لحظة الإفراج عنهم.. هكذا يقتل الاحتلال فرحة الأسرى المقدسيين

الأسير المحرر مالك بكيرات مع والده ووالدته بعد الإفراج عنه (الجزيرة)
الأسير المحرر مالك بكيرات مع والده ووالدته بعد الإفراج عنه (الجزيرة)

"كنتُ مهيأ نفسيا لاعتقالي لحظة الإفراج عني؛ لكن هذه النقمة تحولت لواحدة من أجمل النعم التي حظيت بها في حياتي"، فأسرى القدس في السجون الإسرائيلية باتوا يعلمون جيدا أن عليهم إضافة يوم أو يومين لتاريخ الإفراج عنهم احتياطا، هكذا بدأ الأسير المقدسي المحرر مالك بكيرات (41 عاما) حديثه للجزيرة نت.

وبابتسامة لم تخبُ، ولم تنمح عن محياه تحدث الأسير المقدسي عن إجراء الاحتلال المتبع منذ سنوات باعتقال أسرى القدس لحظة الإفراج عنهم من السجون، وتحويلهم لمركز تحقيق "المسكوبية"، ومحاولة تنغيص فرحتهم بتلفيق تهم للأسير وذويه. ومالك هو الأحدث في قافلة الأسرى المقدسيين المحررين ممن تعرضوا لهذا الإجراء بُعيد الإفراج عنه الأسبوع الماضي من سجن النقب الصحرواي.

ويقول بكيرات، أثناء استقباله للجزيرة نت في منزل عائلته ببلدة صور باهر (جنوب القدس)، إنه تنسم الحرية للحظات تمكن خلالها من احتضان شقيقيه، ثم اقتيد فورا لمركز التحقيق؛ ليجد نفسه أمام تُهم ارتكبها، وهو لم يتحرر من السجن فعليا. ويضيف "وجهوا لي تهمة التحضير لاحتفال مهيب، وأنني خلال الأسر تواصلت مع الخارج لترتيب الاستقبال، وأجبتُ المحقق أنني ما زلت بالسجن، ولا يمكنني القيام بذلك أساسا"، يضيف مالك.

وبعد تحقيق استمر 3 ساعات أحضر المحقق له أمر اعتقال مطبوع ومختوم، ويرى بكيرات أنه تم تجهيزه مسبقا؛ لأن هذا الإجراء بات روتينيا لدى مخابرات الاحتلال تجاه أسرى القدس، ويذكر أنه قال للمحقق "أنا نقلت من سجن إلى سجن، ولا يؤثر بي ما تقومون به، افعلوا ما تشاؤون فلتمددوا اعتقالي يوما أو يومين.. أنتم تعاقبون أمي وابنتي، ولا تعاقبونني بتاتا؛ لأنني مسلوب الحرية منذ 19 عاما".

مالك بكيرات: الاحتلال وجه لي بعد الإفراج عني تهم التحضير لاحتفال مهيب (الجزيرة)

لقاء بالزنزانة بعد فراق لعقدين
بدلا من الإفراج عن بكيرات بعد التحقيق معه، والتأكد من بطلان التهم الموجهة إليه، اعتُقل والده نائب مدير الأوقاف الإسلامية في القدس، الشيخ ناجح بكيرات، واجتمعا في الزنزانة ذاتها بعد حرمان الوالد من زيارة نجله في السجون خلال السنوات الخمس الأخيرة.

ويقول "مشهد استثنائي كان لقائي بوالدي؛ لأنني منذ 19 عاما لم أخرج للمحاكم سوى بالملابس الرسمية للأسرى ذات اللون البني، ويوم تحرري ارتديت ملابس مدنية، ووالدي جاء إلى المسكوبية مرتديا بدلة رسمية جديدة اشتراها خصيصا ليوم تحرري، جلسنا وتحدثنا لساعات طويلة، وحمدت ربي أن جمعني به في آخر ليلة بالسجن، التي أعتبرها نعمة وواحدة من أجمل ليالي عمري".

الشيخ ناجح بكيرات رغم اعتقال نجله لحظة الإفراج عنه أطلق الوصف ذاته على تلك الليلة، وقال إنه فضّل السجن على التحرر بعد رفضه التوقيع على شرط يقضي بعدم استقبال المهنئين في منزله، رغم موافقته على بعض الشروط مثل عدم تنظيم مسيرة لاستقبال الأسير، ورفع الرايات الحزبية، والعلم الفلسطيني؛ لأن ذلك يخل بالأمن في المدينة المحتلة، وفق ادعاء الاحتلال.

ويقول بكيرات الأب "قلت للمحقق سأفتح بيتي لاستقبال المهنئين كافة، فعلق فورا إذن أنت تعتز بما فعله ابنك!، أجبته قطعا أعتز بمالك، وبكل أسير فلسطيني ضحّى وقدّم للوطن.. فقال اذهب للسجن إذن، وهكذا التقيت بمالك بعد 19 عاما بالزنزانة".

ويؤكد في حديثه للجزيرة نت إن "للأسرى كرامتهم، ولا يمكن أن يُقبل بأن يكونوا منبوذين في المجتمع كما يريد لهم الاحتلال".

الفرحة جاءت متأخرة، وبزغ فجر الحرية لمالك ووالده في اليوم الأخير من العام المنصرم؛ لكن بعد تحررهما بساعة واحدة أعاد الاحتلال اعتقال الشيخ ناجح بكيرات من منزله بحجة أنه خرق إجراءات الحجر الصحي، وأن استقبالا تم لنجله في ساحة المنزل، وبعد ساعات أُفرج عنه بكفالة ومخالفة تعسفية.

الأسير المقدسي المحرر وسيم الجلاد اعتقل أيضا لحظة الإفراج عنه بتهمة التحضير لاحتفالات ضخمة (الجزيرة)

الأسير المقدسي المحرر قبل عام ونصف العام، وسيم الجلاد، كان الاعتقال لحظة الإفراج عنه ينتظره أيضا، ووجهت له التهم ذاتها بالحصول على أموال من جهة إرهابية للتحضير لتنظيم احتفالات ضخمة.

ويقول للجزيرة نت "طلبوا مني التوقيع على شروط عدم رفع الرايات الحزبية الفلسطينية، ورفضت لأنني لستُ مسؤولا عن تصرفات الآخرين، وطلبوا أن يكون أهلي حراسا على المهنئين؛ لضمان عدم رفع الرايات، وقلت لهم أهلي لا يعملون حراسا لدى الاحتلال.. وهكذا رفضوا الإفراج عني، وحولوا قضيتي لمحكمة الصلح ثم للمحكمة المركزية".

محاكمة وكفالة
أُفرج عن الجلاد بعد عرضه على المحكمتين بكفالة مالية قيمتها 95 ألف شيكل (30 ألف دولار أميركي)، بالإضافة لمنعه من دخول مدينة القدس لمدة 20 يوما، وعدم تجمع أكثر من 15 شخصا داخل منزله.

وعن قسوة هذا الإجراء تحدث الجلاد "كل أسير يحلم ويتخيل على مدار الساعة لحظة الإفراج عنه، من سيكون أول من يراه، ويحتضنه، وكيف ستكون لحظة خروجه من السجن إلى الحرية بدون قيود.. الاعتقال لحظة الإفراج عن الأسير إجراء قاس جدا على ذوي الأسير أكثر من الأسير نفسه".

ويقول رئيس لجنة أهالي الأسرى المقدسيين أمجد أبو عصب للجزيرة نت إن النائب المقدسي المبعد، الشيخ محمد أبو طير، هو أول من مورس بحقه إجراء الاعتقال لحظة الإفراج، إذ تم اختطافه فور تحرره من سجن نفحة الصحراوي قبل نحو 7 أعوام، وأطلق سراحه أمام مركز المسكوبية في القدس.

استمر وفقا لأبو عصب اتباع هذا الإجراء بوتيرة منخفضة؛ لكنها ارتفعت بشكل كبير منذ 3 أعوام، وبات الاحتلال ينكل بكثير من أسرى القدس المفرج عنهم خاصة ممن قضوا محكوميات عالية أو أصحاب التأثير والحضور في المدينة. ويفرج عن الأسرى عادة بعد هذا الاعتقال بيوم أو يومين؛ لكن بتهديدات وشروط معينة منها منع مظاهر الاحتفال، والإبعاد خارج حدود القدس لأسابيع، وعدم الحديث لوسائل الإعلام.

ويرى أبو عصب أن "الاحتلال يسعى لمحاربة أي مظهر للفرح أو الفخر أو الاعتداد بالنفس، ويُقمع الأسرى وذووهم بادعاء أن ذلك يمس بسيادة إسرائيل على القدس، كما أنه يخشى من الالتفاف الاجتماعي حول الأسرى بالمدينة".

أمجد أبو عصب: اعتقال الأسرى لحظة الإفراج عنهم ارتفعت وتيرته منذ 3 أعوام (الجزيرة)

نبذ الأسرى المحررين
ويستهدف الاحتلال، وفق أبو عصب، الأسرى المحررين في بعض الأحياء المقدسية المعروفة بالتماسك الاجتماعي أكثر من غيرها كالبلدة القديمة والعيساوية ومخيم شعفاط، معتبرا أن "المخابرات تنسج قصصا من الخيال وتلفقها تهما للأسرى؛ لتنغيص فرحة ذويهم ومحبيهم بتحررهم لا أكثر".

ويؤكد أن بعض الشروط التعسفية تمثلت بإبعاد الأسير المحرر عن مدينة القدس أو منعه من دخول الضفة الغربية، فيما يتم نفي بعضهم إلى بلدات في الداخل المحتل، حيث لا يعرفون أحدا، أو فرض الحبس المنزلي عليهم.

ويختم حديثه للجزيرة نت بقوله إن الهدف الآني الظاهر لهذا الإجراء هو تنغيص فرحة الأهالي بتحرر أبنائهم؛ لكن الهدف الإستراتيجي الأخطر هو برمجة المجتمع المقدسي على الخوف من الالتفاف حول الأسرى ونبذهم، ومحاصرة أي نشاط فلسطيني وطني في القدس.

إذ لم يقتصر التضييق في بعض الحالات على الأسرى المحررين وعائلاتهم؛ بل امتد ليشمل اعتقال شبان بتهمة المشاركة في احتفال بالإفراج عن أسير، ورفع رايات حزبية خلاله.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

كثفت قوات الاحتلال منذ إعلان ترمب من الإبعادات عن القدس القديمة وخارجها خاصة تلك التي تشهد فعاليات احتجاجية ليزيد عددها في الشهرين الماضيين على 250 إبعادا لرجال ونساء وحتى الأطفال.

أكدت “هيئة شؤون الأسرى” الفلسطينية تصاعد عمليات التنكيل والتعذيب بحق المعتقلين الفلسطينيين، وشرحت كيف أصبح ذلك أمراً ممنهجاً، منذ قرار اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل في السادس من ديسمبر/كانون الأول الماضي.

المزيد من القدس
الأكثر قراءة