وسادة بين الركام وأحلام أسرة مقدسية ردمتها الجرافات.. الاحتلال يصعد الهدم في سلوان وجبل المكبر

وائل الطحان يقف على حطام منزله الذي بناه على مدار ثلاثة عقود (الجزيرة نت)
وائل الطحان يقف على حطام منزله الذي بناه على مدار ثلاثة عقود (الجزيرة نت)

قد لا يستهجن الزائر لبلدتي سلوان وجبل المكبر السير في طرق وعرة وضيقة، وقد لا يستهجن أيضا أن يصف منازلها بلعبة "ليغو" لتقاربها الشديد.

لكن حتما يستهجن الزائر لها مؤخرا حجم الركام الذي خلفته الجرافات التابعة للبلدية بعد هدم المنازل هناك، أو الركام الناتج عن إجبار المقدسيين على هدم منازلهم ذاتيا، وهو ما يصفونه بإقدام الإنسان على انتزاع قلبه من جسده بيده.

بدأت الجزيرة نت جولتها في بلدة سلوان من حي وادي قدّوم في طريقها لمنزل المقدسي وائل الطحان، الذي رغم الإجهاز على منزله وتحويله لركام بدا متماسكا يصف موقع المنزل بدّقة متناهية رغم القضاء على أمله في العيش به ما تبقى من حياته.
"بعد محطة الوقود مقابل البوابات الصفر يوجد باب حديدي مدهون باللون الرصاصي.. هذا هو منزلي".

البوابة الرصاصية المفتوحة كانت تفضي لبنايتين إحداهما لوائل والأخرى لشقيقه سوّيتا بالأرض في 11 أغسطس/آب الماضي.

يفصل بين ركام المنزلين شجرة رمّان مثمرة وضع وائل تحتها مقاعد قديمة وطاولة، وجلس مقابل الباب الرئيسي مع زوجته واثنتين من بناته.

وائل الطحان يرفض مغادرة أرضه ويجلس تحت ظل إحدى الأشجار هناك (الجزيرة نت)

هدم البيوت والأحلام
يتنقل ببصره بين الركام ويتحسر على شقاء 30 عاما قضاها في بناء حلمه الذي بدأ بمساحة 100 متر مربع ليتوسع بعدها ويمتلك بناية سكنية تحتوي على طابقين -بمساحة 220 مترا مربعا لكل منهما- وتضم البناية أربع شقق.

"منذ قدومي للبناء في هذه الأرض التي تمتلكها العائلة سعيت جاهدا للحصول على تراخيص لكن البلدية لم تمنحني أي شيء بل أثقلت كاهلي بمخالفات البناء فمنذ عام 1992 حتى يومنا هذا دفعت 280 ألف شيكل (نحو 82 ألف دولار أميركي) كمخالفات".

في أواخر عام 2019 قرر القاضي الإسرائيلي مخالفة الطحان بمبلغ 100 ألف شيكل (30 ألف دولار أميركي) إضافية، على أن يهدم المنزل بعد عام من ذلك التاريخ.

رفض وائل هذا الحكم وقال للقاضي إنه لا يستأجر منزله من البلدية ولا من الحكومة كي تثقله بكل هذه الديون، وطلب إمهاله للمضي في إجراءات الترخيص لكن القاضي أجابه بأن أرضه ستصادر وستقام مدرسة مكان منزله مستقبلا.

مسجد القعقاع في حي عين اللوزة ببلدة سلوان المهدد بالهدم (الجزيرة نت)

يرفض وائل الطحان "47 عاما" مغادرة أرضه رغم مرور ثلاثة أسابيع على تحطيم كل ما بناه على مدار ثلاثة عقود.

"أنا يائس حاليا لكنهم لن يقضوا على حلمي بامتلاك منزل في القدس وأرفض التفكير بالخروج من هذه المدينة.. أصبحت إنسانا متوترا على مدار الساعة ومزاجي سيئ وأدخل بحالات هستيرية عند الغضب، كيف لا وكلما خلدت للنوم أتخيل نفسي واقفا على الشرفة الخارجية أحتسي قهوتي أو أتفقد أطفالي في غرف نومهم قبل أن أخلد للنوم، أيحتمل عقل بشري الدمار الذي حل بي؟".

ودّعنا وائل على وقع صوت زوجته وهي تتمتم "بعدما انهدم البيت فقدنا راحة البال"، وفي الطريق إلى البوابة الرئيسية وجدنا وسادة نوم بين الركام كانت يوما مصدرا للسكينة والراحة لأحد أفراد الأسرة وبالقرب من الباب دولابان خشبيان من بقايا غرفة وائل وزوجته، وفي واجهة الدولابين مرآة كانت تنعكس عليها حتما تفاصيل غرفتهما الهادئة أما اليوم فتعكس ردما خلفته جرافات الاحتلال رُدمت معه أحلام أسرة مقدسية بأكملها.

لاستكمال الجولة باتجاه حي عين اللوزة في بلدة سلوان أيضا ينعطف الزائر يمينا وعلى يمينه ويساره لا يخلو الشارع الرئيسي من ركام خلفته الجرافات بعد هدم عدد من المحال التجارية على فترات زمنية مختلفة.

خالد أبو تايه: مسجد القعقاع المكون من طابقين مهدد بالهدم (الجزيرة نت)

دور العبادة مستهدفة بالهدم
ولا يستثني الاحتلال من الهدم دور العبادة أيضا فمسجد القعقاع الواقع في الحي من المباني التي يهددها خطر الهدم أيضا.

وقال عضو لجنة الدفاع عن أراضي وعقارات بلدة سلوان خالد أبو تايه، إن الطابق الأول من المسجد بني قبل ثمانية أعوام واستكمل بناء الطابق الثاني قبل عامين لتوسيع المسجد وتخصيص طابق منه لصلاة النساء.

"مفتش البلدية يصر على أن هذا البناء يعود لمنزل وليس لمسجد رغم تصوير عدة صلوات فيه وإرسالها للبلدية لتقتنع بأن هذا البناء مكان للعبادة ويخدم 7 آلاف مقدسي يسكنون في المنطقة".

وتسكن 52 أسرة مقدسية في الحي ذاته وهي مهددة بهدم منازلها وتهجيرها من المنطقة، ورغم سعي الكثيرين للحصول على رخصة البناء فإن البلدية تضع شروطا تعجيزية وترفض المشروع التنظيمي الذي قدمته لجنة التنظيم والتخطيط لحي عين اللوزة في بلدة سلوان.

ليس بعيدا عن المسجد يسكن المقدسي محمد أبو تايه الذي تلاحقه البلدية منذ بناء منزله بمساحة 144 مترا مربعا عام 2015، يسكن محمد مع أسرته في الطابق الثاني بينما يسكن شقيقه في الطابق الثالث ووالداه في الطابق الأول، وبسبب صعوبة هدم منزله فإن البلدية تنوي حرمانه من استعماله إما بإغلاق بابه ونوافذه بالحديد بعد لحمها أو بسكب الإسمنت المسلح بداخله كما فعلت بمنزل الشهيد المقدسي عدي أبو جمل، ولا يزال محمد حائرا في كيفية تحويل منزله من جنة إلى مكان يحظر عليه استعماله.

"أشعر أنني أستأجر منزلي من البلدية لأن المحكمة ألزمتني بدفع مخالفة بناء قدرها 78 ألف شيكل (23 ألف دولار أميركي) ثم أعطتني مهلة لأصوب وضع المنزل قانونيا، لكن مع وصول جائحة كورونا تعطل عمل المحاكم، وقبل ثلاثة أسابيع أمهلني مفتش البلدية 10 أيام، لأقدم أوراقا للبلدية لكن الأخيرة ترفض المشروع التنظيمي للمنطقة وليس لدي ما أقدمه".

في 16 سبتمبر/أيلول الجاري ستعقد جلسة محكمة للبت في قضية منزل محمد وتأكيد قرار عدم استعماله أو تأجيل الجلسة، وفي تعقيبه على ذلك، قال "أنا أقف في منتصف الطريق لا يمكنني المضي في إجراءات الترخيص ولا يمكنني حماية منزلي الذي صرفت على بنائه وتجهيزه نصف مليون شيكل".

برفقة محمد وزوجته تجولنا في المنزل وطرحنا سؤالا عابرا على زوجته فيما إذا فكّرت بإخلاء أي من محتوياته خوفا من الآتي المجهول؟ أجابت بصوت منخفض "إن شاء الله لا.. سنبقى في منزلنا".

وفقا لمركز معلومات وادي حلوة فإن الاحتلال هدم في القدس 50 منشأة خلال شهر أغسطس/آب الماضي -منها 37 وحدة سكنية- تقع معظمها في بلدتي سلوان وجبل المكبر المجاورتين للمسجد الأقصى.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من القدس
الأكثر قراءة