"فداك يا أقصى روحي وبيتي وأولادي".. حكاية المقدسية أسماء الشيوخي مع هدم منزلها في سلوان

هدمت جرافات البلدية منزل أسماء الشيوخي للمرة الأولى عام 2016 وقررت إعادة بنائه فورا، لكن الخناق اشتد عليها هي وأسرتها مع دخول المستوطنين الحي واستقرارهم في عقار يجاور منزلها سُرب للجمعيات الاستيطانية قبل 5 أعوام

2-أسيل جندي، سلوان، القدس، أسماء الشيوخي تقف أمام منزلها ويظهر في مؤخرة الصورة سور القدس التاريخي والمسجد الأقصى المبارك(الجزيرة نت).JPG
أسماء الشيوخي تقف أمام منزلها ويظهر في الصورة سور القدس التاريخي والمسجد الأقصى المبارك (الجزيرة)

القدس المحتلة – في زقاق من أزقة الحارة الوسطى ببلدة سلوان جارة المسجد الأقصى، سارت الجزيرة نت بحثا عن منزل المقدسية أسماء الشيوخي (أم محمد) الذي داهمته الشرطة الإسرائيلية رفقة طواقم البلدية وسلمت صاحبته أمرا يمهلها أياما معدودة لهدم منزلها ذاتيا، أو الاستعداد لهدمه بأنياب جرافات الاحتلال.

في الطريق لا بد للزائر أن يسأل عن موقع المنزل، فلا يعرف تفاصيل أزقة سلوان سوى ساكنيها، وجميعهم يعرفون جيدا موقع هذا المنزل وصاحبته أم محمد الشيوخي، التي ألف سكان المدينة وجهها في المسجد الأقصى وفي ميادين القدس التي صدحت حنجرتها بها ضد المحتل.

وقفت أمام باب منزلها تنتظر وصولنا ترتدي عباءة سوداء وتحمل بيدها هاتفها الذكي الذي وضعت داخل غطائه أمر الهدم الجديد، تلتفت يمينا ويسارا تحدث كل المارين وتلقي عليهم التحية.

هموم الحياة جبال ثقال تجثم على صدر هذه السيدة المنحدرة من قرية الشيوخ في محافظة الخليل جنوبي الضفة الغربية، التي غادرتها بعد زواجها وانتقالها للعيش في القدس عام 1987.

بدأت ملاحقتها والانتقام من أبنائها منذ عقدين، عندما قررت أم محمد -التي ولدت عام 1964- الوجود في المسجد الأقصى بشكل يومي بعد اقتحام شارون لساحاته وانطلاق شرارة الانتفاضة الثانية منه.

6-المقدسية أسماء الشيوخي(الجزيرة نت)ملاحقة أسماء بدأت عندما قررت الوجود في المسجد الأقصى بشكل يومي (الجزيرة)

ملاحقة مستمرة

لم يرق للاحتلال وجود هذه السيدة بشكل دائم في هذا المكان المقدس، ولاحقا لم يرق له اعتراضها على اقتحامات المستوطنين له؛ فبدأ باستدعائها واعتقالها وتسليمها أوامر إبعاد عن الأقصى، ومع بلوغ أي من أبنائها الستة 14 عاما تبدأ رحلة ملاحقتهم بالاعتقالات والتحقيق والضرب والإبعاد والسجن المنزلي والفعلي.

كل ذلك لم يثن أم محمد عن مواصلة طريق نضالها ضد الاحتلال، لأنها تقول إنها نشأت في منزل عائلة مناضلة "ارتقى عمي شهيدا، ووالدي وأشقائي عاشوا سنوات طويلة من حياتهم داخل السجون، وكنت والأطفال نشارك في كل التظاهرات والاحتجاجات ضد الاحتلال".

ضحكت هذه السيدة رغم ألمها وقالت "يوم زفافي كانت المواجهات مندلعة في قريتنا، توجهت مع المتظاهرين رشقت الحجارة ثم ذهبت لتصفيف شعري استعدادا للزفاف.. أتتوقعون من امرأة مثلي الاستسلام لأوامر هدم أو إبعادات أو اعتقالات؟!"

هدمت جرافات البلدية منزل أسماء الشيوخي للمرة الأولى عام 2016، وقررت إعادة بنائه فورا، لكن الخناق اشتد عليها هي وأسرتها مع دخول المستوطنين الحي واستقرارهم في عقار يجاور منزلها سُرب للجمعيات الاستيطانية قبل 5 أعوام.

منزل عائلة فلسطينية في سلوان بعد هدمه بالجرافات الإسرائيلية (الجزيرة)

شكاوى المستوطنين حسمت أمر الهدم

تقول أم محمد "مناوشات يومية مع المستوطنين وحراسهم والجيش الذي يتناوب على حراستهم للاعتداء على من يقترب منهم.. بدأت المخابرات تستدعيني، وتقول إنها ستهدم منزلي لأن المستوطنين يشتكون مني ويصفون أبنائي بـ’أبناء الإرهابية‘، وأنه لا بد من إخراجنا من المنطقة".

قررت أسماء التي تعاني عدة أمراض مزمنة عدم التوجه لأي استدعاء لها لمقابلة المخابرات، ومزقت ابنتها أحدث أوامر الاستدعاء الذي كان بتاريخ 22 سبتمبر/أيلول الماضي، وقالت "تُطرح الأسئلة ذاتها، وأسمع التهديدات ذاتها، وأتسلم أمرا جديدا بالإبعاد عن المسجد الأقصى.. قررت أن أدير ظهري لاستدعاءاتهم وليفعلوا ما يشاؤون".

لم يكن قرع الباب والجرس يوم الاثنين الماضي بهدف تسليم أمر لها للقاء المخابرات ولا لاعتقال أحد أبنائها، إذ استيقظت أم محمد من نومها فزعة، وسألت عن هوية الطارق، فأجابها "الشرطة، افتحي فورا"، ارتدت عباءتها على عجل ووجدت قوة بانتظارها خلف الباب الحديدي.

وتضيف "طلب دخول المنزل فمنعته، وبدأتُ بشتمه وقلت له متى سترحلون عنا؟ عذبتم البشر والشجر والحجر والأموات في قبورهم، ماذا تريدون منا بعد؟ فأجاب: هذا أمر جديد لهدم منزلك، إما أن تهدميه بيدك أو ستهدمه جرافاتنا".

1-أسيل جندي، سلوان، القدس، أسماء الشيوخي تقف أمام منزلها ويظهر في مؤخرة الصورة سور القدس التاريخي والمسجد الأقصى المبارك(الجزيرة نت)أسماء الشيوخي تقف أمام منزلها ويظهر في خلفية الصورة سور القدس التاريخي والمسجد الأقصى المبارك (الجزيرة)

تصر أم محمد على الثبات على موقفها بعدم الإقدام على هدم منزلها بيدها وترك هذه الجريمة للمحتل وحده لتنفيذها، وأضافت "سأبنيه للمرة الثالثة والرابعة، هذا ثمن الرباط في المسجد الأقصى".

في حال هُدم المنزل للمرة الثانية بحجة عدم الترخيص فإن غرفة واحدة ستسلم منه لأنها بنيت قبل عقود طويلة، لكنه سيخلو من اثنين من المرافق المهمة، وهما المرحاض والمطبخ.

تجولت الجزيرة نت في منزل أم محمد الصغير وهي تقول "انظروا ما أجمل مطبخي سأصاب بالجنون إذا هُدم.. هذه غرفتي، وتلك غرفة الأولاد الذكور، والأخرى للإناث.. يا إلهي ما أعمق قهري".

يأتي صوت من السلالم الخارجية قائلا لها "هذه ضريبة الرباط، يا أمي، وعلينا أن ندفعها".

رافقتنا إلى الباب الخارجي المطل على سور القدس التاريخي والمسجد الأقصى المبارك خلفه وهي تخاطب الأقصى قائلة "فداك يا أقصى.. فداك روحي وبيتي وأولادي".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

انسجاما مع سياسته الساعية لتهجير الفلسطينيين من القدس الشرقية وإحلال مستوطنين مكانهم، فرضت قوات الاحتلال طوقا أمنيا على منزل من طابقين بحي سلوان، فيما بدأت الجرافات إزالة المنزل،

المزيد من القدس
الأكثر قراءة