أزيرا خليلوفيتش.. حكاية بوسنيّة جمعت سراييفو بالقدس

تحن أزيرا لموطنها الأصلي سراييفو، لكنها تحمل في قلبها حبا كبيرا للقدس (الجزيرة)
تحن أزيرا لموطنها الأصلي سراييفو، لكنها تحمل في قلبها حبا كبيرا للقدس (الجزيرة)

لقاؤها بالمقدسي محمد أبو الرب جعلها تغيّر تخصصها الجامعي من هندسة المركبات إلى طب البصريات، كما غيّر مكان إقامتها من سراييفو عاصمة البوسنة والهرسك إلى القدس عاصمة فلسطين، تلك هي البوسنية أزيرا خليلوفيتش (57 عاما) التي تعيش في القدس منذ 37 عاما مع زوجها الفلسطيني وبناتها وأحفادها.

استقبلتنا أزيرا بحفاوة لتحدثنا عن حكايتها، وجهٌ مستدير صافٍ ندرت فيه التجاعيد، وابتسامة لم تفارقها طوال حديثها بلهجة مقدسية، وشت بها مخارج حروفها الركيكة، التي غلبت عليها لغتها البوسنية الأم.

ولدت أزيرا عام 1963 في منطقة خراسنو بالعاصمة سراييفو (جنوب شرق أوروبا)، لعائلة ميسورة في كنف أبيها "زينلر" وأمها "شيفالا"، وأخيها "فريسل"، وتقول للجزيرة نت إن العائلات في مدينتها كانت تكتفي بعدد قليل من الأبناء، ولذلك ترى نظرات الاستغراب حين تزور سراييفو مع بناتها الست.

أزيرا خليلوفيتش وزوجها محمد أبو الرب مع ابنتهما الكبرى أميرة (الجزيرة نت)

تخوف من العريس العربي
أنهت أزيرا عامين من تخصص هندسة المركبات في الجامعة بسراييفو، لكنها قررت تحويل تخصصها إلى طب البصريات حيث يدرس خطيبها المقدسي محمد أبو الرب في المدينة ذاتها. وتم تحويل التخصص بنجاح، لكن مهمة إقناع أهلها بالعريس العربي لم تكن يسيرة أبدا.

ورغم أن محمدا كان مسلما مثل أزيرا وأسرتها، فإن العائلة كانت تخشى تزويج ابنتها لمشرقي، وتعلل أزيرا ذلك بأن الإعلام آنذاك رسم صورة نمطية مشوهة عن العرب، كما تزامن ذلك مع الاجتياح الإسرائيلي للبنان، وتأثيره على الفلسطينيين، إضافة إلى تجارب سلبية لبوسنيات تزوجن من عرب، وعدن إلى بلادهن مطلقات بعد فترة بسيطة.

"كان أهلي يقولون لي إن الناس في القدس ليست لديهم دولة أو جواز سفر، حتى إن إحدى قريباتي سألتني بعد زواجي قلقلة: "هل لديكم كهرباء؟" تقول أزيرا ذلك وتفتخر أنها استطاعت أخيرا إقناع عائلتها حتى عُقد قرانها عام 1982، وتزوجت بعدها بعام بعد حفلتي زواج في سراييفو والقدس.

كانت لدى عائلة محمد بالقدس تخوفات في البداية حول زواجه بأزيرا، فقد كانت الصورة النمطية عن الزوجات الأوروبيات أنهن ينهين الزواج سريعا ويعدن إلى بلادهن. وتستذكر أيامها الأولى في القدس قائلة "تجمهرت الفتيات متسائلات عن العروس الأجنبية، ويتمتمن حولي وأنا لا أفهم شيئا من كلامهن العربي".

اختلاف اللغة والعادات
كانت وسيلة تواصل الزوجين في البداية باللغة البوسنية، وخلال التجمعات العائلية في القدس كانت أزيرا تستمر بسؤال زوجها: (شتا برتشايو؟) أي "ماذا يتحدثون؟" وإثر ذلك عزمت على تعلم اللغة العربية ونجحت في ذلك خلال أشهر قليلة، مستعينة بالمسلسلات البدوية الأردنية، وأغاني عبد الحليم حافظ المفضلة لدى زوجها.

عاشت أزيرا في البداية في بيت عائلة زوجها بحي وادي الجوز، وبذلت جهدا كبيرا في التأقلم، نظرا لاختلاف العادات ونمط المعيشة بين موطنها الأصلي والمكان الجديد، وتضيف "على عكس ما اعتدت عليه، كان يجب أن أطلب الإذن عندما أخرج من البيت، وكنت أستدفئ بالبابور بعد أن اعتدت على التدفئة المركزية، لكن التشابه بين الموطنين كان في الكرم والترابط الأسري".

أزيرا خليلوفيتش تنظر إلى بطاقة تذكارية قديمة تحمل صورة أحد معالم سراييفو (الجزيرة)

اليوم، تجمع أزيرا بين المطبخين البوسني والفلسطيني، حيث تتقن طبخ البوريك (الفطائر المحشوة باللحمة والبطاطا)، وزليانتسا (المحشوة بالسبانخ)، وسيرنتسا (المحشوة بالجبنة البيضاء)، وتفتخر أنها تتقن طبخ الأكلات الفلسطينية، وعلى رأسها "المقلوبة".

أثناء حديثنا مع أزيرا جالستنا ابنتها سهام، التي قالت إنها وأخواتها كن يتحدثن بلغة عربية ركيكة كأمهن في البداية، لكنهن أتقنّها لاحقا، وتضيف "حين كنا صغارا كانت أمي تطلب منا الملعقة من دون أن تلفظ العين والقاف جيدا، فنحضر لها المقلى، فتشرح لنا جاهدة ما قصدت".

تضحك أزيرا على تلك الذكريات فتقول "بناتي يقلدن لهجتي اليوم مازحات، أما أنا فأحاول في الأماكن العامة أن أجد مرادفا لأي كلمة لا أستطيع نطقها جيدا، حتى لا يعرفوا أنني غريبة".

ذكريات الحرب
أرادت أزيرا أن تزور سراييفو بداية عام 1992، لكن والدها نصحها بعدم المجيء لأن الأوضاع لم تعد آمنة، وفعلا اندلعت الحرب في البوسنة والهرسك في العام ذاته، واستمرت 3 سنوات، فقدت خلالها أزيرا الاتصال مع عائلتها، فكانت تترقب الأخبار الشحيحة على التلفاز، وقلبها يحترق ألما وقلقا.

ارتكب الصرب بحق المسلمين في البوسنة مجازر مروعة، أودت بحياة نحو 100 ألف بوسني، تذكر أزيرا ذلك وهي تتحسس ذراعيها قائلة "اقشعر بدني، كان الصرب والمسلمون جيرانا وأصدقاء وعائلات في سراييفو، لقد فُجعت بما حدث".

آنذاك، كان جسد أزيرا في القدس وقلبها في سراييفو، حين علمت لاحقا أن أمها نزحت إلى ألمانيا، في حين رفض والدها الخروج من بيته، فقتله أحد أصدقائه الصرب، حين دخل عليه بيته في أحد الأيام وأكل معه وشرب ثم استدرجه إلى مدخل البيت وأعدمه رميا بالرصاص بالتعاون مع آخرين.

"حتى اليوم أبحث عن قبر والدي، لقد دفنوه في مقابر جماعية كما حدث مع عشرات الآلاف، وحتى اليوم يقوم ابن عمي "ميمسو" بتفكيك الألغام التي خلفتها الحرب". تقول أزيرا ذلك وهي تذكر كيف استشهد خالها محمد الذي انضم إلى كتيبة القبعات الخضر (زلينيه بريتكيه) في الجيش البوسني، حيث استهدفه قناص برصاصات قاتلة أثناء إجلائه طفلة صغيرة من إحدى البنايات المقصوفة؛ فعاشت ومات هو.

لم يسلم شقيقها "فريسل" من ويلات الحرب، فقد أصيب إصابة بالغة بعد تعرضه مع كتيبته في الجيش البوسني إلى هجوم صاروخي، حيث استشهد جميع أفراد الكتيبة ونجا هو بجسد مشلول، لكنه تعافى مؤخرا.

صورة قديمة لأزيرا وزوجها محمد(من اليسار) مع أصدقائهما الفلسطينيين والبوسنيين في الجامعة (الجزيرة)

حصة القدس كبيرة
عادت أزيرا إلى سراييفو بعد انتهاء الحرب مع بناتها، فوجدتها خاوية على عروشها، على النقيض مما تركتها، ووجدت ذكريات الطفولة والصبا قد سوّيت بالأرض، لكنها شهدت لاحقا على تعافيها، حيث تزورها سنويا باستثناء هذه السنة بسبب جائحة كورونا.

حين سألناها عن سراييفو لمعت عيناها ونظرت في الفراغ قائلة "كلها جبال خضراء خلابة، فيها نهر ملياتسكا الذي أحب، هي بلدي الأول". وأجابت عن سؤال: "وأين القدس في قلبك؟" فقالت "للقدس مكانة خاصة في قلبي، أحب المسجد الأقصى أكثر شيء، ولي فيها صديقات فلسطينيات وأخريات بوسنيات مثلي: مريانة وياسمينة وكاترينة".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من القدس
الأكثر قراءة