فيه مقبرة مسيحية مهملة واختبأ في مغاراته رجال السلطان زنكي.. الجزيرة نت تزور "وادي عبيد الله" المنسيّ بالقدس

جزء من وادي عبيد الله الذي يمتد لحوالي 1.5 كيلومتر مربع من التقاء وادي الجوز ووادي قدرون (الجزيرة)
جزء من وادي عبيد الله الذي يمتد لحوالي 1.5 كيلومتر مربع من التقاء وادي الجوز ووادي قدرون (الجزيرة)

على سفوح جبل الطور/الزيتون الغربية، حيث التقاء وادي الجوز ووادي قدرون في القدس المحتلة؛ تنحدر أسفل الشارع الرئيسي بقعة منسية عميقة سميت "وادي عُبيد الله"، ورغم مساحتها الكبيرة وقربها من سور القدس والمسجد الأقصى الشرقي، فإنها تعاني من الإهمال، ويندر الحديث عنها في المراجع العربية المكتوبة، كما غابت تماما عن وسائل الإعلام.

يبدأ الوادي من تقاطع الشارع الرئيسي المؤدي إلى منطقة الصوانة، ويمتد حتى حدود كنيسة قبر السيدة مريم، في مساحة تقدر بنحو 1.5 كيلومتر مربع، ضمن وادي قدرون أو مريم، الذي يحيط بتلة المسجد الأقصى الشرقية، والذي زخر بالآثار والقبور على مر آلاف السنين.

النازل إلى الوادي في فصل الصيف تغوص أقدامه في الحشائش الصفراء اليابسة، أما في الشتاء فتغوص في الماء والوحل، فعمقه واتساعه جعلاه مجمّعا لماء الأمطار، التي أضرت بالآثار والمزروعات والقبور فيه.

ورغم ذلك، تنتشر في الوادي أشجار مثمرة كالتين واللوزيات وشجيرات صغيرة كالبطم والسماق، بالإضافة إلى القمح والشعير، التي استطاعت الصمود بفضل المصاطب الزراعية الحجرية التي بُني بعضها منذ العهدين الأموي والعباسي، لتقليل انجراف التربة في السفح الجبلي.

المعلم الأثري يحتوي على بئر بيزنطية عميقة (الجزيرة)


أول القصور خارج السور

تسكن في نصف الوادي عائلة فلسطينية واحدة تجاور معلما أثريا مهملا، الذي ذكره المؤرخ شمعون ليندمان كأحد القصور الأوائل التي بنيت خارج أسوار مدينة القدس، والذي لم يتبق منه اليوم إلا بقايا برج متهالك يحوي بئرا بيزنطية عميقة.

بعد كثير من السؤال والتحري عن تاريخ البناء، أكد الباحث في تاريخ القدس روبين أبو شمسية للجزيرة نت أن المؤرخين لم يوثقوا هذا القصر، لأن بناءه لم يدم طويلا، لكنه ظهر إلى الواجهة في حفريات الفترة الأردنية قبل احتلال القدس، والتي استؤنفت من قبل سلطة الآثار الإسرائيلية عام 1976.

وتعود أساسات البناء إلى العهد البيزنطي المتأخر، الذي بُني ليكون قلعة أو برجا للمراقبة، ويتوقع أبو شمسية أنه تهدم بفعل الغزو الفارسي أو الزلازل، وبقيت قاعدته الصخرية الأصلية ليبني فوقها أحد وجهاء المدينة قصرا صيفيا له في القرن 17 في العهد العثماني.

المغارات كانت تستخدم للتخزين والاختباء، كما فعل رجال نور الدين زنكي الذين حفروا أسماءهم داخل إحداها (الجزيرة)


عمره مليونا عام

يقدّر أبو شمسية عمر هذا الوادي بنحو مليوني عام، وفق معطيات اتساعه وعمقه بالعُرف الجيولوجي، ويشير إلى أنه كان خطا دفاعيا منخفضا لمدينة القدس، حيث حالت طبيعته وعمقه دون ارتياد محتلي القدس له.

وعلى مدار الوادي، تنتشر العديد من المغارات بمستويات متباينة داخل السفوح الجبلية المطلة عليه، والتي استخدمها الإنسان منذ العهد الروماني لتخزين الغذاء وتربية المواشي والاختباء، ويعلل أبو شمسية تباين ارتفاع المغارات بانخفاض مستوى الوادي عبر مئات آلاف السنين بفعل العوامل البيئية.

مدخل كنيسة قبر السيدة مريم التي بنيت في العهد الصليبي ويظهر وادي عبيد الله وراءها (الجزيرة)


خرج يسأل الله الشهادة

في إحدى هذه المغارات اختبأ رجال السلطان نور الدين زنكي، الذي كان يبعثهم كل فترة ليأتوا بالأخبار التي تساعده في تحرير المدينة المقدسة من الصليبيين آنذاك، وهذا ما دلت عليه عشرات الكتابات بالخط الكوفي، والتي حُفرت داخل مغارة مطلية بالجص تعود إلى منتصف القرن السادس للهجرة.

ذكر هذه المعلومات عارف العارف في كتابه "المفصل في تاريخ القدس"، وأورد ما تضمنته أحد هذه النقوش قائلا "الله ولي بكر بن عمر، حمزة بن حميد، بشر بن عبد الله، محمد بن سنان، المنشئ إياس بن أحمد، عبد الواحد بن السائب، أيوب بن عبد الله، خرج وهو يسأل الله الشهادة".

دلنا صوت صهيل الخيل في الوادي على إسطبل داخل كهف صخري كبير، ذي مدخل حجري يعود إلى العهد العثماني المتأخر، كما تفاجأنا خلال مشينا بعشرات القبور المسيحية التي تمتد على مساحة 3 دونمات في حالة يرثى لها.

جزء من المقبرة المسيحية ويظهر في الصورة سور القدس والأقصى الشرقي (الجزيرة)

قبور مسيحية مهملة
طال التكسير معظم هذه القبور، كما انغرس بعضها في الأرض حتى لم يظهر منها إلا قمة الشاهد، وذك بفعل قوة ماء الأمطار التي تجمعت داخل الوادي على مدار السنين.

وحسب أبو شمسية، فإن معظم هذه القبور تعود إلى ستينيات القرن الماضي، في حين تعود قلة منها إلى العهد الصليبي، ويذكر أن بطريركية الروم الأرثوذكس توقفت عن الدفن في هذه المقبرة منذ احتلال المدينة عام 1967، وتحوّلت للدفن في مقبرة جبل صهيون (جنوب غربي القدس)، بسبب منع الاحتلال الدفن في ما يسميها "مناطق خضراء".

الوادي يحتوي على عدة أشجار مثمرة وشجيرات صغيرة بنيت فوقها مصاطب زراعية لمنع انجراف التربة (الجزيرة)


الاحتلال يسيطر على الوادي

تقسم أرض الوادي إلى عدة قطع، تعود ملكيتها للأوقاف الإسلامية في القدس، في حين منح صلاح الدين الأيوبي عام 1180 مقاطع منها كوقف ذري لعائلة الأنصاري، حتى استأجرتها كنيسة الروم الأرثوذكس منهم عام 1905 لمدة 99 عاما، استمرت تلقائيا بعد الاحتلال وسقوط الدولة العثمانية.

ويؤكد متولي وقف الأرض محمد عاصم الأنصاري (80 عاما) للجزيرة نت أنه تولى وقف الأرض بعد الشيخ عبد الله الأنصاري، الذي كان رئيسا للسدنة في المسجد الأقصى، وسميّ الوقف باسمه.

أحد المداخل المؤدية إلى الوادي (الجزيرة)

ورغم كبر مساحة الوقف وأهمية موقعه، فإن الأنصاري اليوم لا يستطيع التصرف فيه، فقد وضع الاحتلال يده على الأرض بحجة تحويلها إلى حديقة وطنية، كما يحتفل المستوطنون الإسرائيليون بأعيادهم الدينية في هذا الوادي.

بصفتها المستأجر الحالي، وافقت بطريركية الروم الأرثوذكس على تحويل الاحتلال المنطقة لحديقة وطنية، ويؤكد الباحث أبو شمسية أن الاحتلال بحث في الوادي عن آثار تعود إلى عهد الهيكل الأول أو الثاني لكنه لم يجد، فقررت سلطة الحدائق والطبيعة الإسرائيلية تحويله إلى "حديقة وطنية" بصفته مكانا قريبا من "الحوض المقدس"، كما وضعت فيه شواهد حجرية وعلامات للتوجيه السياحي، ضمن ما تسميه "مسار وادي الملوك".

ساحة لمراسم الدفن تحت مستوى الأرض محاطة بجدار إسمنتي حديث (الجزيرة)

ساحة أثرية لمراسم الدفن
أنهى جولتنا سور حجري يفصل بين المقبرة وكنيسة قبر السيدة مريم، التي بنيت في الفترة الصليبية، حيث يُعتقد أن العذراء مريم مدفونة فيها، لكن الملفت في المنطقة أنها كانت ساحة منخفضة عن سطح الأرض، أحيطت بجدار إسمنتي حديث. يقول أبو شمسية إنها كانت ساحة لمراسم الدفن قرب الباب الشمالي للكنيسة، الذي أغلق لاحقا بسبب قوة الأمطار وبقي الباب الجنوبي.

الباحث في تاريخ القدس روبين أبو شمسية يستغرب إهمال الوادي رغم أهميته (الجزيرة)

تظهر آثار بلاط من الفسيفساء في أرضية هذه الساحة، وبقايا آثار تعود إلى الفترة الصليبية، حيث كانوا آنذاك يخرجون من مدخل الكنيسة الشمالي لإتمام مراسم الدفن، ثم يصعدون للدفن في المقبرة المقابلة في الوادي، وهذا ما يعلل وجود بقايا قبور صليبية.

ويختم أبو شمسية متعجبا "زرت هذا المكان قبل 12 عاما، وتعجبت اليوم من الإهمال الذي يتعرض له رغم أهميته".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من القدس
الأكثر قراءة