اقتحام تجمع "جبل البابا" بالقدس.. تدشين مخطط الضم وتوسيع "معاليه أدوميم"

يعمل الاحتلال على إزالة تجمع جبل البابا شرق القدس لتوسيع مستوطنة معاليه أدوميم الكبرى (الجزيرة)
يعمل الاحتلال على إزالة تجمع جبل البابا شرق القدس لتوسيع مستوطنة معاليه أدوميم الكبرى (الجزيرة)

في تجمع جبل البابا البدوي جنوب شرق القدس يبدو كل شيء وادعا، أصوات الأغنام تعلو في الحظائر المنتشرة حول البيوت المبنية من الصفيح، وصياح الديوك وحركة الأطفال لإطعام المواشي والاعتناء بها.

المشهد العام يوحي بحياة بدائية قاسية ألفها البدو هناك، وبات أقصى ما يتمنوه أن يبقوا في هذه البقعة التي يسعى الاحتلال منذ عقود لتهجيرهم منها قسرا.

مسلسل اقتحام هذا التجمع البدوي وهدم مبانيه أصبح خبرا عاديا يمر مرور الكرام على وسائل الإعلام، لكن رئيس لجنة خدمات تجمع جبل البابا عطا الله مزارعة يجزم بأن الاقتحام الذي نفذه الاحتلال قبل أيام لم يكن عاديا، وأنه سيغيّر طبيعة المنطقة بشكل جذري.

إذ اقتحمت قوات الاحتلال يوم الاثنين الماضي التجمع وأجرت مسحا للأراضي والمساكن فيه، وما أثار قلق مزارعة أن ضباطا من المخابرات الإسرائيلية وفرقا هندسية رافقوا الجيش الإسرائيلي والإدارة المدنية هذه المرة في الاقتحام، وقضوا أكثر من خمس ساعات في التجمع.

وقبيل خروجهم منه استدعى ضابط في المخابرات مزارعة وقال له إن هذه الأراضي انضمت الآن إلى مستوطنة معاليه أدوميم، فرد عليه "بأي حق تضمونها للمستوطنة؟ فأجاب بأن هذا هو الوضع النهائي ومتفق عليه وسترى في الأيام القادمة، فرددت عليه بأن الاحتلال يروّج أن الضم سيبدأ من الأغوار فاستنكر الضابط ذلك، وأكد أن الضم سيبدأ من هنا".

عطا الله مزارعة يجزم بأن الاقتحام الذي نفذه الاحتلال قبل أيام سيغيّر طبيعة المنطقة تغييرا جذريا (الجزيرة)

صمت متعمد
ما عمّق من قلق مزارعة أنه تواصل مع المؤسسات الحقوقية ومع السلطة الفلسطينية لاطلاعهم على ما جرى خلال الاقتحام الأخير للتجمع، لكنه قوبل بالصمت المتعمد، حسب تعبيره.

ويقول مزارعة "لم يزرنا أحد ليوثق ما حصل في الاقتحام، ونحن نتحدث عن قلب فلسطين، عن آخر جبال القدس الذي يفصل تواصل مستوطنة معاليه أدوميم مع المدينة المحتلة.. لو اعتبرت أن ما قاله الضابط العدو يهدف لإحداث بلبلة، لكن ما يخيفني أنه لا يوجد أي إثارة إعلامية للموضوع، السلطة تصرح دائما بوجود خطط فلسطينية بديلة، أين الخطط في هذه المرحلة السياسية الحساسة؟".

وثّق عطا الله مزارعة 66 عملية هدم في التجمع خلال السنوات الماضية، هُدم خلالها 70 منشأة سكنية، وصودرت خيام وألواح صفيح ومنازل قدمها الاتحاد الأوروبي لأهالي تجمع جبل البابا البدوي، الذي يبلغ عددهم 400 نسمة.

تاريخ الاعتداءات على التجمع والتنكيل بسكانه طويل، وبدأ منذ الشروع في بناء مستوطنة معاليه أدوميم عام 1976، التي تقع على بعد 7 كيلومترات شرقي مدينة القدس.

لم يشفع لهم وجودهم التاريخي في المكان للعيش بهدوء، إذ لجأت عشيرة الجهّالين عام 1948 من منطقة تل عراد في النقب إلى جبل البابا، ومارسوا حياة البداوة التي اعتادوا عليها، ويتعمّد الاحتلال التضييق عليهم بشكل يومي لدفعهم لترك موقعهم الإستراتيجي المستهدف بالمشاريع الاستيطانية.

تجمع جبل البابا البدوي الذي بنيت بيوته من الصفيح (الجزيرة)

مضايقات تاريخية
باكورة المضايقات حسب مزارعة بدأت عند شق الطريق الواصل بين مستوطنة معاليه أدوميم والقدس، إذ طرد عدد من سكان التجمع وحوصروا في المنطقة التي يقطنون بها حاليا، ثم حرموا من استخدام نبع المياه القريب من الجبل بعد حفر بئر ارتوازي بجواره وضخ المياه للمستوطنة.

يضاف إلى ذلك الاعتداء على الرعاة ومواشيهم، وتقليص المساحات التي يمكنهم الرعي والتجول فيها، إلى حد دفع بالكثيرين لبيع مواشيهم والاستغناء عنها كمصدر رزق أساسي.

هذه المضايقات المتتالية أصابت حياة البدوي في مقتل، فلم يعدوا يعتمدون على تربية المواشي واستخدام حليبها في صناعة الجبن واللبن وبيعهما، مما أدى لفقدان مصدر الرزق لكثير من سكان التجمع.

الاعتداءات طالت أيضا الأراضي المحيطة بالتجمع التي كانت تزرع بالقمح، وأصبح ممنوعا الوصول لها بحجة أن المستوطنين يستخدمونها لإقامة الاحتفالات بذكرى الاستقلال، وكانت هذه الأراضي تعج بآبار المياه التي استخدمها البدو لري المزروعات.

سلمان مزارعة يرى أن حياتهم في التجمع شارفت على النهاية (الجزيرة)

التضييق على حياة البدو الرحبة
هذه الإجراءات التعسفية يوثقها عطا الله منذ سنوات، لكن أكبر رجال التجمع سلمان مزارعة (87 عاما) يعيشها منذ قدوم الاحتلال الإسرائيلي، ويرى أن حياتهم في التجمع شارفت على النهاية بناء على المعطيات الحالية.

ورغم ذلك يرفض المسن إخلاء خيمته، ويقول بلهجته البدوية "سأخرج ميتا من هنا عندما يقتلعوني بمخالب جرافاتهم.. لن نرحل لو كسّروا عظامنا".

يستلقي أمام منزله البدوي المتهالك واضعا عصاه أمامه، وعلى السفح المقابل تظهر مستوطنة معاليه أدوميم، ويستذكر حياة البداوة قديما "كنا نسرح ونمرح مع مواشينا دون حواجز ولا حدود للمناطق التي يسمح لنا بالتحرك فيها، كنا نبيع المواشي ونعتاش من إنتاجها، لكن هذه المظاهر البدوية تندثر تدريجيا وشارفت على الهلاك".

يُصّر الطفل هيثم مزارعة (12 عاما) على الانطلاق برحلته اليومية لرعي 23 رأسا من الماشية حول التجمع، ويرفض التخلي عن هذا الطقس البدوي اليومي، وقال إنه يحلم بأن يصبح محاميا عندما يكبر ليدافع عن جبل البابا ويثبت أهله فيه.

يسير هيثم والطلبة الآخرون من أبناء التجمع إلى مقاعد الدراسة لمسافة ثلاثة كيلومترات على الأقل يوميا، ويضطر هؤلاء للتغيب عن الدوام المدرسي في الظروف الجوية الصعبة، ويكون مصير معظمهم التسرب من المدارس، ويحلم الطفل بأن تقام لهم مدرسة داخل تجمعهم ليرتاحوا من عناء السفر اليومي إلى بلدة العيزرية.

كثير من أطفال جبل البابا تسربوا من المدارس لبعدها عنهم وعملهم في رعي الأغنام (الجزيرة)

البدء بتنفيذ المخططات
رئيس بلدية العيزرية عصام فرعون قال إن التجمعات البدوية الواقعة بين مدينتي القدس وأريحا لا تسلم من أي مخطط استيطاني، وأبرز المخططات التي تمسها الآن "E1" ومخطط الضم.

وفي حديثه عن جبل البابا، يقول فرعون إن هذه المنطقة معروفة باسم "رأس العيازرة" وتقدر مساحتها مع الأراضي المحيطة بها بألفي دونم، وأحيطت المنطقة بجدار أمني أحكم الإغلاق عليها بالكامل وبقي منفذ واحد للسكان للدخول والخروج منه إلى بلدة العيزرية.

وقضمت مستوطنة معاليه أدوميم منذ إنشائها في سبعينيات القرن الماضي حتى عام 1994 خمسة آلاف دونم من أراضي بلدة العيزرية، وفي عام 1997 تمت توسعتها واستولى الاحتلال حينها على ألفي دونم إضافية، والآن ألفا دونم أخرى مهددة بالمصادرة في أي لحظة، حسب فرعون.

رئيس قسم الخرائط في جمعية الدراسات العربية خليل التفكجي أكد أن اقتحام تجمع جبل البابا قبل أيام وإجراء مسح فيه هدفه ترسيم "طريق السيادة" الذي صادق عليه وزير الجيش الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت قبل شهور، في خطة اعتبرت حاسمة لفصل جنوب غرب الضفة عن وسطها.

الطفل هيثم مزارعة يرعى الأغنام قرب تجمع جبل البابا شرق القدس (الجزيرة)

ومع اكتمال مسار الطريق الجديد بمحاذاة المناطق المأهولة شمالي بلدة العيزرية شرق القدس، سيجد الفلسطينيون أنفسهم مضطرين لسلوكه، ولن يكون بإمكانهم استخدام الطريق المعتاد الذي يربط جنوب الضفة بشمالها.

وأضاف التفكجي "مخطط الشارع الجديد يعني إغلاق المدخل الشمالي لبلدة العيزرية تماما، وتحويل الحركة من هناك إلى الشارع المستحدث شمال البلدة باتجاه جبل البابا وبلدة الزعيم، ومن ثم الاتصال بشارع الفصل العنصري الذي افتتح قبل أكثر من عام، ويمتد من بلدة عناتا شمالا حتى بلدة الزعيم جنوبا، ويتوسط الشارع جدار يفصل بين سائقي السيارات الفلسطينيين والمستوطنين".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

عانى وادي عُبيد الله -رغم مساحته الكبيرة وقربه من سور القدس والمسجد الأقصى الشرقي- من الإهمال، ويندر الحديث عنه في المراجع العربية المكتوبة، كما غاب تماما عن وسائل الإعلام.

المزيد من القدس
الأكثر قراءة