لم يعلم أنها ستتحول لمرجع غني.. مفكرات تاجر تؤرخ لـ8 عقود من الحياة التجارية بالقدس

إحدى المراسلات التي أرسلها شرف للسلطات البريطانية بخصوص استرجاع أراضيه المسلوبة (الجزيرة)
إحدى المراسلات التي أرسلها شرف للسلطات البريطانية بخصوص استرجاع أراضيه المسلوبة (الجزيرة)

لم يكن التاجر المقدسي بدر حسين شرف يعلم أن المفكرات التي دوّن فيها تفاصيل تجارته لأكثر من 80 عاما ستكون يوما ما مرجعا ثريا لقراءة الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية في القدس، بدءا من نهايات العهد العثماني مرورا بالاحتلال البريطاني والحكم الأردني وصولا إلى الاحتلال الإسرائيلي.

عاش التاجر شرف 95 عاما بين القدس والإسكندرية ودمشق وبيروت وعمّان، ورحل عام 1985 تاركا وراءه أرشيفا ضخما منظما يحتوي 65 مفكرة، وآلاف الوثائق الورقية والصورية من فواتير وإيصالات ومراسلات ومستندات عقارات وأراضٍ.

ولد شرف في البلدة القديمة بالقدس عام 1890، وعاش في كنف أخيه الأكبر بعد وفاة والديه، وتعلم القراءة والكتابة والقرآن والحساب في الكتاتيب، ثم التحق للعمل في التجارة مع أخيه، قبل أن يحترفها ويصبح من أكبر تجار "مال قبان" في القدس وأوسعهم سيطا وتنفذا.

عُرف "مال قبان" في ذلك الوقت بالمواد التموينية التي تعبأ في أكياس خيش وتباع بالجملة ويقاس وزنها على القبان، وهو ميزان أرضي للأوزان الثقيلة، وذلك ما اشتهر به التاجر شرف، حيث كان مستوردا رئيسيا للقهوة والشاي والأرز والسكر من مصر ودول أوروبية.

نماذج من الوثائق التي احتفظ بها التاجر بدر شرف (الجزيرة نت)

إضاءة على طبقات مهمشة
ما يميز شرف عن غيره من التجار أنه استطاع من خلال وثائقه ومفكراته أن يؤرخ لطبقة التجار المقدسيين الذين لم يحظوا بتأريخ كافٍ مقارنة بالطبقات النخبوية في المدينة، فنجد في أوراقه مراسلات مع مئات التجار بأسمائهم وأرقامهم وعناوينهم، كما حوت مفكراته تفاصيل طبقات مهمشة أخرى، كأسماء عمال وعتالين وخادمات للبيوت.

حظي الباحث في الأرشيف الفلسطيني ومدير مؤسسة "خزائن" فادي عاصلة بفرصة الاطلاع على أرشيف شرف وتوثيقه، وقال للجزيرة نت وهو يعرض المفكرات ويقرؤها "توثيق شرف كان احترافيا أكثر من أي مؤرشف أكاديمي في عصره، اعتمد توثيقه على الأرقام أكثر من أي شيء، تلك الأرقام التي كانت تتأرجح في المفاصل التاريخية المختلفة كثورة البراق وثورة عام 1936 والنكبة عام 1948".

التاجر بدر شرف(يمين) وعارف العارف وخلفهما طاهر القطب في القدس 1910(مجموعة روان شرف/ أرشيف خزائن)

أحوال التجارة خلال حقب مختلفة
وأضاف عاصلة "بيّن لنا أرشيف شرف العلاقات بين التجار العرب واليهود قبل النكبة، وحال خطوط التجارة، وعلاقة التجار بالسياسة الأردنية، وسبل تبديل العملات وتحويل الجنيه المصري والفلسطيني إلى الدينار الأردني، كما يحتوي الأرشيف أيضا على طريقة الاستيراد والتصدير بين الأردن ومصر، وأسماء مسؤولي الجمارك في فلسطين الذين تبدلوا عبر الحقب السياسية".

المتصفح لوثائق شرف يلحظ خطه الجميل الواضح، وترتيب الأرقام والأسماء فيه بجداول دقيقة، كما يلتقي بين صفحة وأخرى بأبيات شعر أحبها شرف أو أغان ثورية رددها لسانه ودوّنها قلمه مثل "والنفس هانت والحرب قامت ما بيننا وبين أعدانا.. صوت المدامع لحن المدافع لا عاش من يرضى الهوانا".

وتلونت وثائق شرف بأختام وطوابع تباينت باختلاف السلطات السياسية في القدس، وعلاوة على توثيق أسعار الفستق وبزر القرع وغيرها من الحبوب كتب شرف تواريخ مهمة في حياته، كالولادات والوفيات والمناسبات العائلية، وتكررت أسماء أصدقائه بين السطور كعارف العارف وروحي الخطيب وإسعاف النشاشيبي.

مفكرات التاجر بدر شرف التي بدأ بها منذ عام 1921 واستمرت حتى وفاته عام 1985 (الجزيرة)

نزع الملكية ونزع الروح
من جانبها، تقول الباحثة في أرشيف "خزائن" آلاء قاق للجزيرة نت إنها لم تلتق بالتاجر بدر شرف ولم تعش في زمانه، لكنها من خلال أرشيفه ومفكراته استطاعت لقاءه والرجوع إلى زمنه.

وتضيف "كان واضحا من خلال الأرقام الخسارة التي مني بها شرف بعد النكبة، كان يكتب عبر قوائم الأراضي المصادرة ويسعى لاسترجاعها من خلال مراسلات موثقة مع المؤسسات الحكومية البريطانية والإسرائيلية، لكن محاولاته باءت بالفشل".

"أصيب أبي بجلطتين قلبيتين ومات في الثالثة، كل هذا بسبب قهره وحزنه على أملاكه التي ضاعت" هذا ما قالته رندة (75 عاما) ابنة التاجر شرف للجزيرة نت عن أوراق نزع ملكية أراضي والدها التي نزعت روحه رويدا رويدا حتى استقر جسده في مقبرة المجاهدين في القدس.

حين هرم شرف أخذه أحفاده إلى أحد المتنزهات غرب القدس، لكنه وبعد وصولهم رفض البقاء وألح بالرحيل فورا قائلا بغضب "هذه أرضي التي اشتريتها في قرية ساريس وتحولت إلى مستوطنة شورش".

وتذكر رندة أن والدها كان يشتري الكثير من الأراضي في القدس وقراها قبيل النكبة كي يحفظها من الاستيلاء والتسريب.

رندة ابنة التاجر بدر شرف تتحسس حطة والدها (الجزيرة نت)

تدوين حتى النفس الأخير
وتستذكر رندة والدها فتقول "لم نكن نراه كثيرا، فقد كان منشغلا بالتجارة يغدو مبكرا إلى العمل ويروح متأخرا، كان لديه محل في البازار قرب سوق الباشورة في البلدة القديمة نزوره فيه أنا وأخوتي الخمسة كلما أخذتنا أمي ثروت عقل إلى السوق".

وتواصل ذكرياتها فتقول "كان لديه حب شديد للقراءة، وأتقن الحساب الذهني السريع، حتى أنه كان يحسن العمل بيده اليسرى بنفس كفاءة اليد اليمنى، لكنه لم يكن يرى جيدا بإحدى عينيه، ويظهر الأمر بميلان خطه عن السطر".

وتضيف رندة "كان أبي أول تاجر يطبع أكياسا خاصة به للشاي والقهوة عليها اسمه كعلامة تجارية، كان أيضا يحفظ مفكراته ووثائقه في خزانة حديدية مقفلة ببيتنا في حي الشيخ جراح".

وحين حلت النكبة غادر بدر وعائلته إلى مصر إلى جانب شقيق زوجته أحد أبرز تجار الأقمشة هناك، وسكن في منطقة إمبابة وعمل في تجارة الفول السوداني، ثم عاد بعد 4 سنوات إلى القدس فوجد بيته قد تخرب بفعل العصابات الصهيونية.

رفض بدر أن يخرج من بيته مع احتلال شرق القدس وحلول النكسة عام 1967، وفضل الموت في بيته على إعادة سيناريو الهجرة واللجوء، وبقي يدون مفكراته حتى وافته المنية.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

في الجهة الشمالية لسور القدس، يقع باب العامود كأبرز أبواب السور وأكثرها استخداما، والذي تصدّر المشهد الحالي للمدينة بشقيه السياسي والتاريخي، لكن الباب الحالي، حديثٌ تاريخيا مقارنة بالباب الأصليّ…

المزيد من القدس
الأكثر قراءة