أزمة مالية بمستشفى المقاصد.. قصة تحدٍ بين المقدسيين والاحتلال للسيطرة عليه

مدخل مستشفى المقاصد الخيرية في جبل الزيتون بالقدس (الجزيرة نت)
مدخل مستشفى المقاصد الخيرية في جبل الزيتون بالقدس (الجزيرة نت)

تطفو الأزمة المالية لمستشفى جمعية المقاصد الخيرية في القدس على السطح كثيرا، وتخبو قليلا وبشكل مؤقت كلما نجح المستشفى في توفير مبلغ يسد عجزه المالي ويسمح له بتوفير جزء من رواتب العاملين فيه الذين يبلغ عددهم ألف موظف.

استمرار الأزمة المالية دفع بنقابة العاملين بالمستشفى لإقامة خيمة اعتصام وتنظيم وقفات احتجاجية يومية، وهو الأمر الذي تستغله إسرائيل للسيطرة على المستشفى تحت غطاء الدعم والإنقاذ من الانهيار لصرح طبي وتعليمي فلسطيني صامد في القدس منذ عقود.

لكن هذه المرة يخشى القائمون على هذه المؤسسة الخيرية الانهيار والإغلاق خلال أسبوعين، إذا لم تحول وزارة المالية الديون المستحقة على وزارة الصحة الفلسطينية لصالح المستشفى والتي تبلغ 60 مليون شيكل (نحو 18 مليون دولار أميركي).

نقابة العاملين في المستشفى قررت التصعيد حديثا وإيصال صوتها لرئاسة الوزراء ولمكتب الرئيس الفلسطيني محمود عباس عبر وسائل الإعلام، بعد إنكار وزارة الصحة الفلسطينية وجود ديون مستحقة عليها من عامي 2018 و2019.

جانب من الوقفة الاحتجاجية لنقابة العاملين في مستشفى المقاصد (الجزيرة نت)

تملص وزارة الصحة
وادّعت الوزارة، حسب مقرر نقابة العاملين في المستشفى أحمد عيّاد، وجود خلل في الفواتير المقدمة من المستشفى للوزارة، وعليه قررت خصم 48 مليون شيكل من المبلغ، بالإضافة لخصم الدفعات التي قدمت للمستشفى ليصبح حسابها صفرا.

يقول عيّاد إن المستشفى يعتمد بنسبة 70% على تحويلات وزارة الصحة الفلسطينية لمرضى الضفة الغربية وغزة، وإن الأموال المستحقة على السلطة الفلسطينية هي مقابل خدمات طبية لا منح منها.

ويضيف في حديثه للجزيرة نت أن المستشفى يعالج الحالات المعقدة التي تعجز مستشفيات وزارة الصحة عن علاجها، وهذا يرفع فاتورة العلاج دون شك، مؤكدا أن لجنة من المستشفى توجهت للقاء وزارة الصحة لتدقيق الفواتير معها، لكن الأخيرة رفضت استقبالها.

الطبيب نزار حجة وفريقه أثناء قيامهم بعملية جراحية في الشريان الرئوي لطفلة (الجزيرة نت)

خدمات مميزة
أنشئ مستشفى جمعية المقاصد الخيرية عام 1968 في جبل الزيتون بالقدس، بهدف تقديم خدمات طبية مميزة لمحافظة القدس وسكان الضفة الغربية وقطاع غزة، وسرعان ما أصبح صرحا وطنيا يؤدي دورا رئيسيا في علاج الجرحى والمرضى وكافة الحالات الصحية المعقدة.

سطع نجم المستشفى بكافة التخصصات، لكن قسمي جراحة الأعصاب وجراحة قلب الأطفال يعدان من أهم الأقسام التي تجرى بها عمليات نوعية لا تجرى في أي مستشفى فلسطيني آخر.

يحتوي المستشفى على 270 سريرا، بينها 85 سريرا للعناية المركزة، ويستضيف بشكل دوري عددا من الاستشاريين العالميين من التخصصات الطبية المختلفة، وبالإضافة إلى كلية التمريض التابعة للمستشفى فإنه يعد مركزا رئيسيا لتدريب طلبة الطب والتمريض القادمين من الجامعات المختلفة.

الدكتور نزار: البديل للأطفال الذين تجرى لهم عمليات القلب النوعية بالمستشفى هو التوجه للمستشفيات الإسرائيلية (الجزيرة نت)

تخصصات مختلفة
كما يقدم المقاصد ثمانية تخصصات لخريجي الطب في مجال النسائية والتوليد والأطفال والطب الباطني والجراحة العامة وجراحة العظام وجراحة القلب، بالإضافة لتخصصات جراحة الدماغ والأعصاب والتخدير والأشعة التشخيصية.

لا يقتصر دور المستشفى على تقديم الخدمات الطبية للمحولين من وزارة الصحة الفلسطينية، بل يقدمها لمرضى القدس المهمشين غير المؤمنين في صناديق المرضى الإسرائيلية، حسب عضو المجلس الإداري ومدير دائرة التمريض في المستشفى سليمان تركمان.

ويؤكد تركمان أن جائحة كورونا زادت من سوء الأزمة المالية بسبب تفريغ المستشفى أحد أقسامه وتخصيصه لاستقبال المصابين بالفيروس، وبسبب النقص الحاد في الأدوية والأجهزة الطبية وصلت قيمة الديون المتراكمة على المستشفى لصالح الشركات الموردة إلى 30 مليون شيكل (9 ملايين دولار أميركي).

وعن تحويلات وزارة الصحة، يقول تركمان إن التغطية للعلاج لا تكون كاملة عادة ويتحمل المستشفى العبء المتبقي على المواطن لأن معظمهم لا يمكنهم تسديد الفاتورة العلاجية المستحقة عليهم.

إغراءات إسرائيلية
تطرق تركمان أيضا للإغراءات التي تقدمها إسرائيل للمقاصد مقابل إنقاذه من حافة الأزمة المالية، قائلا إن "المستشفى رفض عرضا بتسلم ديونه المستحقة على السلطة الفلسطينية من أموال المقاصة مباشرة".

يقول مدير دائرة التمريض بالمستشفى "رفضنا لأن هذه قضية سياسية، ولا نقبل أن نكون جزءا من المؤامرة على شعبنا وعلى القدس، ونرفض كل أشكال التعامل مع الاحتلال فيما يخص قضية المستشفى".

ما يقلق تركمان أن المستشفى، وبحكم وجوده في القدس، مسجل في اتحاد الجمعيات الإسرائيلية، وإذا لم يتم إنقاذه بشكل عاجل فإنه سيبدأ بالإغلاق التدريجي بعد عيد الأضحى، مما سيضعه في مأزق بسبب وجوده في القدس المحتلة ويخضع للقانون الإسرائيلي.

سهام من غزة ترافق حفيدها وعمره أسبوعان في قسم العناية المكثفة لقلب الأطفال بمستشفى المقاصد (الجزيرة نت)

مهددات الأزمة المالية
مشاهد كثيرة عجّت بها أروقة المستشفى قد تندثر قريبا بسبب الأزمة المالية، منها احتضانها المرضى من كافة أنحاء فلسطين، ومنها الأحاديث التي تدور بين المرضى والمرافقين من أن مرضهم كان سببا في زيارة القدس والصلاة في المسجد الأقصى، التي كانت حلما يراودهم طيلة سنوات حياتهم.

يقول البروفسور نزار حجّة رئيس المركز الفلسطيني لقلب الأطفال في المستشفى إن "البديل للأطفال الذين تجرى لهم عمليات القلب النوعية في المستشفى هو التوجه للمستشفيات الإسرائيلية"، مؤكدا أنه لن يسمح بذلك تحت أي ظرف.

أجرى حجّة منذ قدومه من ألمانيا وإنشائه المركز عام 2013 أكثر من 2200 عملية جراحية، وإليه يصل الأطفال من الضفة الغربية وقطاع غزة لإجراء عمليات قلب جراحية معقدة بسبب المرض أو التشوهات الخلقية.

وينتظر حجّة وألف موظف آخر في المستشفى رد السلطة الفلسطينية على خطواتهم الاحتجاجية، آملين الاستجابة السريعة بتحويل دفعة من الديون المستحقة كي لا يكون التأخر أو التملص من دفعها سببا في اندثار هذا الصرح الطبي والتعليمي الفلسطيني في القدس.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من القدس
الأكثر قراءة