السجون الجنائية.. مصيدة ينصبها الاحتلال لأسرى القدس القاصرين

جنود الاحتلال يحتجزون الأطفال ويمنعون دخولهم الأقصى (الجزيرة نت)
جنود الاحتلال يحتجزون الأطفال ويمنعون دخولهم الأقصى (الجزيرة نت)

أيخشى النوم في زنزانته وحيدا؟ هل يقوى جسده النحيل على تحمل البرد القارس؟ ماذا عن الأغطية هل هي كافية لتدفئته؟ وهل يناسبه الطعام الذي يُقدم له؟ دوامة الأسئلة التي تمخر مخيلة أمهات الأسرى الأطفال عميقة؛ لكنها تتشعب بشكل أكبر عند أمهات الأشبال المقدسيين الذين يتعمد الاحتلال زجّ بعضهم في السجون الجنائية؛ لا تلك المخصصة للأسرى الفلسطينيين السياسيين (الأمنيين).

باسل عويضة (17 عاما) الأحدث في قافلة القاصرين المقدسيين، الذين فُرض عليهم المكوث مع الجنائيين من يهود وعرب في سجن "أوفك" الإسرائيلي، وتستمر مصلحة السجون في احتجازه في هذا السجن منذ 20 ديسمبر/كانون الأول المنصرم.

والدته كُلبياز عويضة روت للجزيرة نت معاناة العائلة، التي بدأت عندما كان طفلا في 13 عاما ونصف العام، حين اعتقلته قوات الاحتلال بعد اتهامه برشق حافلة للمستوطنين المتدينين بالحجارة.

قوات الاحتلال تعتقل فتى مقدسيا في البلدة القديمة (الجزيرة نت)

مكث باسل حينها 28 يوما في التحقيق بمركز تحقيق المسكوبية في القدس، وحُوّل بعدها للحبس المنزلي، الذي مكث به 3 أعوام كاملة.

وقبل شهر قامت المحكمة بتخييره وذويه بالعمل في خدمة الجمهور لمدة 6 أشهر وبمعدل 8 ساعات يوميا مع الإبقاء على الحبس المنزلي الليلي، أو تسليم نفسه لمصلحة السجون لقضاء محكوميته البالغة 4 أشهر في السجن الفعلي.

فضّل باسل الخلاص من الحبس المنزلي، الذي أنهكه من الناحية النفسية، وسلّم نفسه لسجن الرملة؛ ليحوله الاحتلال لسجن جنائي، وهو ما لم يتوقعه بتاتا.

"بالإضافة لقلقي عليه بسبب جائحة كورونا، وعدم توفير الكمامات له، وتقديم الطعام السيئ، فأنا قلقة عليه أكثر من الاحتكاك بالسجناء في هذا السجن المخصص للمتهمين بالسرقات والاغتصاب وتجارة المخدرات وتعاطيها وغيرها من القضايا".

من أمام مركز تحقيق المسكوبية في القدس المحتلة (الجزيرة نت)

حرب نفسية
أكدت والدة باسل أنه موجود في قسم يعج بالسجناء الجنائيين من عرب ويهود، وأنه يعيش حالة من التوتر بينهم، ولا يتوقف عن الاتصال بذويه للاستفسار عن زجه في سجن للجنائيين.

"قال لنا باسل عدة مرات عبر الهاتف إن إدارة السجن أبلغته أن المحكمة والمحامي قررا وضعه في هذا السجن؛ لأن قضيته جنائية، لكن والده يطمئنه دائما بنفي هذه المعلومة وبمحاولاته المستمرة لنقله لسجن الدامون، حيث يقبع أسرى القدس الأطفال".

تقضي الأم الدقائق التي تتواصل خلالها مع باسل بتحذيره من السجناء، وحثه على عدم تبادل أطراف الحديث معهم من جهة، وطمأنته أنها ووالده يتواصلان مع الصليب الأحمر ولجنة أهالي الأسرى المقدسيين، لنقله بأسرع وقت ممكن إلى المكان المناسب له كأسير سياسي لا جنائي من جهة أخرى.

رئيس لجنة أهالي الأسرى المقدسيين، أمجد أبو عصب، أكد أن الاحتلال بدأ بابتزاز الأطفال المقدسيين الأسرى وذويهم بهذا الإجراء قبل نحو 3 أعوام، والهدف من زجّ الأطفال بالسجون الجنائية الضغط عليهم وعلى ذويهم، وإيصال رسالة مفادها أنه ليس كل طفل يقاوم الاحتلال يتم اعتقاله في سجن للأمنيين الفلسطينيين، ليتباهى ويتغنى وذويه أنه يقبع في قلاع الصمود والتعليم؛ بل هو يعيش مع العالم السفلي، ويتعرض على أيديهم للابتزاز والضرب والتنكيل.

ويصطدم الأطفال المعتقلون على خلفية قضايا وطنية بما يشاهدونه من محيط قذر لا يمكنهم التأقلم معه، ويدخلون في وضع نفسي رديء جدا لعدم قدرتهم على التعايش مع الجنائيين، وفقا لأبو عصب.

يريد الاحتلال خلط أوراق الأسرى الأشبال، إذ اعتاد هؤلاء نقلهم لسجني الدامون ومجدو، ويحاطون هناك بالأسرى الأمنيين الكبار، الذين ينظمون لهم وقتهم، ويستغلونه بما هو مثمر من تعليم وتثقيف وصقل للشخصية.

زبارقة يرى أن الاحتلال يحاول التأثير على وعي الفلسطينيين بالقدس لتقبل سياساته في المدينة مستقبلا (الجزيرة نت)

"الاحتلال يتعمد إيذاء هؤلاء الأطفال، فجزء منهم مكث لأشهر في العزل الانفرادي لرفضه الاجتماع والتعايش مع الجنائيين، وجزء آخر تعرض للضرب والتنكيل والتهديد على يد ضباط المخابرات ومدراء السجن"، أضاف رئيس لجنة أهالي الأسرى المقدسيين.

وأكد أن خطورة زج أطفال القدس الأسرى بالسجون الجنائية تكمن أولا باعتداء السجناء الجنائيين وتحديدا اليهود منهم على هؤلاء الأطفال؛ لأن تقديم مصلحة شعبهم على مصلحتهم الشخصية أمر يزعج أصحاب قضايا الفساد والدعارة والمخدرات والاغتصاب، فوجود الأطفال من هذه الفئة غريب وغير مقبول لدى الجنائيين.

"نسجل خشيتنا أيضا عندما يمكث الطفل المقدسي في هذه السجون لفترة طويلة؛ لأن نفسيته تتأثر بما يراه، ونقلق من جرّه لطريق صعب".

الأسرى البالغون داخل السجون يهددون مصلحة السجون دائما بخطوات احتجاجية بمجرد علمهم باحتجاز أحد الأطفال في السجون الجنائية، ويسعون لنقله إلى سجن الدامون، وهو "الحضن الوطني الطبيعي لهؤلاء الأسرى"، على حد تعبير أبو عصب.

بدوره قال المحامي المختص في قضايا القدس، خالد زبارقة، إن القانون الإسرائيلي يفرق في التعامل بين القاصرين والكبار؛ لأنه يفترض دائما أن القاصرين يرتكبون المخالفات من منطلق عقلية الطفولة، التي لا تفرق بين المسموح والممنوع، وبالتالي هم يحتاجون للتأهيل لا للعقاب.

وبناء على ذلك، فإن السلطات الإسرائيلية تتجاوز بشكل ممنهج -عندما تعتقل الأطفال الفلسطينيين- القوانين الإسرائيلية، التي تحتم التعامل بشكل خاص مع هذه الفئة، وفق زبارقة.

"زجّ الأطفال المقدسيين مع الجنائيين لا يشكل انتهاكا لخصوصيتهم كأطفال فحسب، وإنما انتهاكا لحقهم في التأهيل، فبدلا من أن يتم تأهيلهم بشكل صحيح من خلال التعليم والتثقيف على يد الأسرى السياسيين الفلسطينيين، يتم زجهم مع سجناء جنائيين؛ ليتأثروا بالجو الجنائي، الذي يعيشون فيه داخل السجن".

أطفال يشكلون سلسلة بشرية لمنع المستوطنين من الصعود لقبة الصخرة المشرفة أثناء جولتهم الاقتحامية (الجزيرة نت)

تغيير نظرة المقدسي للاحتلال
وحول إمكانية نقل هؤلاء الأطفال للسجون المخصصة للأسرى السياسيين الفلسطينيين، أوضح زبارقة أن ذلك ممكن عبر مسار قانوني يبدأ بتوجه محامي الطفل لمصلحة السجون أولا، ثم إلى المحكمة في حال رفضت الأولى الطلب.

"تابعتُ قضية مثل هذه، وطلبتُ نقل الطفل القاصر من سجن جنائي إلى سياسي (أمني) وفق طلبه، وبعد إجراءات قانونية كثيرة استطعت تحويله؛ لكن بعد قضائه فترة طويلة جدا من محكوميته".

يهدف الاحتلال، وفقا لزبارقة، إلى إعادة صياغة وعي المقدسيين من خلال هذا الإجراء؛ لأنه يعلم أنهم رأس الحربة في مواجهة المشروع الصهيوني بالقدس بشكل عام والمسجد الأقصى بشكل خاص.

لذلك يتم العمل على عدة مستويات أبرزها التأثير على وعي الفلسطيني في القدس وخاصة الأطفال، ليكونوا متقبلين لسياسات الاحتلال في المدينة مستقبلا، وزج الأطفال في السجون مع الجنائيين إحدى أدوات كي الوعي، بالإضافة لتكثيف العمل على التحاق أطفال القدس بالمدارس التي تدرس المناهج الإسرائيلية.

ووفقا لبيانات لجنة أهالي الأسرى المقدسيين، يقبع في سجون الاحتلال حاليا 340 أسيرا وأسيرة من القدس بينهم 11 سيدة و22 طفلا يعانون من ظروف قاسية في سجني الدامون، وأوفك المخصص للسجناء الجنائيين.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

فيلم قصير من إنتاج مؤسسة الضمير الفلسطينية يقدم شهادات عن أربعة أطفال من القدس عاشوا أو ما زالوا يعيشون تجربة الاعتقال في السجون الإسرائيلية، وكذلك تجربة “الحبس المنزلي”، وهي العقوبة البديلة عن الاعتقال في سجن إسرائيلي وتسمى “عقوبة مع وقف التنفيذ”.

قال مركز أسرى فلسطين للدراسات إن سلطات الاحتلال الإسرائيلي واصلت خلال العام الماضي استهداف الأطفال بالاعتقال والاستدعاء وفرض الأحكام والغرامات المالية الباهظة، حيث رصد 880 حالة اعتقال بينهم مرضى وجرحى.

المزيد من القدس
الأكثر قراءة