من الطيرة إلى القدس.. رحلة بدأت بالسينما وانتهت بالمسجد الأقصى

مصاروة يردد باستمرار "الجسد في الطيرة والروح دائما في الأقصى" (الجزيرة)
مصاروة يردد باستمرار "الجسد في الطيرة والروح دائما في الأقصى" (الجزيرة)

بخطى بطيئة لكنها ثابتة، يسير المسن إبراهيم مصاروة دونما تعثر نحو المسجد الأقصى المبارك أربعة أيام في الأسبوع، ولا يتوقف في طريقه من باب العامود إلى المسجد سوى لإلقاء التحية على التجار الذين ألفوا وجهه منذ 20 عاما.

طيرة المثلث بلدته التي ولد وترعرع بها في الداخل المحتل، تبعد 84 كلم عن مدينة القدس، لكن المسافة لم تثنه يوما عن شد الرحال وحث أهالي بلدته والبلدات المجاورة على ذلك.

السبت والاثنين والأربعاء والخميس أيام ينتظر مصاروة (68 عاما) بزوغ فجرها بلهفة ليكون على موعد للقاء المكان الذي يشعر بالانتماء الروحاني له. وخلال لقائه بالجزيرة نت ردد أكثر من مرّة "الجسد في الطيرة والروح دائما في الأقصى".

حكاية هذا المسن مع الأقصى استثنائية ومختلفة عن كثير من قصص المسنين الذين تعلقوا بهذا المكان منذ نعومة أظفارهم، وبات من البديهي ترددهم عليه في شيخوختهم.

افتتح إبراهيم مصاروة في شبابه مقهى في بلدته، حوّله لاحقا إلى سينما، كان يجلب الأفلام التي تعرض فيها من سينما النزهة في مدينة القدس، وضجّت القاعة على مدى سنوات طويلة بالأفلام المصرية القديمة، وخلال تلك الفترة لم يتوقف عن تعليق الإعلانات المروجة للأفلام في أماكن مختلفة بـ"كبّاسة" تاريخية يمتلكها منذ سبعينيات القرن الماضي.

 

إبراهيم مصاروة داخل المصلى القبلي في المسجد الأقصى (الجزيرة)

أغلق مصاروة وشقيقه الأكبر دار السينما، وانخرطا في العمل بتجارة الخضروات والفواكه لسنوات، واصل خلالها إبراهيم الليل بالنهار لافتتاحه بسطات في ثلاث مدن بالداخل المحتل.

طيلة هذه السنوات لم يؤد ركعة واحدة، وقال إن الصلاة لم تكن منتشرة حينها، لكن حدثا مريرا أنهك جسده وعقله لسنوات غيّر مسار حياته إلى الأبد.

رحلة الارتباط الوجداني بالأقصى
خلال عمله في تجارة الخضار شعر بإعياء شديد وتوجه لطبيبه الذي حوّله مباشرة إلى المستشفى، وما إن وصل هناك حتى دخل في غيبوبة، وكان ذلك عام 1987.

استمرت الغيبوبة تسعة أعوام استفاق منها مصاروة عام 1996 فلجأ للأقصى، وقال "الأقصى هو المكان الوحيد الذي شفيت فيه".

ألف المقدسيون وأهالي الداخل من البلدات الأخرى وجه مصاروة الذي يجلس ويتسامر معهم داخل المصلى القبلي (الجزيرة)

بدأ يبحث ويعرف عن الأقصى وقضيته، وفي عام 2000 انطلق بشد الرحال وكانت رفيقته "الكبّاسة الخضراء" مكانها في المنزل، التي تغير استخدامها منذ ذلك الحين من تثبيت لإعلانات الأفلام السينمائية إلى تعليق إعلانات شد الرحال إلى المسجد الأقصى في بلدته.

تشهد "الكبّاسة" ويداه على تغير محتوى الإعلانات التي علقها وما زال، وعلق على ذلك بقوله "كنت أعمل في التجارة الخاسرة والآن أعمل في التجارة الرابحة مع الله".

بعد تثبيته إعلانات عدة جديدة لشد الرحال للأقصى في بلدته، أدى صلاة العصر، وصعد إلى الحافلة نحو المدينة المقدسة التي بات كثيرون يعتقدون أنه ينحدر منها.

استقبلته الجزيرة نت في باب العامود وسارت معه باتجاه الأقصى، لم يتوقف عن رفع يده اليمنى لشكر التجار الذين رحبوا به على امتداد طريق الواد المؤدي للمسجد، وبمجرد دخوله انسابت العبارات على لسانه.

"كل زاوية في الأقصى لي بها ذكرى.. هذه المصطبة تعلمت عليها قراءة القرآن، وهذه السلالم المؤدية للبائكة المقابلة للمصلى القبلي عددها 22، أما الصفوف في المصلى القبلي فعددها 52".

مصاروة يعلق في كباسته التاريخية إعلانا لشد الرحال للأقصى ضمن مشروع قوافل الأقصى (الجزيرة)

ذُهلنا من قوة ذاكرة هذا المسن، إذ لم تخبُ المعلومات المتعلقة في المسجد الأقصى في ثنايا ذاكرته المزدحمة بمرحلتين مفصليتين في حياته قبل الغيبوبة الطويلة وبعدها.

يتفقد مصاروة أهالي بلدته ممن قدموا معه بالحافلة، ويذكرهم بموعد الرحلة القادمة، فهو من يتولى التنسيق مع الحافلات القادمة إلى المسجد ضمن مشروع "قوافل الأقصى" في جمعية الأقصى التابعة للحركة الإسلامية الجنوبية في الداخل المحتل.

عنوان لشد الرحال
يصل عدد الحافلات التي يُسيرها المسن مصاروة إلى المسجد الأقصى خلال شهر رمضان كل عام إلى مئة حافلة، وتلك التي يسيرها بقية أشهر السنة إلى 20 حافلة شهريا.

انطلق مشروع "قوافل الأقصى" بتنظيم من جمعية الأقصى عام 2001، ويشد الرحال عبر هذه القوافل أهالي الداخل المحتل من المثلث والنقب والجليل ويافا وحيفا وعكا والرملة واللد.

مصاروة مع مجموعة من أهالي بلدته يتجهون للمسجد الأقصى ضمن مشروع قوافل الأقصى التابع لجمعية الأقصى (الجزيرة)

تُسيّر الجمعية نحو مئتي حافلة شهريا، ويرتفع عدد الحافلات إلى 1500 كل عام خلال شهر رمضان، وفي عام 2019 بلغ مجموع الحافلات المتجهة من المدن والبلدات المختلفة إلى الأقصى 4 آلاف حافلة.

يهدف هذا المشروع الذي ينقل أهالي الداخل بشكل مجاني للمسجد الأقصى، إلى تحفيزهم على شد الرحال وإعمار مدينة القدس، وتوطيد الارتباط بالمسجد الأقصى من خلال تزويدهم بالرواية الإسلامية الصحيحة لمعالمه وتاريخه.

ساهم هذا المشروع طيلة السنوات الماضية أيضا في دعم الاقتصاد المقدسي، وتفعيل الأنشطة الصيفية والجولات الإرشادية داخل المسجد، وزيادة عدد المصلين والمعتكفين فيه.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من القدس
الأكثر قراءة