الذكرى 72 للنكبة.. مقدسية عاشت كافة الحروب تروي شهادتها للجزيرة نت

ظريفة عودة تحمل صورة زوجها الذي توفي قبل عقود (الجزيرة نت)
ظريفة عودة تحمل صورة زوجها الذي توفي قبل عقود (الجزيرة نت)

أسيل جندي–القدس المحتلة

بثوب تراثي فلسطيني أسود طرّزته بيديها قبل عقود باللون الأحمر، وغطاء رأس سُكّري ربطته إلى الخلف بتأن وعناية، وابتسامة تظهر بخجل وتخبو كثيرا لتحل مكانها دموع حسرة لم تفارقها، استقبلت المسنة المقدسية ظريفة عودة عليان الجزيرة نت في منزلها لتروي تاريخ أرضها وقصة شعبها التي عايشتها منذ نحو قرن.

ولدت المسنة عام 1922 في بلدة جبل المكبر جنوبي القدس وترعرعت فيها، قبل أن تتزوج وتنتقل للعيش في دير أيوب مع زوجها الذي ينحدر من هذه القرية الواقعة بين مدينتي القدس والرملة.

ظريفة (98 عاما) حاولت جاهدة تذكر تفاصيل أول حرب عاشتها، وقالت إنها أنجبت في القرية ابنها البكر خالد قبل تهجيرهم من القرية بأربعين يوما.

"كان منزل عائلة زوجي مطلا على طريق الرملة-القدس العام، ولطالما استحكم المقاومون عند منزلنا والمنزل المجاور لاستهداف القوافل اليهودية المارة قرب القرية، وقتل الكثير من أفراد هذه القوافل على يد أبناء دير أيوب".

الاستهداف المباشر للمغتصبين -حسب تعبير المسنة- جعل المنزلين عرضة للنسف، إذ هدد البريطانيون أهالي القرية بتفجير المنزلين إذا استمر إطلاق النار منهما، وقالوا لهم "يمكن أن تتربوا إذا نسفنا بيوتكم".

وهذا ما كان بانتظار منزل ظريفة بالفعل، ففي 7 فبراير/شباط 1948 اقتحمت القوات البريطانية القرية ودمرت منزلين، أحدهما لعائلة عليان والآخر لعائلة السيّد.

‪المسنة المقدسية ظريفة عودة عليان في منزلها بحي الصوانة في القدس‬ (الجزيرة نت)

خالد والخاتم
حملت ظريفة طفلها خالد وهاجرت مع مجموعة من النساء تاركة خلفها زوجها يقاوم مع رجال القرية التي احتُلت ثلاث مرات أثناء المعارك التي دارت حول اللطرون في مايو/أيار ويونيو/حزيران 1948 حسب تاريخ عصابة الهاغاناه الصهيونية.

لم تتمكن ظريفة من حمل شيء من منزلها المكون من طابقين سوى خالد وخاتم ذهبي ترتديه حتى اليوم، وتنظر إليه بين الفينة والأخرى كلما حاولت تذكر تفاصيل حياتها اليومية في دير أيوب.

وعن تلك الحقبة قالت "لا أعلم ما مصير أشجار التين والعنب والصبر التي كانت تزين محيط منازلنا.. المنزل كان لكل العائلة، ولكل منا غرفة في الطابق الأرضي وأخرى في العلوي.. زوجي كان أول من أنهى تجهيز غرفته في الطابق الثاني.. وضعنا الشباك والبلاطة التي أمامه.. لم نكن قد ثبتناها بعد، وهُجّرنا قبل تثبيتها ولم ننعم بالحياة في غرفتنا الجديدة".

انتقلت الشابة العشرينية للعيش مع ذويها في جبل المكبر، وبعد نحو شهرين عاد زوجها محمد بعد السيطرة على القرية بشكل كامل، واستأجرا منزلا ثم اشترى زوجها منزلا عام 1962 في الحارة الوسطى بسلوان.

كانت الضربة القاسية الثانية التي تلقتها في حياتها وفاة زوجها عام 1964 تاركا خلفه تسعة أطفال لزوجته التي تمنت لو بإمكانها إخباره بأن الحياة تحت التراب باتت أفضل بعد نزوحها مع جميع أطفالها إلى الأردن مع اندلاع الحرب عام 1967 واحتلال الشطر الشرقي من القدس.

عاشت ظريفة في مخيم الوحدات خمسة أعوام مع أبنائها، وشهدوا على حرب "أيلول الأسود" التي وصفتها والنكبة بأبشع حربين عاشتهما.

عادت المسنة مرة أخرى إلى منزلها في بلدة سلوان، وبدأ أبناؤها بالهجرة واحدا تلو الآخر إلى أميركا، بينما تزوجت بناتها وانتقلن للعيش مع أزواجهن خارج فلسطين أيضا، لتبقى وحيدة تواجه مستقبلا مجهولا وحاضرا قاتما في ظل اتساع رقعة تضييق الاحتلال على المقدسيين عاما تلو الآخر.

‪سهبت في الشرح عن أثوابها التراثية‬ (الجزيرة نت)

ذاكرة تزدحم بالألم
لم يكن من السهل على المسنة سرد الأحداث بتسلسل، وعن بعض تفاصيل الحروب التي عاشتها كانت تصمت طويلا وتبكي، ثم تضرب بيدها اليمنى على الجهة اليمنى من رأسها وتقول "مش متذكرة يا ستي ناسية"، فتتدخل ابنتها ميسر -التي عادت مؤخرا لتعيش في القدس- لتنعش ذاكرتها بالمحطات المليئة بالألم.

فتحت خزانة ملابسها واختارت ثوبا تراثيا لتشرح عنه، فقالت إنها لطالما قضت وقتها في تطريز أثوابها بيدها بعد بقائها وحيدة.. تحمل الثوب بيديها وتبكي بحرقة على سنين حياتها التي قضتها بين تهجير ونزوح ورعب تغلغل في قلبها.

في نهاية العام 1987 شهدت ظريفة اندلاع الانتفاضة الأولى، وكابدت ظروف منع التجول والاعتقالات واقتحام المنازل وتفتيشها، وبعد انتهائها سافرت إلى أميركا للمكوث مع أبنائها لشهور، ثم عادت إلى القدس.

وفي العام 2000 قدّر لها أن تعيش أحداث الانتفاضة الثانية التي انطلقت شرارتها من المسجد الأقصى، المكان الذي ألفت زيارته والصلاة في رحابه كل يوم جمعة، إلى أن تعاظمت آلام المفاصل لديها وأصبحت حبيسة منزلها الجديد في حي الصوانة بالقدس منذ العام 2007.

لم تعد المسنة التسعينية قادرة على التعبير عن محطات الألم الأخرى في حياتها، واكتفت في ختام حديثها للجزيرة نت بترديد أهازيج شعبية أشعلت الحزن الممتد لعقود في روحها.

"أنا يا جرح القلب يا ناس عمّل وعيّا عالمراهم والدوا.. أنا لأعن عنات النحل بدواي يا جرحي عذّب الحكام بدواي يا ربي ما خلق علّة بلا دواي إلا علتي مالها دوا.. يا عيني ما غضت النوم ساعة ولا قلبي جفا الخلان ساعة حبابي لو سقوني سم ساعة على قلبي ألذ من الشراب.. شمالي يا هوا الديرة شمالي عاللي أبوابهم تفتح شمالي أنا المحبوس في الحبس الشمالي ترا المحبوس والميت سوا".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسي
الأكثر قراءة