -وفقا لوفاء- عباءة مصنوعة من القطن والحرير أو القطن والصوف حسب الحالة المادية للشخص، أما النساء فيرتدين فساتين مزركشة ويضعن فوقها شالا على أكتافهن والحجاب على رؤوسهن.

عاشت وفاء مع أشقائها وشقيقاتها أيام انتعاش الزاوية على يد والدها الشيخ موسى البخاري الذي توفي عام 1973، وقبله جدها يعقوب البخاري الذي توفي عام 1956، وتتذكر في طفولتها وشبابها وجود 3 متصوفين دائمين في الزاوية، أحدهم من مدينة بخارى، والثاني من مدينة سمرقند، والثالث من تركستان الشرقية، والذين قرروا البقاء في مدينة القدس بجوار المسجد الأقصى وعدم العودة إلى ديارهم كبقية الحجاج الذين كانوا يمرون على الزاوية كضيوف مؤقتين لتقديس الحج في القدس بعد أداء هذه الفريضة في مكة المكرمة.

شيخ الزاوية الراحل موسى البخاري وأبناؤه (الجزيرة)

مهام روتينية

وعن المهام التي كانت منوطة بوالدها شيخ الزاوية، قالت إنه بالإضافة إلى وظيفته التي يعتاش منها كقاض شرعي فإنه كان مسؤولا عن رعاية الزوار والمقيمين بتوفير المأكل والمشرب والمبيت والعلاج ومساعدة الفقراء منهم، بالإضافة إلى عقد الاجتماعات وحلقات الذكر الجماعية وتنظيم جولات في القدس والمسجد الأقصى لكل ضيوف الزاوية.

أما المهام التي كانت منوطة بوالدتها زوجة شيخ الزاوية فأوضحت وفاء أن مهامها كانت منهكة من الناحية الجسدية، فهي من كانت تعد الطعام لكافة الضيوف وتوفر الأغطية والفرش النظيف لهم وكافة المستلزمات الأخرى في حجراتهم، بالإضافة إلى إعداد الوليمة الضخمة التي اشتهرت بها الزاوية في يوم الخميس من كل أسبوع، وهي الأرز البخاري الذي يقدم مع البصل والجزر واللحم، والحساء البخاري المكون من الخضروات والعجينة المحشوة باللحم.

"كان يجتمع حول هذه الوليمة الضيوف والمتصوفون والحجاج والفقراء، والمخصصات التي كانت تنفق على فعاليات الزاوية كانت تأتي من إسطنبول في عهد الدولة العثمانية، ولاحقا مخصصات بسيطة من الأوقاف الأردنية خلال الحكم الأردني للقدس، وتوقفت كافة المخصصات مع احتلال القدس عام 1967".

بذل الشيخ موسى جهده كي تستمر أنشطة الزاوية رغم التضييق، لكنها اندثرت جميعها مع رحيله عام 1973.

إحدى الغرف بمنزل وفاء وكان يطلق عليها اسم "ديوان الزاوية" للاجتماعات الخاصة واستقبال الشخصيات الرفيعة (الجزيرة)

وبالتطرق إلى حياة والدها تنتعش وفاء تارة وتدخل في نوبة حزن عميقة تارة أخرى، لكن ما يعزيها أنها محاطة بالكثير من الذكريات، منها الكتب القديمة التي ورثتها من المكتبة الضخمة التابعة للزاوية، والتي قالت إنها كانت شاملة لكافة التخصصات من مراجع عن الطرق الصوفية وكتب الفقه والأحاديث النبوية، والتاريخ واللغة العربية والنحو والفلك والفلسفة والمنطق وغيرها.

تجلس وفاء في الغرفة المطلة على البستان على أريكة أثرية تعود إلى عهد جدها الشيخ يعقوب البخاري وحولها عشرات الكتب القديمة، وأمامها نحاسيات استخدمت في مجالات متعددة في الزاوية قديما.

تتجول ببصرها بين القطع وتعود بذاكرتها إلى عشرات السنين لتصف تفاصيل المكان قديما قائلة إن غرفة الديوان التي تحتفظ داخلها بأرشيف الصور وبلباس جدها ووالدها، كانت مخصصة قديما للاجتماعات واستقبال الدبلوماسيين وعقد جلسات الإصلاح بين الناس.

منزل وفاء يضم كتبا وأرائك أثرية (الجزيرة)

"هنا كان يجلس والدي، وهناك كانت تجلس النساء في مجلس الحريم، وهذه البئر هي واحدة من 10 آبار كانت تتبع للزاوية التي وصلت مساحة أملاكها إلى نحو 4 دونمات، قديما بيع منها الكثير وتحول استخدامها إلى سكن للعائلات المقدسية، بالإضافة إلى مساحة كبيرة اشتراها المغرب قبل سنوات وسيحولها إلى مركز ثقافي".

انتشلت وفاء البخاري نفسها من كومة ذكريات تأبى مغادرتها مع صوت أذان الظهر يصدح عاليا من مئذنة باب الغوانمة المجاورة، ومع صوت الأذان قالت "مسجد الزاوية النقشبندية ما زال كما هو، وتقام فيه حتى الآن صلاتا الظهر والعصر، وهذا ما يؤنس وحدتي، بالإضافة إلى مجاورتي للأقصى".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

عانى وادي عُبيد الله -رغم مساحته الكبيرة وقربه من سور القدس والمسجد الأقصى الشرقي- من الإهمال، ويندر الحديث عنه في المراجع العربية المكتوبة، كما غاب تماما عن وسائل الإعلام.

فوق الأرض وأسفلها تعجّ مدينة القدس بالآثار والمعالم التاريخية التي لا يتصورها كثيرون ممن يعيشون خارج المدينة، ولعل وجود قبور الموتى داخل المنزل أو حديقته يعد من الظواهر التي تمتاز بها المدينة المقدسة

بالخروج من المسجد الأقصى من باب السلسلة، يصل الزائر بعد أمتار على يساره إلى مبنى المكتبة الخالدية التي تأسست عام 1900، وفي البهو الرئيسي يوجد 3 قبور يعود تاريخها للفترة الأيوبية المتأخرة.

المزيد من القدس
الأكثر قراءة